الغزو الاقتصادي "الاسرائيلي" للبنان 2: دروس من اجتياح العام 1982
اعداد: يولا بطل
اشراف : د.محمد سويد
مؤسسات الدراسات الفلسطينية ـ بيروت 1982.
مقدمة:
ورد في الحلقة السابقة كيفية موازاة "اسرائيل" لغزوها العسكري للبنان مع غزوها الاقتصادي، والطرق والسبل التي اتبعتها لاجل تدمير البنى الاقتصادية للبنان.
في هذا الحلقة، استكمال في القسم الاول منها لطرق الاكراه "الاسرائيلي" للتجار والمواطنين اللبنانيين بغية شراء البضائع "الاسرائيلية"، بعد ان تفرض السلطات العسكرية "الاسرائيلية" الحصار على المناطق التي تحتلها، ولا يعود امام عامة الناس سوى احد الخيارين، اما الموت جوعا، واما التسليم لشراء البضائع "الاسرائيلية".
وفي القسم الثاني من هذا الموضوع، مقتطفات ومقالات من الصحافة "الاسرائيلية" التي واكبت الغزو الاقتصادي للبنان في العام 1982، ويظهر من جهة اولى حجم البهجة "الاسرائيلية" من غزو السوق اللبنانية نتيجة الارباح التي حققها التجار "الاسرائيليون"، ومن جهة ثانية يظهر التشويه الاعلامي الذي روجت لها الصحافة "الاسرائيلية"، عبر قولها ان وزير التجارة "الاسرائيلية" اصدر امرا بمنع تصدير الفواكه والحمضيات حتى لا يصاب الاقتصاد اللبناني بالاعطال. وهو تصريح تنفيه الوقائع على الارض، كما يظهر التشويه الاعلامي في ذروته عندما تثير الصحافة "الاسرائيلية" الى ان غزو "اسرائيل" للبنان كان "جنة عدن" اقتصادية.
سوق محمية في الجنوب اللبناني
كان للعلاقات الاقتصادية التي فرضها الاحتلال "الاسرائيلي" على مناطق لبنانية انعكاس سلبي على فئات اجتماعية عديدة في لبنان، ولا سيما المزارعين والعمال الزراعيين (15 الف منهم تقريبا كانوا مهددين بالجوع مع عائلاتهم في اواخر سنة 1983). (1) وكان اتحاد مزارعي الجنوب قد ناشد الحكومة اللبنانية العمل للجم الغزو الاغراقي وحماية الانتاج الزراعي المحلي، منذ تشرين الاول/ اكتوبر 1982. (2) واتخذت الحكومة اللبنانية فعلا اجراءات لمقاومته، كانت محور تعليق في الصحافة "الاسرائيلية". فنشرت "دافار" في صفحتها الاولى خبر التهديد الذي وجهه رئيس الحكومة اللبنانية، في تشرين الثاني/ نوفمبر 1982، الى التجار الذي يغرقون السوق اللبنانية بالبضائع "الاسرائيلية". (3) وعلق محلل "اسرائيلي" (مئير هارؤوفيني) على تهديدات رئيس الحكومة اللبنانية بقوله:
{مورس ضغط شديد بصورة خاصة عل المستوردين الذين اشتروا من "اسرائيل" منتوجات زراعية ينتج مزارعو لبنان اصنافا مثيلة لها، كالبرتقال والتفاح والموز والبطاطا. وتتفهم دوائر الحكم العسكري "الاسرائيلي" الموجودة في لبنان مشكلات مزارعي الجنوب اللبناني، الذين بقي لديهم فوائض كبيرة بسبب اغلاق اسواق التصدير(مثل سوق سورية) في وجههم، ولقد اعطيت توجيهات تقضي بالحد من تصدير هذه المنتوجات من "اسرائيل" الى لبنان}. (4)
واتخذت السلطات "الاسرائيلية"، فعلا، في مرحلة اولى اجراءات تحد في الظاهر من تصدير بعض المنتوجات الزراعية. فمنعت، على سبيل المثال، تصدير زيت الزيتون الى لبنان، لكنها في الوقت نفسه اغرقت السوق بزيت "المازولا". وقد سبق ان استخدم هذه الاجراء ضد انتاج الضفة الغربية، اكبر منتج لزيت الزيتون. (5) ثم تخلت السلطات "الاسرائيلية" لاحقا عن ادعاء الحرص على معيشة المنتجين في لبنان، خصوصا عندما ظهر لها ان ثمة استعدادا لبنانيا حقيقيا لوضع حواجز حماية في وجه البضائع "الاسرائيلية".
"انحسار الحلم اللبناني" امام مقاومة الغزو الاقتصادي
تفاقمت الازمة الاقتصادية في لبنان، خصوصا على جبهة التصدير، بعد ان فرضت دول عربية عديدة حظرا على استيراد المنتوجات اللبنانية، وعلى راس هذه الدول العربية السعودية التي استوردت (على سبيل المثال) 30% من الصادرات اللبنانية في سنة 1981 و 50% منها في شهر كانون الثاني/يناير 1983.(6) ولقد سجلت الصادرات اللبنانية الاجمالية هبوطا بنسبة 55% في الفصل الاول من سنة 1983 قياسا بالفترة نفسها من السنة السابقة. (7)
في مواجهة هذه الازمة بدأت الحكومة اللبنانية تضيق على المتعاملين مع "اسرائيل" من تجار ووكلاء سفر، وكلفت حواجز الجيش اللبناني منع تسرب البضائع "الاسرائيلية" في اتجاه بيروت. وكان اهم اجراء اتخذ في 2 آذار/مارس 1983، اصدار بلاغ عسكري (عملا باحكام المرسوم الاشتراعي رقم 10 الصادر في 14 شباط/فبراير 1983 والذي كلف الجيش اللبناني بموجبه مهمات امنية استثنائية) يقضي بوقف نشاط المرافئ غير الشرعية. (8) ولقد توقف "الاسرائيليون" بقلق عند هذه الاجراءات المقاومة للغزو الاقتصادي، كما توقفوا امام تصريحات المسؤولين اللبنانيين، ولاسيما تصريح وزير الخارجية، ايلي سالم، الذي قال:
{ لن نفتح، في أي حال من الاحوال، حدودنا مع "اسرائيل" امام حرية انتقال البضائع. ان 95% من صادراتنا معدة الى الدول العربية، وان اقامة علاقات تجارية عادية مع "اسرائيل" تعني اغلاق 22 بوابة حدودية في سبيل فتح واحدة}. (9)
وقوبل ذلك باحتجاج شديد من قبل المفاوضين "الاسرائيليين" (انظر وقائع الغزو). كما علق على ابعاد هذه الموقف الجديد المدير العام لوزارة التجارة والصناعة "الاسرائيلية"، ابراهام اشيري، بقوله:
{لا شك في ان لا مصلحة للبنانيين في اغلاق (دزينة) البوابات التجارية مع الدول العربية بسبب فتح بوابة جديدة مع "اسرائيل". فهذا منطقي ونحن نتفهمه. لكن المسافة بعيدة بين هذا الامر وبين الضغط الذي يمارس في سبيل وقف التجارة مع "اسرائيل" وقفا تاما}. (10)
ولم تكن دوافع هذا الاحتجاج اقتصادية بحتة، كما يتجلى ذلك في ممارسة قوات الاحتلال من جهة (بالقرى والبلدان التي قاطعت اقتصاديا البضائع "الاسرائيلية" كانت تعتبر قرى او بلدانا "معادية") او في تعليقات "الاسرائيليين" على ابعاد العلاقة الاقتصادية على الصعيد الامني والسياسي من جهة اخرى. فهذه التجارة الناشئة كانت "عاملا عظيم الاهمية في المسار السياسي بين البلدين" (غابي زوهار (11) )، وقد ساهمت في "انشاء اواصر وثيقة على اساس اقتصادي مع مجموعة ذات وزن في منطقة الجنوب اللبناني كله وحتى في بيروت، اواصر ستترجم في المستقبل بعلاقات حقيقية". (12)
ساهمت هذه الاجراءات جديا في لجم الغزو الاقتصادي، وخصوصا في تسرب البضائع "الاسرائيلية" نحو شمال لبنان وسائر الدول العربية. وترافقت مع تصاعد المقاومة العسكرية ضد المتعاملين مع "اسرائيل" من تجار ووكلاء سفر وغيرهم (انظر وقائع الغزو). وبدأ "الاسرائيليون" يلاحظون تراجع تجارتهم في لبنان، اذ بلغت بحسب بعض المصادر حدا ادنى قدره مليون دولار في الشهر او اواسط سنة 1983. (13) وحدا ذلك الحكومة "الاسرائيلية" على التفكير جديا في "حماية" مكتسباتها على هذا الصعيد بجعل الجنوب اللبناني "سوقا محمية" على حد تعبير احد كتاب مجلة Newsweek. (14)
