الجريمة والفساد في المجتمع "الاسرائيلي"
ابراهيم الحسن
باحث لبناني
مقدمة:
تسببت الازمات الاجتماعية الحادة التي يعاني منها المجتمع "الاسرائيلي" بارتفاع مستوى الاجرام فيه على الصعيدين الداخلي والخارجي. وفي دراسة سيكواجتماعية حول هذا الموضوع، استنتج البروفسور اليهودي "سمحا لانداو" وهو استاذ العلوم الاجتماعية والنفسية في الجامعة العبرية في القدس ان "الاعمال العدوانية واعمال العنف تجاه "العدو" الخارجي تعود في النهاية وتتغلغل إلى داخل المجتمع مما يؤدي إلى ازدياد معدل الجريمة في البلاد…"
نشرت صحيفة معاريف "الاسرائيلية" في عددها الصادر في 12/1/1979 ما يلي : "ان المجتمع اليهودي يعيش مرحلة العد العكسي لاحتضاره فكل شيء آخذ بالضعف وكل شيء آخذ بالتصدع والتفك".
التأزم الاجتماعي هذا في "اسرائيل" وله اسبابه الكثيرة، فبالاضافة إلى ما ذكره "لانداو" حول جدلية العلاقة بين العنف الداخلي والعنف الخارجي، يوجد عوامل تتداخل في ظاهرة الاجرام "الاسرائيلي" تتعلق اولا بنمطية العلاقات السائدة بين الطوائف والطبقات والفئات التي يتألف منها مجتمع العدو، وثانيا، بعوامل اقتصادية وتربوية.
أ ـ على صعيد العلاقات السائدة بين الطوائف، يمكن تسجيل ما يلي : منذ الهجرات اليهودية الاولى إلى فلسطين، شكل اليهود الشرقيون ما نسبته 10.4% فقط من عدد السكان خلال المرحلة الممتدة من 1919ـ1948 بينما كانت الغلبة المهاجرة إلى جانب اليهود الغربيين حيث بلغت نسبتهم حوالي 54.8% ونسبة اليهود المولودين في فلسطين 35.4%. ثم اخذت الهجرات الجماعية لليهود الشرقيين تتوالى مع مطلع الخمسينات إلى ان وصلت نسبتهم إلى 55% من مجموع "الشتات اليهودي".
وعلى الرغم من ان اليهود الشرقيين يشكلون الشريحة الاكبر في المجتمع "الاسرائيلي"، الا ان الدولة ومؤسساتها حرصت على ممارسة سياسية التمييز العنصري بحق هؤلاء فقوقعتهم داخل منازل فقيرة ووظائف متدنية المستوى مقابل تأمين مستوى معيشي ممتاز لليهود الغربيين ووظائف عالية جعلهم الاكثر نفوذا وسلطة داخل "اسرائيل" والحجة "الاسرائيلية" لهذا الوضع ان اليهود الغربيين مشبعين بالعقيدة الصهيونية اكثر من الشرقيين (بغض النظر عن رأينا) وهم اكثر حضارة وتمدنا ومالا. هذه الفجوة الديموغرافية تركت بصماتها على قطاعات مهمة تربوية واسكانية واجتماعية، وادت إلى خلق طبقة حاقدة تحاول بشتى الوسائل ان تدافع عن نفسها، وادت ايضا إلى توتر اجتماعي مقرون بمظاهر الجريمة والفساد لا سيما في احياء وتجمعات اليهود الشرقيين.
ب ـ العامل الاقتصادي ـ نتيجة لتدني الوضع الاقتصادي لليهود الشرقيين، تكونت في المدن الرئيسية احزمة فقر وعلى الاخص في تل ابيب حيث يترعرع كل عام ما ينيف عن 2000 شاب وصولا إلى حدود الضياع بسبب البطالة. اضف إلى ذلك، فان التضخم والغلاء عناصر مهمة في تفاقم ارتكاب الجرائم. مثلا:
عام 1980 بلغ ازدياد الغلاء في اسعار البضائع الاستهلاكية نسبة 132.9% في حيث تقلصت المداخيل الفعلية للعمال بنسبة 9% (سجل في هذه السنة ارتفاع في معدل الجريمة بنسبة 19% عن سنة 1979). وفي عام 1990 ارتفعت اسعار السلع بشكل هستيري فجأة مما الحق ضررا فادحا لاسيما بمصالح الفئات الفقيرة التي تنفق المقدار الاساسي من دخلها على التغذية.
