فضيحة غاز الأعصاب "الاسرائيلي" في هولندا

 

 لم تكن الشكوى العربية المستمرة من برامج أسلحة الدمار الشامل "الاسرائيلية" لتغير من سياسة الصهاينة في فلسطين المحتلة على الصعيد النووي والكيماوي والجرثومي، اذ استمرت المفاعل النووية ومراكز الأبحاث الجرثومية في تطوير برامجها، وفي عمليات تخزين الأسلحة وتهديد الدول العربية بتلك الأسلحة الفتاكة.

  وكانت الخطوات "الاسرائيلية" على الصعيد المذكور تتم برعاية أمريكية مستمرة، عبر الوصاية التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية على المنظمات والمؤسسات الدولية ذات المهمات الرقابية والردعية، كمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية وسواها.      

   الا أن ما حدث سنة 1994 في الرابع من شهر تشرين الأول ساهم في كشف النقاب عن برامج التسلح الكيماوي التي تحدث عنها نائب رئيس معهد "نيس زيونا" ماركوس كلينغبرج وقضى بسبب ذلك 15 عاما في السجن وأفرج عنه منذ شهر تقريبا.

  ما حدث في الرابع من شهر تشرين الأول عام 1994 في هولندا، هو أن طائرة سقطت فوق ضاحية  بالمدينة السكنية في امستردام فأودت بحياة 50 شخصا وأصابت مئات آخرين بجروح مختلفة، دون أن تتضح حقيقة المواد المنقولة في الطائرة وطبيعة مهمة الطائرة المتجهة الى تل أبيب، اذ أن التحقيقات من جراء سقوط الطائرة الاسرائيلية كان يتم بشكل سري حتى أكدت الوثائق الرسمية التي نشرتها صحيفة "ان ار سي" الهولندية أن الطائرة كانت تنقل ما لا يقل عن عشرة براميل يحوي كل منها نحو 19 ليتراً من مادة "ديميثيل ميثيلفوسفونات" باتجاه  "اسرائيل" ، لتُسلّم الى معهد الابحاث البيولوجية في "نيس زيونا" قرب تل أبيب، خاصة وأن خبراء هولنديون أكدوا أن العديد من سكان العمارات السكنية التي هوت الطائرة عليها شكوا من متاعب صحية وظهرت لديهم اعراض احمرار الجلد والاجهاد المتواصل وسقوط الشعر بسبب السموم "الاسرائيلية"، وقال جوريس اجزيرمان في حديث لهيئة الاذاعة البريطانية، ان حوالى 300 شخص قدموا شكاوى ضد شركة "العال" "الاسرائيلية" ، قد ا ثبت علاقتها بنتائج حادثة سقوط الطائرة "الاسرائيلية" بينما  الشكاوى الاربعمئة الأخرى الخطيرة لم تثبت بعد.

  ومهما تقدم فان الرعاية الدائمة لبرامج التسلح والسياسة "الاسرائيلية" ، هي رعاية امريكية بالدليل الحسي الملموس؛ اذ أن مصدر الشحنة الكيميائية هو الشركة الأمريكية المسماة "سولكا ثرونيك كيميكالز"  في موريسيفيل في ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أقرت بأنها شحنت المواد الخاصة بتصنيع غاز السارين القاتل الى "اسرائيل".

  على الاثر، تقدم بعض النواب الهولنديين بطلب اجراء تحقيق، بعد أن قالوا أنهم ضُلّلوا  فيما يتعلق بموضوع الطائرة التي سقطت وحمولتها، وذكروا انه لم تذكر قط معلومة تفيد ان تلك المواد الكيميائية يمكن استخدامها لتصنيع غاز اعصاب "السارين".

  والمفارقة الكبرى، أن "اسرائيل" في هذا القت، كانت تبذل الجهود للقضاء على ما يزعم أنه برنامج كيماوي عراقي باعتراف رئيس مفتشي الأمم المتحدة في العراق الأمريكي ريتشارد بتلر وعضو فريق التفتيش الأمريكي سكوت ريتر اللذين أكدا تعاونهما مع الأجهزة "الاسرائيلية" في سبيل نزع السلاح العراقي على صعيد المعلومات و الخبرات، الأمر الذي أثار ضجة كبرى في الأمم المتحدة التي باشرت تحقيقاتها في الموضوع بعد طلب العراق ذلك وتأييد مصر لذلك.