بذلت السلطات "الاسرائيلية" جهودا كبيرة في سبيل الحفاظ على انجازاتها الاقتصادية. وفي هذا الصدد، ذكر المعلق "الاسرائيلي" غابي زوهار ان وحدة الاتصال في الجيش "الاسرائيلي" في لبنان "تستعين لهذا الغرض بالتصدير بحرا عن طريق مرفأي حيفا واشدود"، وان اوري لوبراني، منسق الانشطة "الاسرائيلية" في لبنان، قد تجند لمساعدة افراد الوحدة. واضاف المعلق انه على الرغم من ذلك، فما زال "التطبيع يتراجع على الاقل من الناحية الكمية." (15)
تضييق الخناق على الجنوب اللبناني
استخدمت السلطات "الاسرائيلية" كل الوسائل التي في متناولها من اجل لجم هذا التراجع، فبعد ان فشلت في الترغيب، لجأت الى الاكراه الاقتصادي المباشر (اكراه على شراء البضائع "الاسرائيلية"، واغراق السوق اللبنانية بالخضراوات باسعار تقل عن اسعار الكلفة في لبنان، وتعطيل عمل المرافئ الجنوبية)، كما لجأت الى التضييق على دخول البضائع من بيروت وشمال لبنان الى المناطق التي تحتلها. ومنذ تشرين الثاني/ نوفمبر 1983 حولت الحواجز على جسر نهر الاولي الى حدود بكل معنى الكلمة. واشترط على عابري هذه الحواجز الحصول على تصريحات مرور من مكاتبها في الضبية وجزين.(16) وبدأت الحكومة "الاسرائيلية" تفكر جديا في اغلاق هذا المعبر، ولاسيما بعد تصاعد عمليات المقاومة العسكرية ضد قوات الاحتلال في اواخر سنة 1983.(17) وقد اغلقته في كانون الثاني/ يناير 1984 في وجه الشاحنات والسيارات، وسيرت باصات "اسرائيلية" لنقل الركاب من الجنوب اللبناني واليه.(18) وفي الوقت نفسه، كانت القوات العسكرية "الاسرائيلية" تلجأ الى التدمير المنظم للاقتصاد الزراعي، مباشرة عبر اقتلاع اشجار البساتين متذرعة بذرائع امنية.(19)
وفي شباط/ فبراير 1984، اغلقت السلطات "الاسرائيلية" نهائيا معبر جسر الاولي، تاركة بين جنوب لبنان وشماله شريانا فرعيا وحيدا على الطريق التي تصل بلدة باتر ببلدة جزين (بوابة باتر ـ جزين)، وبين البقاع الغربي وسهل البقاع معبرا ضيقا اخر في بلدة غزة عند الخطوط الامامية للجبهة السورية ـ "الاسرائيلية". ومنذ ذلك الحين، اصبحت المناطق المحتلة في الجنوب اللبناني والبقاع الغربي شبه مقطوعة عن شمال لبنان، نظرا الى الصعوبات التي فرضتها السلطات "الاسرائيلية" على انتقال الافراد والبضائع (اضافة الى كل انواع المهانات التي يتعرض لها العابرون). ومع ذلك، ظلت الشاحنات المحملة بالبضائع القادمة من بيروت وشمال لبنان تنتظر بعناد دورها اياما من اجل دخول المناطق المحتلة، للابقاء على علاقة اقتصادية حيوية مع هذه المناطق. كذلك عبرت بصعوبة موازية الشاحنات المحملة بالانتاج الجنوبي شمالا.
وبعد الغاء اتفاق 17 ايار/مايو 1983، في 5 آذار/ مارس 1984، ولاحقا اغلا مكتب الاتصال "الاسرائيلي" في الضبية، اسقطت السلطات "الاسرائيلية" كل الاقنعة نهائيا، واستخدمت اخطر اساليب التضييق على اقتصاد المناطق المحتلة وعلى سكانها. وظهرت نتائج هذا التضييق على شكل فقدان بعض المواد الغذائية في الجنوب، كالطحين مثلا، بسبب منع قوات الاحتلال السفن القادمة من بيروت من دخول مرفأي صيدا وصور. كما انها لجأت الى افراغ واعادة تحميل محتويات كل شاحنة تدخل الجنوب او تخرج منه، وفرضت دفع 600ل.ل. على كل شاحنة يعاد تحميلها، الامر الذي قلص عدد الشاحنات التي كانت تعبر بوابة باتر ـ جزين الى عشر شاحنات في اليوم.(20)
وفي مرحلة لاحقة، منعت قوات الاحتلال دخول الشاحنات الى الجنوب او خروجها منه، وفرض على اصحابها افراغ حمولاتها عند هذا المعبر، على ان يعاد تحميلها في شاحنات تنتظر في الجهة المقابلة، الامر الذي رفع تكاليف النقل من الجنوب واليه (وصولا الى بيروت او البقاع) الى نحو 4500 ل.ل. عن الشاحنة الواحدة.(21) وكان هذا بمثابة ضربة قاتلة مسددة الى الانتاج الزراعي في الجنوب اللبناني والبقاع الغربي، وهو عماد اقتصادهما، وخصوصا الى قطاع الحمضيات الذي يعتاش منه آلاف المزارعين والعمال الزراعيين.
واخيرا، ان مراجعة فترة السنتين الاخيرتين، فيما يخص سياسة "اسرائيل" الاقتصادية ازاء لبنان، بدءا بتخطي الغزو الاقتصادي وتنظيمه، مرورا بالاعلان الصريح بشان النتائج المحققة على هذا الصعيد، خصوصا كل ما تعلق باختراق الاسواق العربية عن طريق لبنان، وصولا الى التدمير المنهي لاقتصاد المناطق المحتلة وتضييق الخناق على سكانها، يظهر بوضوح ان الهدف الذي وضعه حكام الكيان الصهيوني نصب اعينهم هو الحاق اكبر قدر ممكن من الضرر بالاقتصاد اللبناني، بغية تحقيق الالحاق الاقتصادي اولا، والالحاق السياسي ـ الامني لاحقا. ولذا، وجب التنبه الى مخاطر استمرار هذه الحالة على ما هي عليه، والى مخاطر مقاطعة لبنان اقتصاديا (منعا لتسرب البضائع "الاسرائيلية" الى الاسواق المجاورة). فان الاختراق لا يزال شبه معدوم، خصوصا اذا تذكرنا الجهود "الاسرائيلية" المبذولة لتوسيعه، غير ان عدم تأمين مقومات الصمود لسكان المناطق المحتلة ولاقتصادها، ولا سيما القطاع الزراعي (الذي يربط اهلها بارضهم) لا بد من ان يؤدي الى عواقب وخيمة، اهمها افراغ هذه المناطق من سكانها وتسهيل الامور على "اسرائيل" لتطويق ظاهرة مقاومة الاحتلال واخيرا للتحكم في ثرواتها المائية.
الحلم اللبناني الذي يراود الاقتصاد "الاسرائيلي"*1
وصلت هذا الاسبوع عشر سفن شحن محملة بالبضائع آلاتية من كل انحاء العالم الى مرفأ بيروت الذي كان متوقفا عن العمل منذ اكثر من ثلاثة اشهر. وفي "اسرائيل" قوبل هذا "الاستئناف للاعمال كالعادة" بمشاعر متضاربة. وكان ثمة من اعرب عن التخوف من ان يضع استئناف العلاقات التجارية العادية بين لبنان ودول العالم حدا لـ "الحلم اللبناني" الذي يراود الاقتصاد "الاسرائيلي".
بعد الخيبات المريرة التي مني بها رجال اعمال "اسرائيليين" حاولوا في السنوات الثلاث الاخيرة تطوير علاقات تصدير واستيراد مع مصر، وبعد عشرات السنوات من الانقطاع عن "الاسواق الطبيعية" لاسرائيل في الدول المجاورة، شكل التصدير الذي تطور في الاشهر الاخيرة نحو" بلاد الارز" مفاجأة لطيفة، الى درجة ان هناك من تحدث عن ضرورة تعديل " استراتيجية" الاقتصاد "الاسرائيلي" وتحويل جزء، على الاقل، من اهتمامه بتطوير الصناعات المتقدمة الى القطاعات الاستهلاكية التي فتحت فجأة امامها اسواق جديدة يمكن تلبية طلبها خلال ساعات معدودة بواسطة النقل بالشاحنات.
فعلى الرغم من الحرب عامة، ومن حصار بيروت خاصة، وعلى الرغم من الريبة المتبادلة ومن ازدحام الطرق، بيعت في تموز/ يوليو وآب/اغسطس في هذه الدولة بضائع "اسرائيلية" بقيمة 10 ملايين دولار تقريبا. وثمة توقعات ان تبلغ المبيعات مقدار 5 ملايين دولار في ايلول/ سبتمبر ايضا.