ج ـ الايديولوجية والتربية ـ شحنت العقيدة العنصرية الصهيونية الافراد بظاهرة "التفوق العرقي" الامر الذي خلق جيل من المهووسين يحاول اثبات تفوقه بشتى الوسائل الاجرامية ويؤكد "يهوشع سوبول" (عالم اجتماعي يهودي) ان "تربية الجمهور "الاسرائيلي" على العنف تجاه الخارج (العرب) لا بد ان يرتد نحو الداخل، خصوصا وان هناك شريحة كبيرة في "اسرائيل" تشعر بالغبن اللاحق بها اقتصاديا واجتماعيا، ولا تجد تنفيسا عن وضعها وازمتها، ان شحنة العنف المكبوت والمتراكمة عبر السنين وجهت إلى الخارج دون ان يعي التجمع "الاسرائيلي" حقيقة ان البقاء في حالة حرب مع الخارج سينقل ال داخله عدوى العنف، ومن شأن هذا تسميم الحياة فيه" (صحيفة معاريف 11/8/1989).
كما انه وفي 5 حزيران 1950 اصدر الكنيست قانون العودة الذي ينص على :
1ـ يحق لكل يهودي الهجرة إلى "اسرائيل" (مهما كان وضعه الخلقي والاجتماعي).
2ـ كل مهاجر يصبح مواطنا اسرائيليا بمقتضى قانون العودة.
ونتيجة هذا القانون هاجر الكثير من اليهود المجرمين اصحاب الماضي الجنائي إلى "اسرائيل".
د ـ الازمات الاجتماعية والانتحار: وفق ما صرح به ممثلوا الجمعية السيكولوجية في "اسرائيل" "فان انعكاس الواقع المتأزم على نفسية المهاجر الجديد ادت إلى توالد الامراض النفسية المختلفة" (دافار شباط 1994). وان ما نسبته 31% من السكان يعانون ازمات نفسية حادة ـ نفس المصدرـ وقد بلغ عدد المرضى النفسيين الذين يترددون على العيادات والمستشفيات المتخصصة للامراض النفسية في عام 1989 ثلاثة وثلاثون الف مريض (حسب اذاعة "اسرائيل" في 5 نيسان 1991) اما نسبة الذين يعانون من اضطرابات نفسية بسبب الضائقة المالية والسكنية والبطالة فتبلغ حوالي 40%. وبما ان هذه الامراض وجدت متنفسا لها في الهروب من الحياة إلى الموت عبر الانتحار، فانه من النادر ان يمضي يوما دون ذكر حادثة انتحار عبر الصحف "الاسرائيلية". وقد ذكر رئيس ما يسمى بـ شعبة الطاقة البشرية في هيئة الاركان ان نسبة الانتحار تزايدت بين جنود الجيش "الاسرائيلي" بسبب الازمات التي يعاني منها هؤلاء جراء عمليات المقاومة الاسلامية في جنوب لبنان مشيرا إلى 95 حادثة انتحار تمت في حوالي عام واحد من آب 1994 ـ ايلول 1995 من الجنود والضباط ومعظمهم عملوا في جنوب لبنان.
ورغم هذا الوضع المتأزم سيكولوجيا واجتماعيا لمجتمع العدو، فان بعض المؤسسات الحكومية تلعب دورا هاما في انماء هذه الامراض السيكو اجتماعية بدلا من معالجتها كالمستشفيات حيث يتعرض مرضى مستشفى "مزارع" للامراض العقلية إلى شتى انواع السادية والتعذيب النفسي من قبل الاطباء والممرضين. يقول احد الجنود "الاسرائيليين" وقد دخل المستشفى بسبب توتر عصبي "لقد دخلت مريضا عاديا، وخرجت شبه مجنون.
وهذه اهم العوامل التي ادت إلى تأزم وضع المجتمع الصهيوني، اما مظاهر الاجرام والعنف فيه فقد اخذت اشكالا مختلفة نوردها تباعا.
