العنصرية الصهيونية والقدس

د. علي عقلة عرسان

مجلة الأسبوع الأدبي السورية

12/8/2000


شكراً للراب عوباديا يوسيف الصهيوني العنصري بامتياز ، وهو شكر يعيد إلى الذاكرة من يستحقون الشكر من العنصريين أمثاله: حاييم وايزمن ، دافيد بن غوريون ، إسحق شامير ، مائير كاهانا، باروخ غولد شتاين، أرئيل شارون ، بنيامين نتنياهو ، دافيد ليفي ، إيهود باراك، والقائمة من بعد طويلة جداً، ولكن هذه الرموز تكفي للدلالة على جوهر ما نرمي إليه من وراء ذلك التذكر والتذكير.

فهؤلاء وأمثالهم قدموا للعرب والمسلمين جرعة الحقيقة المرة عن الصهيونية وطبيعتها ومشروعها وأهدافها في وقت تهاوت فيه قناعات عرب ومسلمين عند أعتاب " السلم الصهيوني المزعوم" وتراموا على عدو يتعشمون فيه الصداقة"!؟ وشر البلية ما يضحك، حين تقع على تسويغ لقول الشاعر القديم " ومن نكد الدنيا". لقد تميز ذلك العدو بتقديم الصورة الحقيقية لليهود وليس للصهاينة فقط، وجدد رسم الأهداف الكامنة وراء المشروع الصهيوني ـ الاستيطاني العنصري بما لا يدع مجالاً للشك في نوايا العدو حتى عند أكثر الواهمين تفاؤلاً.

بالأمس القريب كان منتجع " كامب ديفيد" يعج بالصهاينة والمتصهينين وأتباعهم من أميركيين وعرب فلسطينيين، تجمعهم وحدة الأضداد في عمل درامي من نوع فريد ، هدفه النهائي إخراج اتفاق يقبله العرب ويقبلون عليه.. اتفاق يكرس الكيان الصهيوني دولة ذات حق وحضور تاريخيين في المنطقة، عاصمتها القدس، وذات لاءات مشهورة ومرتفعة الصوت تجعل الفلسطينيين مجرد عمال ومستهلكين في السوق الاقتصادية العربية، وتنهي نضالهم من أجل فلسطين، وتضع الشهداء والتضحيات والبعد القومي للقضية الفلسطينية ومعطيات الصراع العربي- الصهيوني والقدس بأبعادها الروحية والعربية والإسلامية في سلة مهملات الذاكرة، وتشطب كل ما يتعلق بذلك من الوجدان الجمعي العربي؟! غريب هذا .. وعجيب أيضاً .. نعم هذا صحيح ولكنه بكل أبعاده يأتي من كتلة بشرية تدعي الحق في إقرار كل ما يتعلق بهذه القضية وتقف وراءها " شرعية دولية" تجسدها وتروجها الإدارة الأميركية برموزها الصهيونية وغطرستها الدولية ونزوعها للهيمنة على العالم.

وفي الوقت الذي دار ويدور فيه ياسر عرفات على عواصم العرب والعالم ليحشد تأييدها لتصفية القدس والقضية، موهماً أنه يحشد ذلك من أجل القدس وقضيتها، قام الراب عوباديا يوسيف ، ممثل شاس والصهيوني العنصري بامتياز، قام بتأكيد حقائق كاد ينساها وينسى طعمها العرب الراكضون وراء وهم "السلام" الأميركي الصهيوني ـ أو الصهيوني الأميركي لا فرق فكل منهما وجه آخر لعملة واحدة؛ قال الراب يوسيف: إن الرب يندم على أنه خلق أبناء إسماعيل ، وأن الفلسطينيين خاصة والعرب عامة: أشرار وأفاع، وهو لا يقبل التعامل مع الأفاعي !؟؟

وفي اليوم التالي صحح يوسيف لليهود ما فهموه خطأً من وعظه المتصل بمن يسمون ضحايا الوحش النازي الذين وصف مأساتهم بأنها نتيجة لتوارث الشرور فيهم، صحح ذلك الفهم بصيغة الاعتذار المتعالي، ولكنه أكد من جديد وصفه للعرب والفلسطينيين، معطياً ظهره للأصوات المحتجة هنا وهناك، آخذاً بحقائق الطبيعة العنصرية للصهيونية التي تتجدد وتتجسد بأشكال مختلفة وتتأكد عند كل مفصل حدث وزمن.