ويعني ذلك التصدير بقيمة 60 مليون دولار سنويا. فاذا ما تذكرنا ان تصدير البضائع من "اسرائيل" (باستثناء الالماس) قدر لهذه السنة بقيمة 3.8 مليارات دولار، وان ثمة صعوبات جدية في تحقيق هذه التوقعات، يتبين انه ينبغي عدم الاستخفاف اطلاقا بهذا التوسع غير المتوقع البالغ نسبة 2% تقريبا من اجمالي الصادرات. كما يجدر التذكير بان التصدير الى لبنان تركز في القطاعات التي لم تكن تملك تقريبا اية فرصة في الاسواق الخارجية الاخرى ـ أي الفواكه، والخضراوات الطازجة، والمعلبات، وماد البناء (ترابة، بلاط، مواد بلاستيكية)، ووسائل الري، والخزانات الشمسية، وحتى ايضا بعض منتوجات النسيج.
ان الاثر الايجابي للتصدير الى لبنان يفوق كثيرا حجم المبيعات في قطاعات عديدة، اذ يكمن هذا الاثر في زيادة حجم المبيعات من دون ان تكون هناك ضرورة لانفاق حتى دولار واحد على تجهيزات اضافية او حتى على وضع تصاميم جديدة. ولقد ذكر هذا الاتجاه بما حدث عندما فتحت سوق المناطق {الضفة الغربية وقطاع غزة} امامنا بعد حرب الايام الستة سنة 1967. اذ توسعت فجأة السوق المحلية المحمية ذات الطلبات المحدودة قياسا بطلبات السوق الاوروبية والاميركية المرهفة. ويكفي في بعض القطاعات ان تزداد وحدات الانتاج للسوق المحلية بنسبة 10% فقط حتى تزداد ربحيتها بدرجة كبيرة.
ان الصعوبات التي واجهت ادخال البضائع "الاسرائيلية" الى مصر، والبيروقراطية التي اضطر المصدرون الى التصدي لها، بالاضافة الى صعوبات متعلقة باللغة وطريقة اتمام الصفقات، ولدت كلها في "اسرائيل" انطباعا بانه " ليس لدينا ما نبحث عنه في المشرق"، وبان صناعتنا متطورة اكثر من اللازم بالنسبة الى اسواق الدول المجاورة. لكن تباشير النجاح المحقق في لبنان تبعث آمالا جديدة. فالكثيرون يتساءلون: اذا كنا قد حققنا، من دون بذلك جهد خاص في هذا السبيل، تصدير بضائع بقيمة عشرات الملايين من الدولارات في السنة الى لبنان، اوليس من المحتمل ان نبلغ في السنوات القادمة، بعد ترتيب اتفاق ما ينظم علاقاتنا بالدول المجاورة الاخرى، ومنها دول تتمتع بمستوى مرتفع من المعيشة نسبيا كالاردن مثلا ـ اوليس من المحتمل ان نبلغ تجارة بحجم مئات ملايين الدولارات مع الدول المجاورة، وربما سيحين الاوان اذاك لاحداث "تغيير في الاتجاه" في التطوير الصناعي باسرائيل؟
ينبغي ان نبحث عن الاجابة عن هذا السؤال في مجالين: في المجال الحالي، السياسي ـ التجاري، ثم في المجال الاوسع، الخاص بالاتجاهات العامة لتطوير الاقتصاد "الاسرائيلي". ويمكن تلخيص الاجابة بحكم وحيد: نعم الفرصة موجودة وهي مشجعة للغاية، لكن هذه الفرصة لا تعني باي حال من الاحوال ان ثمة ضرورة لتعديل استراتيجية الاقتصاد "الاسرائيلي".
ان السؤال الحالي المطروح هو هل ان استئناف اعمال التفريغ والشحن في مرفأ بيروت سيضع حدا للطلبيات على البضائع من "اسرائيل"؟ تعتقد جهات اقتصادية في القدس ان لا مبرر لمثل هذا التخوف، فحتى في الوقت الذي كانت فيه بيروت مقطوعة عن العالم، استمر تزويد البضائع لكل المناطق الخاضعة لسيطرة المسيحيين بواسطة مرفأ جونية، كما امن مرفأ طرابلس تزيد مناطق اخرى من لبنان، بما في ذلك المناطق التي يحتلها الجيش "الاسرائيلي".
من الواضح انه اذا عمت الفوضى لبنان فستتوقف التجارة ايضا. لكن اذا عادت الحياة الى حالتها الطبيعية، حتى من دون ارساء علاقات سلام كاملة مع "اسرائيل"، فلن يستأنف التضييق على الصعيد الاقتصادي.
كان الامتحان الرئيسي للقدرة التنافسية للبضائع "الاسرائيلية" في السوق اللبنانية في الاشهر الاخيرة، وسيكون على ما يبدو ايضا في الفترة القادمة، امتحانا اقتصاديا. فاذا ما تبن ان السترات المصنوعة في "اسرائيل" ارخص ثمنا واجود صنعا من السترات المصنوعة في اوروبا الشرقية سيبدي التجار اللبنانيون استعدادا لشرائها. واذ صمد الورق، وخزانات الشمس، والتجهيزات المختلفة في وجه المنافسة آلاتية من وراء البحار، فلا يوجد أي سبب كي لا ننجح في المستقبل ايضا في تسويقها الى ما وراء الحدود الشمالية.
وتذكر المصادر نفسها ان المصنوعات "الاسرائيلية" تباع حاليا في محلات "ماركس آند سبنسر" فما الذي سيعيق تسويقها ايضا في "غاليري سمعان"؟ يقولون في القدس ان امورا كثيرة تتوقف على المصدرين. فاذا لم نستخف بالسوق اللبنانية، وحرصنا على دقة مواعيد التسليم وعلى جودة البضائع، سيبقى لبنان سوقا مضمونة بالنسبة الى بعض فروع الانتاج "الاسرائيلية".
سيستفيد المنتج "الاسرائيلي" من ميزة واضحة في السوق اللبنانية على المنافسين في اوروبا واليابان. اذ في الامكان طلب البضاعة "الاسرائيلية" بواسطة الهاتف وتسلمها خلال فترة يوم او اثنين من دون ان يضطر التاجر الى الاحتفاظ بمخزون كبير. ولا تزيد المسافة التي تفصل بيروت عن حيفا عن المسافة التي تفصل حيفا عن بئر السبع. وان المراكز الاستهلاكية المهمة مثل صور وصيدا، والنبطية وجونية هي اقرب من ايلات الى مراكز التصدير في "اسرائيل".
ثمة موضوع حالي اخر يقلق في هذه الايام المصدرين "الاسرائيليين"، وهو التطورات السياسية. فهل ستستمر التجارة مع لبنان ايضا بعد انسحاب الجيش "الاسرائيلي" من الجنوب اللبناني، وحتى ايضا اذا لم توقع معاهدة سلام بيننا وبين حكومة لبنان؟ ان الانطباع السائد في القدس هو انه في هذا المجال ايضا لا يمكن الحصول على اجوبة قاطعة، وان الكثير مرهون بنا وبقدرة التاجر اللبناني والمنتج "الاسرائيلي" على المناورة.
ان السوق اللبنانية لم تكن مغلقة باحكام منذ مدة. ولقد "تسربت" بضائع "اسرائيلية" لا تحمل علامات منشأ واضحة الى حوانيت صيدا وبيروت عبر "منطقة حداد" منذ عملية الليطاني. وحتى في غياب سلام رسمي بيننا وبين لبنان يمكن الافتراض ان العلاقات غير الرسمية مع الحكم اللبناني ستستمر، وان الاغلاق الاعتباطي للحدود لن يتكرر، وانه سيتم في المستقبل ايضا ايجاد طرائق متعددة لاقامة تجارة بالدفع نقدا، من خلال اعتبارات الفائدة المتبادلة، على نحو تطور هذه الفائدة في الاسابيع الاخيرة.
لا بل ان ثمة املا بانه بالضبط بسبب ان العلاقات التجارية بيننا وبين لبنان ستتركز اساسا في المجال غير الرسمي، وسترتكز على تدخل حكومي اقل في الحياة التجارية في لبنان، فسيزداد "تغلغل" البضائع "الاسرائيلية" في الدول العربية. ولقد فتحت التجارة عبر جسور الاردن قنوات امام هذا "التغلغل".