ـ الجريمة:
تمتد جذورها إلى الهجرات اليهودية الاولى إلى فلسطين العربية حيث ضمت هذه الهجرات عددا من المجرمين وجدوا في "اسرائيل" ملجأ يحميهم من رجال القانون والعدالة.
والجريمة في مجتمع العدو متنوعة، فهي تارة منظمة وتارة اخرى اعتباطية، وتكون حينا على مستوى الطبقات العليا وحينا ثانيا على مستوى الطبقات الفقيرة المعدمة.
أ ـ الجريمة المنظمة: تشبه هذه الجريمة السرطان الخطير الذي يغزو بنية المجتمع الصهيوني من الداخل، ويترادف معناها مع المافيا الامريكية من حيث ان لكل منهما قوانينها واحكامها ومحاكمها، وتمارس مؤسسة "الجريمة المنظمة" اعمالها الاجرامية وفق هرمها الوظيفي وقوانينها الموضوعة على غرار المؤسسات العصرية، فتصبح "العصابة" مؤسسة بيروقراطية هامة.
وبسبب تعاظم نفوذها الاجرامي، كتبت مجلة نيوزويك الاميركية (5/8/1980) حول الجريمة المنظمة "الاسرائيلية" ما يلي : ان المافيا الصهيونية نجحت في ان تفعل في 5 سنوات ما لم تفعله المافيا العالمية خلال 40 سنة.
وتعمل "الجريمة المنظمة" على مستويات عدة كالدعارة، جرائم القتل، التهديد، تهريب المخدرات، الابتزاز، سرقة المجوهرات، السطو على البنوك، هذا على الصعيد الداخلي، اما على المستوى الخارجي فهي تقوم بتجارة الرقيق الابيض وتهريب الماس والمخدرات ولا يخلو سجن بلد اوروبي من عدد من كبار المجرمين "الاسرائيليين".
ـ بعض مظاهر الجريمة
في عددها الصادر في 14 شباط 1989 كتبت صحيفة "هاعولام هازيه"تقول ان الفساد رافق الدولة منذ قيامها، وان الحديث عنه اصبح قائما في كل منزل باسرائيل، وفي كل لقاء اجتماعي لان حجم الفضائح وميزاتها لا مثيل لها سابقا، وان رائحة عفنة كريهة تلف قادة الحكم في "اسرائيل".
تتفشى الجريمة في مجتمع العدو على مستويات عدة، بدءا من الكنيست "الاسرائيلي" مرورا بالوظائف الحكومية العليا والمؤسسات العسكرية وانتهاءً بالطبقة الشعبية الاجتماعية. وعلى سبيل المثال، فان الكنيست "الاسرائيلي" يمثل قمة البرلمانات في العالم من حيث تدني مستوى الاخلاق لدى اعضائه، ومن حيث تورط عدد لابأس منهم باقتراف جرائم خلقية ومسلكية إلى جانب تلقي الرشاوى من حين لاخر.
هذه الجرائم التي يرتكبها كبار السياسيين والراسماليين تعرف بجرائم "اصحاب الياقات البيضاء" وقد ارتفعت نسبتها في المجتمع "الاسرائيلي" خلال السنوات العشرة الاخيرة لدرجة ان راديو "اسرائيل" يذيع كل فترة تعليلا لانتشار هذا النوع من الجرائم، ومما اذيع في 19 ايار 1994 حول هذا الموضوع "انها ظاهرة من الانحلال الناجم عن الركض وراء الثروة المادية، إلى ان اصبح الهدف الرئيسي لوجودها هو الحصول على المال بأي شكل من الاشكال وفق شعار ميكيافيللي "الغاية تبرر الوسيلة" فمن اجل الحصول على المال يرخص كل شيء حتى الاخلاق.
ـ فساد سياسي:
اثناء وجود موشيه دايان في وزارة الخارجية "الاسرائيلية" وجهت اليه تهمة الاتجار بالمخدرات وتهريبها إلى "اسرائيل"، ففي عام 1977 اشترى دايان تمثالا اسبانيا وجدت الشرطة "الاسرائيلية" بداخله كميات كبيرة من مادة الهيروين، وعدا عن تهريب المخدرات فدايان معروف بلقب "سارق الآثار".