   مصر، ودون أن ننسى ايران والسودان، اعتبرت نفسها ، وهي كذلك، معنية بموضوع نزع الأسلحة العراقية وبناء الترسانة "الاسرائيلية"، شنّت هجوماً عنيفاً على "الاسرائيليين" على لسان الرئيس المصري حسني مبارك الذي تحدث عن عدم عدالة في التعاطي مع موضوع الأسلحة الاستراتيجية معتبرا أن هدف "اسرائيل" من ذلك (الحديث عن أسلحة عراقية ومصرية ) هو تحويل انتباه العالم عن ترسانتها العسكرية.

  وقال مبارك في حديث ادلى به لصحيفة "القوات المسلحة" المصرية لمناسبة الاحتفالات بمرور 25 عاماً على حرب تشرين مع اسرائيل، "لقد تعودنا على ذلك من الصحف "الاسرائيلية" ، وبعض المسؤولين السياسيين والعسكريين على مدى السنوات الاخيرة، ولعلكم تذكرون الضجة والزوبعة التي اثارتها "اسرائيل" مع اجراء المناورة (للجيش المصري) - بدر 96 - برغم انها كانت في اطار النشاط التدريبي لقواتنا المسلحة، وتذكرون ايضاً ما اثير تارة حول تنامي القوات المصرية، وتارة اخرى حول القوات البحرية وآخرها منذ شهور حول الصواريخ الروسية القديمة لدينا".

اضاف مبارك "اعتقد ان تلك الزوابع ما هي الا تغطية وستاراً على ما تفعله "اسرائيل" ، فعندما تحدثت الصحف "الاسرائيلية" سبق ذلك حصولها على الدفعة الاولى من الطائرات المقاتلة (اف 15 أي) الامريكية الحديثة، كما ان الحديث الآن مرتبط الى حدّ كبير بدخول تلك الطائرات خدمة العمليات في القوات الجوية "الاسرائيلية".

اضاف "عندما تحدثت الدوائر السياسية عن تنامي البحرية المصرية سبق ذلك حصول البحرية "الاسرائيلية" على غواصات (دولفين) الجديدة وانه حتى عندما اثيرت الزوبعة حول الصواريخ المصرية سبقها بدء "اسرائيل" تجارب الاطلاق على صواريخ (حيتس) المضادة للصواريخ وانه لذلك تصور بعض المسؤولين "الاسرائيليين" ان تصعيد الحملة على مصر باشتراك بعض المسؤولين السياسيين والعسكريين قد يحقق فائدة او قد يمثل ضغطاً عليها خاصة وان الزوبعة الاخيرة مرتبطة بما اثارته الانباء حول التحالف العسكري التركي "الاسرائيلي" ولعلكم تذكرون ما اثارته "اسرائيل" حول الجيش المصري عندما كان لنا تحفظات على تجديد معاهدة حظر الاسلحة النووية ومطالبتي بجعل منطقة الشرق الاوسط خالية من كل اسلحة الدمار الشامل".

  دون دنى ريب، يمكن للمراقب القول ان ميزان العدالة مختل لصالح "الاسرائيليين" ، حيث يضيّق على العرق دولاً وشعوباً، على مختلف الصعد والمستويات، فيما "الاسرائيليون" احرار من كل القيود القانونية والدولية. ولطالما تساءل المرء حول الحصارات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة الامريكية على دول متهمة من قبلها بانها تسعى لامتلاك اسلحة الدمار الشامل فيما "اسرائيل" ، الكيان الذي لا يتعدّى عدد اعضائه الاربعة ملايين نسمة، تمتلك ما تشاء ووفق امكانياتها الاسلحة الذرية والكيميائية والبيولوجية.

فلماذا لا تقوم الولايات المتحدة الامريكية ومجلس الامن من ورائها بالواجب، وفق ما تقتضيه مبادئ العدالة، وتجبر الكيان الصهيوني "الاسرائيلي" على توقيع المعاهدات الخاصة بنزع اسلحة الدمار الشامل!…