هناك فائدة اخرى للعلاقة الاقتصادية بيننا وبين لبنان، وهي ان لا مبرر للتخوف على الاطلاق، تقريبا، من ان يضر تعريض السوق "الاسرائيلية" للاستيراد من لبنان بالانتاج "الاسرائيلي". فمصدر نسبة 75% من الناتج القومي القائم في لبنان هو قطاع الخدمات. وان الصناعة القائمة هناك موجهة اساسا لتلبية حاجات السوق المحلية، وخصوصا قطاع البناء. وقد عارضت وزارة الزراعة في الاشهر الاخيرة استيراد الفواكه من لبنان، لكن من المحتمل ان ترفع هذه المعارضة في اطار ارساء علاقات متبادلة، ولا سيما معارضة استيراد الكرز الذي من شانه ان يفرح قلب "الاسرائيلي" من دون ان يشكل تهديدا جديا بالنسبة الى تسويق المحصول الزراعي "الاسرائيلي".
ان تركز قطاع الخدمات في لبنان يشكل هو ايضا نقطة اجتذاب للاقتصاد "الاسرائيلي". وقد تنشأ على مر السنين علاقات بين المؤسسات المصرفية التسعين التي مارست نشاطا في لبنان وبين الجهاز المصرفي "الاسرائيلي". فان "اسرائيل" مستهلك كبير للتسليف، وفي وسعها ان تشكل سوقا للمصارف اللبنانية والاجنبية العاملة هناك. فاذا توفرت نية التعاون ستوجد بالتاكيد وسائل غير رسمية للالتفاف على المقاطعة العربية التي حالت دون قيام علاقات كهذه حتى الان.
كما ان في امكان الصناعة السياحية في الدولتين ان تنمي علاقات فيما بينها، واساسا عبر تسويق " صفقات سياحية" يمكن ان تشمل لبنان واسرائيل وربما مصر ايضا. فان لكل واحدة من هذه الدول نقاط اجتذاب مهمة جدا بالنسبة الى السياح الذي اعتادوا السفر جماعات في السنوات الاخيرة.
هل يفترض كل ذلك "تغيير اتجاه" في الاقتصاد "الاسرائيلي"؟ لا شك في انه لولا المقاطعة العربية ضد القطاع اليهودي التي بدأت منذ الثلاثينات، ولولا العزل المطلق لاسرائيل عن جاراتها بعد سنة 1948، لكان تطور "اسرائيل" الاقتصادي مغايرا لما اختبرناه في السنوات الاربعين الاخيرة، ولبذلنا جهدا اقل في سبيل تصدير منتوجات متطورة، ولاستفدنا من سوق اوسع للمنتوجات الاستهلاكية، ولكانت حالة الصناعة "الاسرائيلية" اكثر شبها بالصناعتين الارجنتينية والبرازيلية، مع ما ينطوي عليه مثل هذا الاقتصاد من حسنات وسيئات.
بعد ان حدث ما حدث، فاننا نعي اليوم انه حتى لو تمكنا من اقامة علاقات تجارية مع كل الدول العربية فلن تتغير بنية الاقتصاد "الاسرائيلي" كثيرا. ولن يتجاوز تصدير السلع الاستهلاكية الى هذه الدول مئويات قليلة من اجمالي حجم التصدير الذي ستضطر "اسرائيل" الى الحفاظ عليه وتنميته بغية تسديد ثمن استيرادها. وان الترشيد نحو الصناعات المتقدمة تكنولوجيا سيبقى هو الامتحان الرئيسي لقابلية الاقتصاد "الاسرائيلي" على الاستمرار.
سياسة "الجسور المفتوحة" سارية المفعول في لبنان ايضا*2
في كل يوم ياتي الى الممرات الحدودية الثلاثة على حدودنا الشمالية نحو 20 شاحنة "اسرائيلية" محملة بالبضائع المصنوعة في البلد ("اسرائيل") والمعدة لمستهلكين لبنانيين. تتوقف هذه الشاحنات في مناطق تفريغ اعدت خصيصا لذلك في الجانب اللبناني من الحدود، حيث تفرغ حمولتها من البضائع التي يعاد تحميلها في شاحنات لبنانية. ويوقع التجار ورجال الجمارك المستندات المطلوبة، ثم تصل البضاعة "الاسرائيلية" الى حوانيت بيروت وصيدا وصور ومدن لبنانية اخرى. وهكذا يتمكن سكان بلاد الارز من الاستفادة من المنتوجات الغذائية التي تنتجها شركتا "عيليت" و"اوسم"، وحتى من منتوجات الصناعة مثل: مكيفات الهواء وشبكات الري ومواد البناء.
يعطي المنتجون "الاسرائيليون" فعلا تعليمات تقضي بنزع علامات المنشأ "الاسرائيلي" عن البضاعة المعدة لسكان لبنان، لكن الامر هو بمثابة سر مكشوف بالنسبة الى سكان بيروت وسائر مدن لبنان الذين يدركون انهم يشترون بضاعة "اسرائيلية". وتباع لهم هذه البضائع بكميات متزايدة.
ان الحدود القائمة بين "اسرائيل" ولبنان مفتوحة كأي حدود بين دولتين صديقتين. وفي وسع السيارات الخاصة التي تحمل لوحات تسجيل لبنانية ان تعبر ايضا الى "اسرائيل" من الممرات الحدودية في رأس الناقورة وبيرانيت والمطلة، بعد ان تخضع لاجراءات بسيطة نسبيا اتخذت في الايام الاخيرة. اذ على السائق اللبناني الراغب في عبور نقطة الحدود ان يملأ اضبارة يتعهد بموجبها بدفع رسم تامين في احد فروع المصارف وان يخضع سيارته للتفتيش، كإجراء بسيط نسبيا، في احد كاراجات "كريات شمونة" أو "الجليل الغربي"، وتصبح الطريق مفتوحة امامه بعد ذلك وصولا الى حيفا وتل ابيب.
فتحت "اسرائيل" حدودها الشمالية كما لو كان هناك سلام رسمي بينها وبين لبنان، في الوقت الذي لا يزال هذا السلام مجرد امنية. وقد اتخذت "اسرائيل" في هذا الشان تدبيرا من جانب واحد، اذ يبدو انه تقرر في القدس ان تطبق ازاء لبنان سياسة "الجسور المفتوحة" التي اثبتت فعاليتها تجاه الاردن بعد حرب الايام الستة التي ارست سلام الامر الواقع. وعلى الرغم من ان سياسة "الممرات المفتوحة" على حدود لبنان لم تنتهج الا منذ بضعة اشهر، فلقد اثبتت فعاليتها وخلقت واقعا جديدا من العلاقات التجارية الاخذة في التوسع باستمرار.
يتحدث وزير التجارة والصناعة جدعون بات عن هذا الواقع الجديد الناشئ، فيقول: "كان حجم الصادرات "الاسرائيلية" في لبنان في الاشهر الاخيرة اكبر من حجم مبيعاتنا لمصر في السنتين المنصرمتين".
وكما هو معروف، فان بين "اسرائيل" ومصر معاهدة سلام واتفاقيات اقتصادية كثيرة، في حين انه ليس لاسرائيل في لبنان أي اتفاق ولا حتى طرق اتصال رسمية. فكل شيء يتم في هذه الاثناء باسلوب بدائي للغاية: اذ ياتي التاجر اللبناني الى المكتب الذي فتحته وزارة التجارة والصناعة على نقطة الحدود في راس الناقورة، ويتصل نم هناك هاتفيا بالشركاء "الاسرائيليين"، او انه يحضر مباشرة الى المصنع حيث يقدم طلبه من البضاعة التي يريدها.
بهذه الطريقة، بلغت القيمة الاجمالية للصادرات "الاسرائيلية" الى لبنان في الاشهر الخمسة الاخيرة مقدار 50 مليون دولار تقريبا. وازداد التصدير من دون توقف. ولا تبيع "اسرائيل" للبنان في كل شهر مقادير اكبر من البضائع فحسب، بل انها تبيعه تشكيلة اوسع من المنتوجات.
يعود تاريخ العلاقات التجارية بين "اسرائيل" ولبنانيين متعاملين معها الى ما قبل عملية "سلامة الجليل" 1982. في تلك الفترة كانت التجارة تتم مع سكان الجنوب اللبناني في المنطقة الواقعة تحت سيطرة الرائد حداد. ووصل منذ ذلك الحين جزء من تلك البضائع "الاسرائيلية" التي بيعت في الجنوب اللبناني، الى الشمال، الى ما وراء شريط حداد. بيد ان حجم المبيعات كان متواضعا نسبيا: 750 الف دولار في شهر نيسان/ ابريل، و550 الف دولار في ايار/مايو، و800 الف دولار في حزيران/ يونيو.