هذا مثل بسيط عن الفساد المتفشي لدى "اصحاب الياقات البيضاء" نضيف اليه مثل آخر، يتعلق بـ عضو الكنيست الصهيوني سابقا شموئيل بلاتو شارون. شارون هذا محتال دولي معروف وخاصة في فرنسا حيث مارس سرقة اموال ائتمنها لديه الفرنسيون، فهرب بها إلى "اسرائيل" وحاكمته السلطات الفرنسية غيابيا وصدر الحكم في اواخر ايلول 1979 ويقضي بسجنه لمدة 5 سنوات، وفي نفس الشهر الذي حكم عليه في فرنسا غيابيا كانت محاكمته العلنية قد بدأت في "اسرائيل" وهذه المرة بتهم تتعلق برشوى الناخبين بغية الحصول على اصواتهم في الانتخابات للكنيست التاسعة.
ـ رشاوى وسرقات
في شهر حزيران 1976، القي القبض على مدير وزارة الخارجية يعقوب ابراهام في رام الله بتهمة اعطاء بطاقات شخصية لبعض المواطنين مقابل رشوة مالية يدفعونها سرا.
وفي 11/7/1976، القي القبض على سكرتير رئيسي لم يذكر اسمه لاسباب تتعلق بسمعة كبار الموظفين في محكمة صلح المنطقة الجنوبية بتهمة سرقة اموال وحاجيات من شقق مهجورة اثناء قيامه بتنفيذ اوامر اخلاء وبالتالي حصوله على اجر غير شرعي من ادارة المحاكم لقاء تنفيذ اجراءات حجز (هآرتس 12/7/1987).
اما الفضيحة التي اثارت ضجة عنيفة فهي تلك التي ارتكبها آشد يدلني الذي شغل رئاسة صندوق المرض وكان مرشحا لمنصب حاكم المصرف المركزي بسبب تورطه بكثير من صفقات الرشاوى والاحتيال والتهرب من الضرائب. ولكن التحقيق توقف لانه في حال استمراره سيطال شخصيات كبيرة ومهمة اولها الوزير ابراهام عوفر الذي فضل الانتحار خوفا من مجابهة الاتهامات المتزايدة ضده.
وعلى رغم التعتيم الاعلامي الذي يفرض على جرائم "الحاخامات" فقد تم تسريب بعض منها : كقيام الحاخام يهوشع جولديسكي وزوجته بتشكيل خلية لتهريب الفتيات من "اسرائيل" إلى الولايات المتحدة كرقيق ابيض، وتهريب العملة الصعبة من "اسرائيل" إلى الخارج والعكس بالعكس.
جرائم متنوعة لدى الطبقات المتوسطة والفقيرة:
تزداد الجرائم في الاحياء الفقيرة في "اسرائيل" خاصة تلك التي يسكنها اليهود الشرقيين بسبب الممارسات العنصرية التي تمارس ضدهم من جهة، والوضع المعيشي السيء الذي يعانون منه من جهة اخرى. وتشير المعلومات إلى انه يوجد حوالي 45 الف شاب من السفارديم تتراوح اعمارهم بين 14 ـ 17 سنة هم خارج المدارس ويعيشون حالات الانحراف والسلوك الشاذ. يقول الدكتور اوريخ مدير مستشفى الامراض النفسية في مستوطنة "حيرت مكرمل" قرب حيفا، ان حوادث القتل ناتجة عن التفسخ الاجتماعي والتدهور الاقتصادي والتمييز العنصري مما يؤدي إلى استعمال العنف للوصول إلى الحلول من جانب افراد يعانون من حالات نفسية مرضية عصبية يتخيلون معها انه ليس لتلك الحالات مخرج، وانهم قد وصولا إلى نهاية الطريق.
وتأخذ الجريمة داخل "اسرائيل" لدى الطبقات المتوسطة والفقيرة الاشكال التالية:
أ ـ الادمان على المخدرات : حسب الاحصاءات الرسمية التي اذاعها وزير الشرطة موشي شاحال في 30/6/1993 فان الادمان على المخدرات في "اسرائيل" وصل إلى درجات مذهلة اذ تشير المعلومات (حسب شاحال) إلى وجود حوالي 200 الف شخص يتعاطون المخدرات بينهم 60 الف من الشباب ويتوقع شاحال ان يزداد عدد هؤلاء مع ازدياد عدد المهاجرين إلى "اسرائيل" من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق اذ يعترف شاحال انه "يوجد مجرمين "اسرائيليين" اتخذوا من البلدين مقرا لنشاطاتهم الخاصة بتهريب المخدرات إلى المستوطنين في "اسرائيل". (خبر اذاعة "اسرائيل" 1/11/1993).