شكراً للراب العنصري عوباديا يوسيف ولأنصاره وأمثاله، لا سيما أولئك الذين أقاموا نصباً عند مدخل " كريات أربع" لباروخ غولدشتاين، مرتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل، شكراً لهم لأنهم جرعوا عرب الوهم والهرولة واتفاقيات الإذعان وسلام الاستسلام حقائق الموقف المستمر لليهود وليس للصهاينة منهم، للتلموديين والتوراتيين معاً، للمتطرفين يميناً ويساراً، ممن يجمعهم المشروع الصهيوني على الحقد المزمن على العرب، والممارسة المستمرة للإرهاب بكل أشكاله ضد العرب الفلسطينيين بالدرجة الأولى، الذين وصفهم يوسيف بالأشرار والأفاعي ، وشتمهم مع كل أبناء إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه السلام من هاجر، وجد العرب كلهم.

إن فيما قدمه يوسيف درس لمن يحسنون القراءة ، وفيما قدمه ويقدمه سواه من الساسة الصهاينة والموالين لهم والمتحالفين معهم ، درس أشد وضوحاً من كل مامر، ولكن... هل نقرأ جيداً ؟؟ وهل أتيح لنا أن نفهم ما نقرأ بشكل جيد منذ بداية القرن العشرين وحتى انتصار حزب الله في لبنان على جيش الاحتلال الصهيوني وعملائه؟!

أظن أن قراءتنا أشبه بقراءة المنوّم ، أو المشغول حتى نقي العظام ودقائق خلايا الأعصاب، بأمور وشواغل أخرى، وهو يقلّب صفحات كتاب يمر عليها بصره من دون أن يستوعبها وعيه... فارق كبير بين التصفّح والتبصّر، بين تركيز قدرات العقل والذات في موضوع، وزوغان كل قدرات العقل والذات عن التركيز على موضوع.

نحن وحقائق الحاخام عودباديا يوسيف على موعد مع تفجّر الحقد الكريه ممارسات صهيونية عنصرية دموية وتدميرية، إذا لم يتحقق تنازل آخر عن القدس وفيها، تنازل من نوع مؤثر على الحق والمقدس والكرامة، وإذا لم ينجز الاحتلال مكسباً آخر على الأرض يتمثل باعتراف عربي شبه شامل بشرعيته ودولته، وإقامة علاقات طبيعية معه، في ظل ما تبقى من ولاية كلنتون وإدارته اليهودية.

لقد أعلن باراك، في محادثات كامب ديفيد الثانية، أنه سوف يعيد بناء الهيكل الذي يوجد -حسب ادعائه- تحت المساجد -الأقصى والعمري وقبة الصخرة- التي يطالب عرفات بالسيادة عليها؛ ومعنى هذا التأكيد تنفيذ ما دأبت الصهيونية على التخطيط له منذ احتلال الجزء الشرقي في القدس عام 1967 وهو تدمير المسجد الأقصى لإقامة ما يسمى بالهيكل الثالث على أنقاضه.

وإذا كان حريق المسجد الأقصى في 21/آب 1969 إحدى المحاولات لتنفيذ الخطط الصهيونية، فإن سلسلة المحاولات لم تتوقف، ومنها المذبحة داخل الأقصى، وحفر الأنفاق تحته لاضعاف بنيانه وتعريضه للانهيار، بعوامل طبيعية أو صناعية، وقيام التنظيمات السرية الصهيونية المتخصصة بإنجاز تدمير المقدسات الإسلامية في القدس لإقامة "الهيكل" في مكانها.

إن تأكيد باراك على أن ما يسمى "الهيكل" موجود تحت المساجد في القدس يشكل إنذاراً شديد الوضوح والخطورة، وإعلان الكونغرس، والإدارة الأميركية بإقامة سفارة للولايات المتحدة في القدس أمر بالغ الدلالة، وتصريح كلنتون بأنه سوف يقوم بمراجعة السياسة الأميركية حول هذا الموضوع وسواه قبل نهاية عام 2000، يضيف إلى الدلالات السابقة عمقاً كبيراً، لا سيما حين يترافق مع دعم عسكري جديد للكيان الصهيوني، وتدخل واسع لدى العرب للموافقة على تصفية موضوع القدس والقضية الفلسطينية برمتها.

ومن اللافت للانتباه بشكل مقلق تركز حملة مثلثة الشعب: أميركية- عرفاتية- صهيونية "إسرائيلية" على الدول العربية والإسلامية ودول العالم، يدعي كل طرف فيها أنه يحشد الدعم العربي والدولي لموقفه، والمرجح أن هذه الجهود تتكامل لإيجاد تغطية شاملة لاتفاق تم التوصل إليه في كامب ديفيد الثانية، ويحتاج إلى:

1-تهيئة الرأي العام المعني لقبوله والموافقة عليه، بعد افتعال زوابع خلافية للتمويه، يتنفس العالم الصهيوني حين يتم الإعلان عن إيجاد حلول لها.