حدثت الانطلاقة في التجارة مع لبنان بعد الحرب. ولا شك في ان السياسة المرنة التي انتهجتها وزارة التجارة والصناعة ساهمت في تحقيق هذه الانطلاقة. اذ لم تع هذه الوزارة الاهمية السياسية التي ترتديها هذه العلاقات فحسب، بل وعت ايضا الاهمية الاقتصادية للتصدير الى لبنان في الوقت الذي يواجه التصدير "الاسرائيلي" صعوبات عديدة في سائر انحاء العالم. وفي ضوء ذلك، استقبل الوزير بات وممثلو غرفة التجارة في بداية آب/اغسطس من هذه السنة بعثة ضمت 25 تاجرا لبنانيا من بيروت والرشيدية وصيدا. وتجولت هذه البعثة في البلد ("اسرائيل") خلال يومين. واعلن إذاك الوزير بات استعداد "اسرائيل" لفتح الممرات الحدودية، وحتى لوضع مرافئ "اسرائيل" في تصرف المستوردين اللبنانيين. لقد جاء تصدير البضائع من "اسرائيل" الى لبنان في البدء تلبية للحاجات الحيوية لسكان لبنان، الذي انقطعوا خلال اشهر الحرب عن مصادر التزويد السابقة. واشترى تجار لبنان في البدء من "اسرائيل" مواد غذائية بصورة اساسية، وكذلك مواد بناء: ترابة وزجاجا وحديدا وما شابه، بغية اصلاح ما دمرته الحرب. اما الان فتوسعت تشكيلة السلع المطلوبة بحيث اصبحت تشمل منتوجات صناعية اكثر تطورا كالكيماويات وخزانات الشمس والمفروشات ومعدات الري ومكيفات الهواء وغيرها. ولا يقل اهمية عن ذلك ان دائرة المصدرين "الاسرائيليين" الذين يتاجرون مع لبنان توسعت كثيرا. وثمة حاليا نحو 140 مصدرا اسرائيليا يصدرون الى لبنان، وينضم اليهم في كل شهر نحو 40 مصدرا اسرائيليا جديدا.
ينقسم التصدير "الاسرائيلي" الى لبنان الان الى ثلاثة انواع مختلفة: اولا، تصدير عادي للبضائع يصحبه تسجيل البضائع المصدرة مع كل المستندات المعهودة في عمليات التصدير العادي. ولقد بلغت قيمة هذا التصدير مقدار 4.5 ملايين دولار في شهر تموز/يوليو، و 5.3 ملايين دولار في شهر آب/اغسطس، و7 ملايين دولار في ايلول/ سبتمبر، و9.3 ملايين دولار في تشرين الاول/ اكتوبر، وقرابة 10 ملايين دولار في تشرين الثاني/ نوفمبر. ويعتقد موظفو وزارة التجارة والصناعة ان التصدير سيستمر ايضا في الاشهر القادمة بمستوى 10 ملايين دولار شهريا.
اما النوع الثاني، فهو التصدير غير المباشر المسمى" تجارة الحدود". وياتي التاجر اللبناني الى المصنع او ملح البيع في "اسرائيل" ـ في شمال البلد بصورة اساسيةـ فيشتري البضاعة التي تهمه ويدفع ثمنها مثله في ذلك مثل أي مشتر عادي، وغالبا ما يكون الدفع بالعملة "الاسرائيلية" التي في حيازته. ويقدر حجم هذا النوع من "تجارة الحدود" مع لبنان بنحو 20 مليون شيكل في الشهر*3.
واخيرا هناك تجارة " الترانزيت" حيث تستخدم "اسرائيل" ومرافئها ممرا للبضائع القادمة من دول العالم الى لبنان. وحددت ترتيبات خاصة تمكن المستوردين اللبنانيين من استخدام مرفأ حيفا ومطار اللد لاستيراد البضائع من الخارج، من دون دفع الضرائب المعهودة في البلد ("اسرائيل"). وعندما يصل الى مرفأ حيفا مستوعب فيه بضائع معدة للبنان، يضع موظفو الجمارك "الاسرائيليون" قفلا عليه، ويتم نقل المستوعب الى مناطق التفريغ الواقعة في ممرات الحدود في الشمال. وهناك يجري تحميل البضاعة في شاحنات لبنانية. وبموجب هذه الطريقة المسماة " اعادة الشحن" حولت سلع مستوردة تتراوح قيمتها بين 9 ملايين و10 ملايين دولار في الشهر الى لبنان عن طريق "اسرائيل". لقد اصبحت "اسرائيل" فعلا بمثابة "منطقة حرة" بالنسبة الى لبنان. ان الفائدة التي تجنيها "اسرائيل" من تجارة " اعادة الشحن" ليست كبيرة، فهي تقتصر اساسا على رسوم النقل والعمولات المختلفة بحسب ما هو معهود في مثل هذه الحالات.
حتى الان كانت التجارة مع لبنان وحيدة الاتجاه اساسا، اذا لم نأخذ في الحسبان حركة التهريب من لبنان الى "اسرائيل" (تهريب اجهزة الفيديو وباقي المصنوعات الالكترونية المعفية من الضرائب هناك). لكن وزير التجارة والصناعة قرر مؤخرا جعل الاستيراد الرسمي للبضائع من لبنان الى "اسرائيل" ممكنا. وفي الايام الاخيرة استوردت "اسرائيل" من لبنان شحنات اولى من الجلود والاطارات المعدة لاعادة التصنيع، كما تدرس امكان منح اذونات استيراد مواد بناء معينة.
لا تخفي السلطات في القدس مشاعر الرضى التي تخالجها حيال هذا التطور في العلاقات التجارية بين "اسرائيل" ولبنان، وان كانت تعترف بان هذه العلاقات، التي هي علاقات غير رسمية، تستلزم توخي الحذر الشديد. ترتكز التجارة مع لبنان على اعتبارات اقتصادية بحتة طبعا (بالنسبة الى الطرفين)، لكن من الواضح ان العلاقات التجارية القائمة بين "اسرائيل" ولبنان تستند الى اساس هش للغاية، اذ تتم هذه التجارة اساسا بواسطة تجار لبنانيين، من دون أي تدخل او موافقة من جانب الحكم المركزي في بيروت. ولقد ادلى بعض السياسيين اللبنانيين مؤخرا بتصريحات معادية لهذه العلاقات، وهم يبدون معارضة للاستيراد من "اسرائيل". وربما اختفى التجار اللبنانيون الذين يتجولون الان في "اسرائيل" فجأة مثلما ظهروا. اضف الى ذلك، انه بالامس بالذات نشرت اخبار مفادها ان التجار اللبنانيين يشكون من الاساليب التجارية غير النزيهة في تعامل الشركات "الاسرائيلية". فاذا ما اضفنا الى العقبات السياسية الريبة وانعدام الثقة بين تجار الشعبين، فان من شأن ذلك ان يسدد ضربة قاضية الى العلاقات التجارية المتميزة بين "اسرائيل" ولبنان.
التجارة مع لبنان : جنة عدن للشاطرين*4
في احد ايام الاسبوع الثالث من شهر آذار/ مارس الاخير، اوقف حاجز تابع للجيش اللبناني شاحنة محملة بالبندورة، بالقرب من سوق الخضراوات الرئيسية في بيروت، وطلب من سائق الشاحنة من التاجر الذي كان يرافقه ـ بحسب ما افادنا به تجار لبنانيون ـ تحويل وجهة سيره نحو مقر عسكري مجاور. وبع مضي ساعة تقريبا، عاد الاثنان برفقة العسكريين، واخذوا يفرغون البندورة. وسرعان ما تجمهر في المكان اشخاص كثيرون اتوا من مشارف السوق لمشاهدة المنظر غير العادي. وتطوع شخص ما للاجابة عن تساؤلات الفضوليين من بين المشاهدين الذين ارادوا معرفة ما يحدث، فاوضح ان "هذه بضاعة "اسرائيلية" ـ وكل من سيتاجر في المستقبل مع المحتل "الاسرائيلي" ينتظره مصير مماثل، لا بل اخطر" وفي وقت لاحق ـ بعد ان افرغت صناديق البندورة الى جانب الطريق ـ اعطي الضوء الاخضر للهجوم الشامل على حمولة البندورة. وخلال ثوان كانت الحمولة الثمينة مرمية في الشارع تحت اقدام العابرين.
كان في الامكان الاستماع الى حوادث مشابهة ومختلفة هذا الاسبوع في الممرات الحدودية في المطلة، وبيرانيت، وراس الناقورة، يرويها رجال اعمال لبنانيون تمكنوا على الرغم من كل شيء من مواصلة علاقاتهم التجارية بدولة "اسرائيل". وتحدثوا في هذا الشأن عن تهديدات بالهاتف، وعن توقيفات وتحقيقات، وعن مصادرة البضائع، وعن طلب دفع خوة، وغير ذلك من الضغوط التي هدفت الى "جعل الحياة صعبة" بحسب تعبيرهم. وطبعا، اتوا على ذكر تصريح وزير الداخلية اللبنانية الذي دعا فيه تجار بلده الى الامتناع عن اقامة علاقات تجارية مع "اسرائيل"، الى حين التوصل الى حل نهائي للموضوع في اطار المفاوضات الدائرة بين الدولتين. وذكروا ايضا نداء كل من رئيسي غرفتي التجارة والصناعة في بيروت وصيدا، الداعي الى مقاطعة كل تاجر لبناني يواصل التعامل مع "اسرائيل".