ب ـ جرائم السرقة : لا يقل انتشار السرقة في "اسرائيل" عن انتشار المخدرات اذ تصل معدلات السرقة نسبة مرتفعة جدا. فمثلا في العام 1992 بلغ مجموع جرائم الممتلكات 240 الف جريمة. وارتفع عدد السيارات المسروقة بنسبة 31% عن العام 1991 (بلغ عدد السيارات المسروقة عام 1992 21 الف عملية سرقة) وقدرت شركة الضمان حجم التعويضات المدفوعة بسبب سرقة السيارات بـ (250) مليون شيكل. كذلك حدث زيادة في عمليات اقتحام المشاغل بنسبة 25.3% (24) الف عملية، كذلك ازدادت عمليات اقتحام الشقق السكنية بنسبة 10% وبلغت 28 الف عملية (معاريف 25/2/1993).
وحول المخدرات في المجتمع "الاسرائيلي" تتحدث صحيفة يديعوت احرونوت (23/11/1989) فتقول "يوجد 480 الف نسمة تتعاطى المخدرات منهم 25 الف قاصر".
اما حوادث الاغتصاب، فهي تنمو في مجتمع العدو كالطفيليات، فمثلا سجل عام 1976، 161 حالة اغتصاب، وارتفع العدد ليصل عام 1987 إلى 192 وعام 1988 إلى 277، وعام 1994 إلى 493 حادثة اغتصاب. وهذا العدد يعادل في نسبته النسب ذاتها في امريكا والاتحاد السوفياتي السابق حيث يسجل اعلى نسب اغتصاب في العالم.
وفي مجال آخر، تسجل حوادث السير في كيان العدو اعلى نسبة في العالم، يقول الاستاذ الجامعي في علم النفس "بنيامين ينوب" "ان سلوك السائقين "الاسرائيليين" الذين يتميز بالعنف ويفتقر إلى الحذر وآداب القيادة ليس مسالة عابرة، بل هو تنفيس عن الضغوط الناتجة عن حالة التوتر الدائم، وهي تعبير عن نزعة انتحارية، واستهتار بالحياة والواقع الاجتماعي، ووسيلة للتنفيس عن العقد النفسية والمكبوتات في اعماق النفس".
المؤسسة العسكرية الصهيونية
فساد ومخدرات:
بدورها فان المؤسسة العسكرية لم تسلم من تفشي الفساد والمخدرات فيها، فعلى مستوى القيادة مثلا: نذكر كيف تدخل رئيس الاركان السابق رفائيل ايتان للافراج عن ضباط كبار كانوا مسؤولين عن عمليات اعتبرت فاسدة ومسيئة لسمعة الجيش الصهيوني. فقد خفف عقوبة الكولونيل في الجيش "ارييه ساديه" المتهم باصدار اوامر قتل الاسرى خلال الغزو الصهيوني لجنوب لبنان في آذار 1978 ثم اطلق سراح الملازم "دانييل بنيتو" المدان بقتل المدنيين في جنوب لبنان في تلك الفترة، وكان النائب "اوري افنيري" حينها قد اتهم "ايتان" بالكذب في تصريحاته التي ادلى بها إلى الصحف "الاسرائيلية"، ثم روى القصة الحقيقة لتلك المجزرة الغاشمة. يقول "افنيري" ان الضابط بنيتو الذي كان يقود فصيلة مشاة اثناء عملية الغزو عذب اللبنانيين الاربعة لمدة ساعات، ثم خنقهم حتى الموت بحبل من النايلون وبمساعدة اثنين من العرفاء عاوناه ايضا على القاء الجثث في بئر. واضاف يقول : ان بنيتو راح يتفاخر فيما بعد امام احد زملائه الضباط حول الجريمة. وقد تكتم هذا الضابط حول الامر بضع الشيء ولكنه حين علم ان احد العريفين سينال وساما من رئيس الدولة مكافأة له على شجاعته في الغزو اذاع القصة بين رؤسائه. وتابع "افنيري" ان قائد المنطقة الشمالية آنذاك الجنرال "بن عال" امر باجراء تحقيق حول الموضوع وقد اكتشف جنود "اسرائيليون" حلوا محل فصيلة "بنيتو" بعد عدة ايام جثث اللبنانيين الاربعة بعد ان تصاعدت رائحتها من البئر. وكانت الرقابة العسكرية قد منعت الصحف "الاسرائيلية" من نشر أي شيء حول الموضوع سوى ما ورد على لسان "بنيتو" اثناء المحاكمة.