2-حشد تغطية عربية وإسلامية لموقف عرفات ليدخل مرحلة تصفية للقضية، ورمزها المقدس.. القدس، على أرضية دعم وموافقة على ما يقبل به، وقد عودنا على مثل هذا الأمر في مراحل التفاوض السابقة، حتى غدت الدعوة لأية قمة عربية أو تنسيق هي دعوة لتغطية التفريط وتسويغه و "تلبيسه" للقمة أو للتنسيق العربي.

3-الحصول على موافقة من دول عربية وصناعية على الخصوص لتمويل الاتفاق المستتر خلف ظلال "كامب ديفيد".

ويقدر المبلغ المطلوب بـ (70) سبعين مليار دولار، يدخل فيها تعويض "اللاجئين" عن وطنهم وشراء "حق العودة؟! وهذا المبلغ الكبير تبدي الإدارة الأميركية شبه استعداد لتحمل /30/ثلاثين ملياراً منه على مدى سنوات وتريد أن تجمع ممولين لأربعين مليار أخرى.

ويأتي التركيز هنا على العرب ليمولوا حشرانهم المبين، كما جرت العادة في كل الحروب والمعارك والتنازلات!!

ويبقى السؤال مشروعاً عن مدى إمكانية تحقق الأهداف التي أشرنا إليها. لأن تسارع الأحداث، وتركز الاتصالات يرمي إلى إنجاز هذا الأمر للإعلان قبل الثالث عشر من أيلول 2000، الموعد غير المقدس للإعلان عن دولة الحكم الذاتي التي لن تخرج بحال من الأحوال عن محمية تابعة للكيان الصهيوني.

ولكن...

ما هو الموقف الشعبي العربي.. موقف المثقفين والمؤسسات القومية الشعبية والمهنية، موقف الأحزاب والتنظيمات القومية، التي تأخذ بالثوابت والحقوق التاريخية وبالبعد القومي للقضية الفلسطينية من هذا الموضوع برمته..

موضوع القدس وموضوع القضية التي ترمز لها القدس وتشكل مداخلها ومفاتيح السلم والحرب فيها؟!

هل تتفرج على المشهد "المضكي" الذي يتم، وتضرب كفاً بكف وتحوقل وتبسمل وتكتفي بالغضب المكتوم، وتلوك حديد اللّجام الذي يدمي الشفاه؟!

أم أنها تطلق حركة مقاومة فاعلة ورفض شامل لكل هذا المسار وأشباهه التي أوصلت الأمة إلى هذا الدرك، وأوصلت العدو إلى هذا الحد من الغطرسة، وأوصلت العنصرية التلمودية إلى حد إطلاق الإهانات بوجه أمة وتاريخ وعقيدة من دون أية روادع من أي نوع؟!

هل تراها تسمع وتعي وتدرك جيداً أبعاد ومعاني ودلالات قول حاخام شاس عوباديا يوسيف، وتقرأ الطبيعة والعقيدة التي صدر عنها قراءة صحيحة ودقيقة، وتقرأ الأفعال والمواقف التي هي من هذا النوع منذ بدأ المشروع الصهيوني يرسم خطوطه على الورق حتى اليوم الذي أسال فيه دم الأطفال، ودمر فيه القرى، وأقام ذعر المذابح، وغطى الأرض والنفوس بالإرهاب العنصري "المبارك" غربياً؟! أم أنها ستبقى في حالة تبلد وتسليم، في حالة توكل على ما تقدمه القوى الحاكمة للشعب المحكوم؟!

هل تأخذ بمقارنة بسيطة بين ما حققته المقاومة في جنوب لبنان وما يمكن أن تحققه المقاومة الجذرية للاحتلال ومشروعه، أم أنها ستركن للراحة، وتترك المد الصهيوني يكتسح وثبتها المهيضة وثورتها الكامنة، ويؤجج نار حزنها العميق ليحرق منا الأعماق؟!

إن موقفاً يصنعه رأي حكيم مسؤول، وشعب متعلق بالحق والكرامة، والأرض والهوية، والعقيدة والمقدسات، هو الذي يبقى وينقذ ويوصل إلى التحرير والحرية والعدالة ولو بعد حين.

فليكن للقدس ما تعنيه، روحياً وجغرافياً ونضالياً وقومياً، من فعل خلاق معبر في النفوس وعلى أرض الواقع، وليكن للأمة العربية وطلائعها المؤمنة بالله والوطن والحرية تأثير منقذ وبناء.