يقولون في الجانب "الاسرائيلي" من الحدود ان "هذا ليس اجراء سياسيا موجها بصورة خاصة ضد "اسرائيل"" ـ ويلقى هذا الاعتقاد تاييد التجار اللبنانيين. وقد توقف ابراهام اشيري المدير العام لوزارة التجارة والصناعة، عند هذه المسألة فاوضح قائلا : " لا شك في ان لا مصلحة للبنانيين في اغلاق (دزينة) البوابات التجارية مع الدول العربية بسبب فتح بوابة جديدة مع "اسرائيل". فهذا منطقي، ونحن نتفهمه. لكن المسافة بعيدة بين هذا الامر وبين الضغط الذي يمارس لوقف التجارة مع "اسرائيل" وقفا تاما. انا اعتقد ـ وهذا ما جرى ايضاحه ايضا للمندوبين "الاسرائيليين" في الوفد المفاوض مع لبنان ـ ان المقصود بالمحصلة النهائية حرب شاملة ضد دخول بضاعة مهربة لم تخضع للجمارك كما هو معهود. وهذا مر شرعي قطعا. واني لعلى ثقة بان هذه ليست محاولة لاغلاق بوابات التجارة مع "اسرائيل" باحكام" وهذا هو ايضا رأي العديد من التجار اللبنانيين الذين التقيتهم في ممر راس الناقورة الحدودي، وفي مصانع تل ابيب، وفي فندق "كارلتون" في نهاريا. ولا يستبعد هؤلاء تماما امكان ان يكون المقصود ضغطا تمارسه جهات تعارض اقامة أي علاقة تجارية مع "اسرائيل"، او " ضريبة كلامية تدفعها السلطات (اللبنانية) للعالم العربي" لكن تتجه شكوكهم اساسا " نحو ما يسمونه" تحرش تجار لبنانيين منافسين يحاولون وضع العراقيل في وجهنا بغية اخراجنا من السوق.
لكن على الرغم مما يظهر انه حملة ارهاب ضد التجار اللبنانيين، فلا تزال الممرات الحدودية في راس الناقورة، وبيرانيت، والمطلة، تضج بالحركة.
ان احدا من الجانبين لا يريد اغلاق الحدود امام التجارة. ولعل العلاقة التجارية هي افضل شيء (حققته) دولة "اسرائيل" في حرب "سلامة الجليل". فلقد اثبتت الاسواق الجديدة نفسها بما يفوق التوقعات، وبسرعة قياسية تماما، و"خصوصا قياسا بالامال الكبيرة التي عقدت على الاتفاق التجاري الرسمي مع مصر"، على حد تعبير يورام كاتس، منسق التجارة مع لبنان في شركة "دنوت". يقول كاتس : "تبرز اهمية هذه السوق، بصورة خاصة، في ضوء الازمة الحادة للتصدير "الاسرائيلي" في الاشهر الاخيرة. هذه سوق ذات طاقة كامنة هائلة اذا ما اخذنا في الحسبان ان الامر لا يقتصر على السوق المحلية فحسب، بل يتعداها الى الاسواق الواقعة ما وراء لبنان والتي تصل اليها البضائع، ويحبذ طبعا عدم ذكر اية تفاصيل."
انها لحقيقة معروفة ان جزءا مهما من البضائع "الاسرائيلية" الصنع يصل عن هذه الطريق او تلك الى دول عربية مثل سورية والعراق او الاردن. وسمعت من موظفين كبار في شركات ومصانع "اسرائيلية" ان الكلام يدور على "سوق واسعة الى حد ان شركات معينة سيكون في وسعها ان تتأسس في المستقبل على اساس التصدير اليه فقط. ينبغي ان يكون المرء اعمى، او مجردا من الحس التجاري كي يتجاهل هذه الفرصة. ومن سينخرط باكرا في هذه التجارة، سيحظى بنصيب اكبر."
والجانب اللبناني ايضا لا يخرج خاسرا من العلاقات التجارية. يصعب عليك في البدء ان تصدق كلام التجار: ان "هذا افضل ما كان يمكن ان يحدث لنا". لكن عندما يتردد هذا الكلام على مسمعك مرارا وتكرارا، فانت تميل الى التصديق. وفي ذلك منطق تجاري صاف*5.
ان صورة الوضع هذه تفسر الحجم الذي بلغته التجارة "الاسرائيلية" ـ اللبنانية في السنة الاخيرة. فبحسب المدير العام لوزارة التجارة والصناعة، بلغت قيمة التصدير "الاسرائيلي" الى لبنان 35 مليون دولار، وستصل وفق توقعاته في السنة الحالية الى 50 مليون دولار ـ أي نحو 1% من اجمالي التصدير "الاسرائيلي". "اني على ثقة بان حجم التجارة سيزداد بعد انتهاء المفاوضات السياسية بين "اسرائيل" ولبنان."
ليست العلاقات التجارية بين "اسرائيل" ولبنان امرا جديدا. ويسهد القدامى من التجار "الاسرائيليين" على ان البداية كانت موازية لبدء التعاون بين الجيش "الاسرائيلي" والرائد سعد حداد. ولم يكتف تجار شريط حداد بتسويق البضاعة في جنوب الدولة بل نجحوا في تسويقها ـ بطرق مختلفةـ في المنطقة التي تحد العاصمة بيروت. وبغية عبور الحواجز المختلفة والمتعددة القائمة في طريقهم، اضطروا ليس فقط الى رشوة الجنود ورجال الكتائب ومجموعات المخربين ـ بل ايضا الى الحرص سلفا على غلف " محايدة" لبضائعهم.
وفي فترة لاحقة، نشأت علاقة مباشرة بين المنتجين في البلد("اسرائيل") وبين تجار من بيروت والشمال. والاسلوب: التجارة بواسطة دولة ثالثة ـ قبرص، في معظم الحالات. وكان يسافر رجل اعمال "اسرائيلي" الى قبرص ويلتقي هناك تجارا من بيروت والشمال. وبعد عقد الصفقة، كانت تصل الى مرفأ حيفا سفينة ترفع العلم القبرصي، وتحمل البضاعة. ثم كانت السفينة تفرغ حولتها في مرفأ لارنكا، حيث كان يعاد شحنها على ظهر سفينة تحمل علما لبنانيا. "وفي مرحلة متأخرة، عندما توطدت اواصر الثقة بيننا وبين التجار اللبنانيين، اتت مباشرة سفن من لبنان الى مرفأ حيفا"، بحسب ما يروي يوم طوف (يومي) عيني، احد صاحبي شركة "بيرسل بعام" شركة مختصة بالتجارة مع لبنان. "وبهذه الطريقة وصلت منتوجات شركة عيليت على سبيل المثال الى اسواق بيروت. وكل ما كان علينا عمله هو الحرص على استبدال غلف التعليب".
وصل حجم التجارة مع لبنان الى ذروته في فترة حرب "سلامة الجليل"، عندما اغلق مرفأ بيروت وصيدا. "كانت هذه افضل اربعة اشهر مرت علينا"، بحسب ما يشهد على ذلك يومي عيني. عندها اصبح تجار لبنان ـ بحكم الظروف ـ رهن التزود من "اسرائيل". والمقصود اساسا تزويد الخضراوات الطازجة. ففي هذه الفترة عقدت اهم الصفقات، وشهدت الممرات الحدودية دخول تجار معروفين من بيروت وصيدا ميدان الاعمال (مع "اسرائيل")، وكان هؤلاء ينظرون بعين الحسد الى تجار الجنوب الذين يقيمون علاقات مع "اسرائيل". ويقال في الممرات الحدودية انه، في تلك الفترة، "ربح بعض الاشخاص بعض المال بفضل حالة الحرب". ويقال ان حجم الصفقات بلغ في الاشهر الاربعة تلك نحو 50% من اجمالي الصفقات التي تمت خلال السنة الماضية.
ادى اغتيال الرئيس بشير الجميل، ومجزرة مخيمي اللاجئين صبرا وشاتيلا، وسياسة الابتعاد عن "اسرائيل" الى فتور معين في العلاقات التجارية القائمة بين الطرفين. وصادها الركود قبل نحو ثلاثة اسابيع، عندما بدأت الضغوط تمارس على التجار في لبنان.