الجنود:
اذا كان صورة قيادة الجيش الصهيوني على النحو الذي رأيناه، ماذا على صعيد جنود العدو.
يتفشى الفساد في صفوف جنود العدو بشكل كبير، فسرقة الاسلحة مثلا باتت قضية يومية يعاني منها القطاع العسكري، وقد عجز المسؤولين الصهاينة عن ايجاد أي حل هذه المشكلة خاصة وان معظم الجنود يعيشون في احياء فقيرة لا تلقى اهتمام من قبل الدولة، تلك الاحياء تتكاثر فيها الانشطة الاجرامية فتعكس نفسها على اخلاقيات جنودها. اضف إلى ذلك، فان غالبية الشباب "الاسرائيلي" مضطرون للخدمة بفعل قانون الاحتياط، وهذا يعني تجمع كل الشباب على اختلاف سلوكياتهم داخل المعسكرات الكبيرة والقواعد العسكرية وحيث يوجد السلاح بكميات كبيرة مما يتيح الفرصة لسرقته، ويسرق الجنود ايضا بعضهم البعض، فاذا حصل ان نسي احدهم سلاحه في سيارته هب الاخر لسرقته وبيعه في السوق الذي تتكاثر حاجته للاسلحة في ظل الطلب المستمر لاسيما من قبل المستوطنين الصهاينة.
مخدرات ايضا
كما وتنتشر المخدرات في صفوف جنود العدو نتيجة الدافع النفسي المتأزم لدى هؤلاء، وسلسلة التساؤلات حول جدوى الخدمة العسكرية وعملية المواجهة مع الموت يوميا لا سيما في جنوب لبنان حيث ادت عمليات المقاومة الاسلامية إلى دحض نظرية "الجيش الذي لا يقهر"، والى زرع الخوف في صميم الجنود مما ادى إلى ارتفاع معدل الانتحار بينهم.
وقد استقطت عصابات المخدرات مختلف الرتب العسكرية في جيش العدو، وكتبت صحيفة هآرتس في آذار 1994 انه تم القاء القبض على عدد من الجنود بعد اكتشاف كميات كبيرة من الحشيش والافيون بحوزتهم. وبعد التحقيق تبين ان هذه الكمية عائدة إلى عصابة مخدرات بزعامة كولونيل في المخابرات. وقد اوقف التحقيق كالعادة بسبب اوامر من جهات عليا.
ولا يقتصر تعاطي المخدرات على العسكريين فقط في جيش العدو، فالمجندات ايضا يتعاطين المخدرات بشكل كبير. وقد اعتقلت مجموعة من المجندات اواخر 1996 بسبب تعاطي المخدرات وثم الحكم على اخريات بالسجن لمدة تتراوح بين 6 اشهر وسنة مع وقف التنفيذ كالعادة.
مصادر البحث:
ـ الصهيونية والفصل العنصري/ د. كمال قبعة
ـ الجريمة في "اسرائيل" / وفيق ابوحسين
ـ عن الصحافة "الاسرائيلية" رقم 108/ 5/1980
ـ الشرق الاوسط 15/12/1980
ـ الرأي العام 27/2/1986
ـ هآرتس 10/7/1987
ـ هعولام هازيه 26/11/1986
ـ هآرتس 4 شباط 1994
ـ هعولام هازيه 27/12/1996
ـ التمييز ضد اليهود الشرقيين في "اسرائيل"/ هلدا شعبان صايغ
ـ التمييز العنصري ابرز معالم الصهيونية/ منشورات فلسطين
ـ "اسرائيل" نحو الانفجار الداخلي / جدع جلادي
ـ معاريف 30/6/1993
ـ دافار 20/1/1994
ـ معاريف 9/11/1993
ـ معاريف 25/5/1993
ـ هآرتس 31/1/1993