الكل يامل بان الامور ستكون على ما يرام. والجميع يقولون لي ان السوق اللبنانية عطشى الى المنتوجات "الاسرائيلية". ماذا يبيعون لهم؟ "تقريبا كل شيء" بحسب ما يقول ابراهام اشيري، المدير العام لوزارة التجارة والصناعة: عطورات، وخضراوات (بواسطة شركة "اغركسكو") ومعدات زراعية، وادوات كهربائية، وسيراميك، ومصنوعات بلاستيكية، ونسيج، وحلويات، وزيوت، وارز، وملح، وقطع غيار للسيارات، ومشروبات خفيفة وكحول، وسجائر ـ والقائمة طويلة ومتنوعة. وبالمناسبة، منعت "اسرائيل" تصدر الحمضيات، وزيت الزيتون والزيتون ـ للحيلولة دون مضاربة الانتاج المحلي اللبناني.
ان الطاقة الكامنة في العلاقات التجارية مع لبنان قد استقطبت في نقطة اللقاء هذه (راس الناقورة) العديد من الاشخاص ـ اتوا من الاتجاهين. ففي الجانب اللبناني من الحدود يوجد موقف لسيارات الركاب يقدم خدماته في اتجاه الدامور وبيروت. وبالقرب من منطقة التفريغ والشحن، فتح مقهى صغير. ويتوقف سائقو الشاحنات الاتون من منطقة الساحل في الساحة المعدة للتوقف ويعرضون خدماتهم. والحركة مماثلة تقريبا في الجانب "الاسرائيلي". ويمكن ان تلتقي على رصيف راس الناقورة تجارا من "اسرائيل" ووسطاء على انواعهم. ولقد ردت السلطات في هذه المرحلة كل طلبات الشركات التجارية "الاسرائيلية" بشأن فتح مكاتب اتصال في المكان.
ان كل الاطراف المدنية هنا تامل ان يتضاءل في المستقبل نفوذ الجيش "الاسرائيلي" في هذه النقطة، وان يتسلم مدنيون زمام الامور. اذ ما دامت التجارة برعاية الجيش فلن تكون الامور "على ما يرام" بحسب ما قال لي مندوب شركة "اسرائيلية" يمضي اياما طويلة في هذا المكان. ويضيف الشخص المذكور قائلا: "لا توجد مشكلة بالنسبة الينا، لكن هذا ـ في رأيي الشخصي ـ يضايق التجار اللبنانيين. فكل اعمال التفتيش هذه، سواء تفتيش البضائع او تفتيش الاشخاص، لا تخلق الجو الملائم".
علاقات من نوع تجاري*6
على ارض مترامية الاطراف يتراكض عشرات العمال وهم يحملون شاحنات المرسيدس فوق طاقتها، المئات من عثاقيل الموز، بينما يساوم تجار متعاملون مع "اسرائيل" ووكلاء العمال نظراءهم "الاسرائيليين" ويتفقون على طلبات جديدة. تتم هذه الصفقات بالمصافحة بالايدي، من دون دفع عربون ومن هنا، يغادر اللبناني الى زحلة مع البضاعة "الاسرائيلية"، التي قد تجد طريقها غدا الى اسواق البلاد العربية. وكذلك، في مستودع قريب من بيروت، يفرغ التاجر اللبناني البضاعة "الاسرائيلية" من الصناديق التي تحمل اسم المنتج واسم "اسرائيل"، ويعيد توضيبها من جديد. واذا ابتسم له الحظ، فلن يصادف حواجز للجيش اللبناني او حواجز سورية، وستصل البضاعة بامان الى السوق المحلية اللبنانية او الى العراق، او الى احدى امارات الخليج. لقد بلغت قيمة المشتريات هذه المرة بضع مئات الآلاف من الدولارات. وجرى توقيع طلبية جديدة بحجم مماثل بين اللبناني والطرف "الاسرائيلي".
تمكن المسار التجاري بين "اسرائيل" ولبنان، خلال اقل من عشرة اشهر، من تحقيق انطلاقة سريعة ومن بلوغ قمم مدهشة. ويقيم حاليا قرابة 3000 تاجر، علاقات تجارية منتظمة معظمها في اتجاه واحد: تصدير "اسرائيلي" الى لبنان. وبلغ حجم التصدير "الاسرائيلي" الى لبنان، منذ شهر حزيران/يونيو حتى نهاية السنة الاخيرة(1982)، نحو 40 مليونا من الدولارات، تشكل 1% تقريبا من اجمالي الصادرات "الاسرائيلية". وفي المقابل، بلغ حجم التصدير ("الاسرائيلي") الى مصر في تلك الفترة 22 مليونا من الدولارات فقط، وليس هذا سوى ناحية واحدة من نواحي العلاقة التجارية. اذ فتح بعيد الحرب مرفأ حيفا واشدود امام استيراد البضائع من الخارج الى لبنان. وحظي هذا النوع ايضا من العلاقات التجارية غير الرسمية، القائم بين الدولتين، بانطلاقة مذهلة، وجنت شركات الملاحة البحرية "الاسرائيلية" ارباحا طائلة نتيجة نقل البضائع الى لبنان. اما الناحية الثالثة لما يعرف بـ "انتقال البضائع والاشخاص بين الدولتين"، فكانت انشاء اواصر وثيقة على اساس اقتصادي مع مجموعة ذات وزن في كامل منطقة الجنوب اللبناني المحتلة، اواصر ستترجم في المستقبل بعلاقات حقيقية. وبحسب قول دافيد غلبواع، رئيس فرع الاقتصاد في وحدة الاتصال التابعة للجيش "الاسرائيلي" في لبنان، يوجد اليوم في حالة انتظار عشرات التجار الراغبين في اقامة روابط تجارية، لكنهم يؤجلون ذلك الى حين انتهاء المفاوضات السياسية. وتكشف التجارة مع لبنان، التي تشمل تصدير البضائع وفتح مرافئ "اسرائيل" امام استيراد البضائع من الخارج ال لبنان، وفتح الحدود امام السياحة (نحو "اسرائيل") وفتح سوق العمل "الاسرائيلية" امام العمال القادمين من الجنوب اللبناني، هذه التجارة تكشف عن شبكة من العلاقات التي لا يعوزها أي تعريف خطي باستثناء ربما موافقة رسمية او موافقة ضمنية من الحكومتين. واذا كان للحرب من نتائج ايجابية، فان العلاقات التجارية مع لبنان هي من ضمنها.
نموذج "الجدار الطيب"
بدأت العلاقة التجارية مع لبنان عندما فتح "الجدار الطيب" سنة 1976. عندها درج التجار القاطنون في منطقة شريط الرائد حداد، من مرجعيون حتى بنت جبيل، والذين لا قوا صعوبات في الانتقال الى بيروت، على شراء منتوجات وخضراوات وفواكه ("اسرائيلية") تصل قيمتها الى نحو 700 الف دولار سنويا. وكانت هذه العلاقة (التجارية) اساسا لتوثيق العلاقات القائمة بين جماعة حداد واسرائيل، ونوعا من استكمال النظام الامني الذي وضعته الاطراف المعنية. وتوسع هذا الاحساس بين ليلة وضحاها، فورا لدى انتهاء المعارك في الجنوب اللبناني. ولم يمض شهر واحد على اندلاع الحرب حتى بلغ حجم التصدير الى لبنان 4 ملايين من الدولارات. وانضم الى حلقة تجار شريط حداد زملاء لهم من صور وصيدا والنبطية وحاصبيا، ومن بيروت في وقت متأخر.
فرضت الحرب متطلباتها على التجار اللبنانيين، اذ كانوا بحاجة، اساسا، الى المواد الغذائية الضرورية والمنتوجات الغذائية الطازجة، وكذلك الى مواد البناء لاصلاح الدمار. واضيف الى هذه القائمة الاولى تلك السلعة الاضافية، التي لا يمكن الاستغناء عنها ـ على ما يبدو ـ في لبنان، وهي الحلويات. وقد بلغت قيمة صادرات الحلويات الى لبنان، بعد مرور شهر على الحرب، ما لا يقل عن 757 الفا من الدولارات.
توسعت التجارة وترسخت بسرعة. واستحدث في مكاتب المساعدة، التي تحولت لاحقا الى وحدة الاتصال التابعة للجيش "الاسرائيلي" في صيدا، مكتب خاص شغله مندوبون عن وزارة التجارة والصناعة "الاسرائيلية". وعلى الفور، طبق مندوبو الوزارة، الذين خبروا حداد منذ فترة، نموذج العلاقات التجارية التي كانت قائمة حتى تاريخ حرب " سلامة الجليل"، على العلاقات الناشئة، وسمح للتجار الذين اجتازوا الامتحان الامني، بالاتصال مباشرة بالمصانع "الاسرائيلية"، والتفاوض في الاسعار والمنتوجات من دون وساطة وزارة التجارة والصناعة. وكانت احدى النتائج انه اصبح في الامكان شراء الـ "كوكاكولا" اول مرة في لبنان، بعد ان حالت المقاطعة العربية حتى الان دون دخول هذا النوع من المرطبات. وتشكيلة البضائع "الاسرائيلية" المباعة متنوعة للغاية. وقد عرض السيد ابراهام اشيري، المدير العام لوزارة التجارة والصناعة، قائمة هذه البضائع على النحو التالي: منتوجات معدنية، ومكيفات هواء، واجهزة ري، وشباك صيد الاسماك، وقطع غيار للسيارات، وآلات، ومصابيح كهربائية، واطارات، ومستحضرات تجميل، وكيماويات ونسيج، ومنتوجات معدة للاطفال، وبهارات، وبيرة ونبيذ، والماس، وافلام مغناطيسية، وحتى ملاقط غسيل، وليست هذه القائمة سوى قائمة جزئية.
انار التصدير "الاسرائيلي" الضوء الاحمر لدى السلطات اللبنانية، وذلك لسببين: الاول يكمن في التخوف اللبناني من منافسة السلع "الاسرائيلية" لسلع الصناعة المحلية (المشكلة التي يتخبطون بها اليوم في "اسرائيل") والسبب الثاني يكمن في معارضة قصر بعبدا لترسيخ العلاقات مع "اسرائيل"، وذلك اساسا بسبب تخوفه من المقاطعة العربية.
البهجة الاقتصادية في اوجها
اعرب التاجر الزحلي الذي اشترى البضاعة "الاسرائيلية" عن تخوفه من زوال جنة عدن هذه التي يستفيد منها تجار لبنان، في حال ابرام اتفاق بين "اسرائيل" ولبنان. فسيترتب على هذا الاتفاق وضع نقطة جمارك لبنانية في الممرات الحدودية مع "اسرائيل"، وقد يؤثر تجار لبنان عندها العودة الى الاستيراد عن طريق مرفأي بيروت وصيدا. لكن التجار اللبنانيين لا يستبعدون تماما احتمال اقامة روابط تجارية عن طريق فريق ثالث، مثل قبرص، على سبيل المثال، التي كان يتم عبرها التبادل التجاري اللبناني قبل حرب "سلامة الجليل". ليس في نية الحكم في بيروت ان يخفف عن كاهل تجار لبنان، فلقد اعطى الرئيس امين الجميل توجيهات تقضي بمقاطعة البضائع التي تدخل لبنان بصورة غير قانونية، كما اعلن انه لن تقوم بين الدولتين علاقات تشمل انتقال البضائع والاشخاص. ويقول ابراهام اشيري، في هذا الشأن، ان "اسرائيل" تنظر الى هذه التصريحات بخطورة بالغة، وهي تطمح ـ بحسب قوله ـ الى تحقيق ترتيبات دائمة تنظم التجارة بين الدولتين، والجلود، والعرق الزحلي. حتى ان "اسرائيل" اقترحت، في معرض المفاوضات الدائرة حاليا، اقامة مجلس مشترك لتسوية جميع المشكلات التجارية بين الدولتين وتنظيمها. اما بالنسبة الى الحجة اللبنانية القائلة ان التجارة مع "اسرائيل" ستلحق الاضرار بفرص تجارة لبنان مع الدول العربية، فيؤكد اشيري ان "اسرائيل" ستحرص في الاتفاق على ان تجري التجارة مع لبنان على نحو ما هو معهود بين دولتين ذواتي سيادة. وكشف اشيري ان "اسرائيل" اجرت اتصالات غير رسمية، بالسلطات اللبنانية في شأن هذه البنود، واساسا في شان العراقيل الموضوعة في طريق التجار اللبنانيين الراغبين في التعامل مع "اسرائيل".
ويؤكد ايضا دافيد غلبواع، رئيس فرع الاقتصاد في وحدة الاتصال، ما يلي: ان "اسرائيل" لا تمارس ضغوطا على التجار اللبنانيين ولا على حكومة لبنان. وبحسب قوله، يواجه التجار اللبنانيون ثلاث معضلات، اضافة الى الضغط "السياسي" عليهم، اذ يحدث اكثر من مرة، بسبب صعوبات متعلقة بالاتصال، الا تصل طلبية من البضائع في الوقت المحدد، فيضطر التجار الذين ذهبوا الى الحدود "الاسرائيلية" قصد تسلمها، الى العودة بخفي حنين. اما المشكلة الثانية فمتعلقة بطريقة نقل البضائع، اذ هناك حاليا اجراء يمنع السيارات "الاسرائيلية" من دخول لبنان، مما يتسبب بمشكلات لوجستية خطرة. وتسمح وحدة الاتصال لسيارات لبنانية معينة بدخول "اسرائيل" قصد استيراد البضائع، بيد ان هذا الامكان محدود ايضا بسبب المشكلات الامنية. وكذلك فان غياب الاتصال المصرفي بين "اسرائيل" ولبنان يصعب الامور على الاطراف المعنية. اليوم، يدفع التجار اللبنانيون ثمن البضاعة في فروع المصارف ("الاسرائيلية") القائمة في المطلة وراس الناقورة، كما توجد ترتيبات لقبض شيكات مصرفية عن طريق مصارف اوروبية.
تأسست في "اسرائيل" شركات خاصة اكتشفت في التجارة مع لبنان منجما من الذهب. وفي نهاريا شركة تحتكر العلاقة التجارية مع قوات الطوارئ الدولية، وقد وسعت انشطتها الى تصدير المنتوجات الى لبنان. وتحولت شركات اخرى، بين ليلة وضحاها، الى وكلاء وحيدين لشركات لبنانية او لتجار لبنانيين في "اسرائيل". وهكذا فالبهجة الاقتصادية في اوجها. ان "الاسرائيليين" مطالبين بالحصول على اذونات تصدير لكل صفقة معقودة مع اللبنانيين. واشيري راض عن حجم التجارة حتى الان، لكنه يؤكد ان هذا الحجم لا يشكل سوى نسبة 1% من اجمالي التصدير "الاسرائيلي". ويقول انه اذا نجحنا في المحافظة على تجارة بحجم 50 مليونا من الدولارات سنويا، فسنكون قانعين بذلك. ويعرف دافيد غلبواع المطلع على مجريات الامور عن كثب ان هناك تجارا عديدين في حالة انتظار اليوم، وان تجارا ذوي مكانة عالية يؤثرون العمل من خلف الستار الى حين ينجلي مستقبل المفاوضات ويتم توقيع اتفاق ـ او لا يتم. ولهذه الحقيقة دلالة كبيرة وحاسمة بالنسبة الى مستقبل العلاقات التجارية بين لبنان واسرائيل. ان نداءات قصر بعبدا لمقاطعة التجارة مع "اسرائيل" ما دامت المفاوضات في ذروتها، لا تسقط على آذان صماء بل تصب اساسا في طاحونة جهات معادية لاسرائيل وتجار منافسين للتجار اللبنانيين ويستوردون بضائع مماثلة. لكن سيكون من الاسهل كثيرا ان تنتقل هذه العلاقات الى المستوى الرسمي. اما بالنسبة الى احتمالات المقاطعة من جانب الدول العربية، فان التجار اللبنانيين يلجأون الى الاستشهاد بمصر كنموذج يمكن التعلم منه.
ويستشهد التجار المؤيدون للتجارة مع "اسرائيل" بتقرير غرفة التجارة والصناعة اللبنانية الذي يجزم بان الناتج القومي القائم في لبنان تراجع الى المستوى الذي كان عليه في الستينات في اعقاب الحرب المستمرة. ودمرت مئات المصانع وتضررت في انحاء الدولة كافة، وسيمر زمن طويل قبل ان يجري ترميمها، وسينخفض مستوى الاستيراد. ويقول اولئك التجار ان الاستيراد من "اسرائيل" سيوفر المال الكثير وسيساعد على ترميم الاقتصاد اللبناني.
ان التجارة بين الدولتين لا تتوقف على مجرد ارقام من الدولارات، او الشيكلات، او الليرات اللبنانية. انها عنصر بالغ الاهمية في المسار السياسي بين الدولتين. ونجاح المفاوضات سينعكس مباشرة على المستوى الاقتصادي بين الدولتين: اختراق الى الامام، او عودة الى علاقات تجارية هامشية مع شريط الجنوب اللبناني.
الهوامش:
1ـ النهار 11/12/1983.
2ـ السفير 1/12/1982.
3ـ دافار 9/11/1982.
4ـ مئير هارؤوفيني "الحكومة اللبنانية تهدد مستوردي البضائع "الاسرائيلية"" معاريف 26/11/1982.
5ـ النهار 4/12/1982.
6ـ Meed, March 4,1983
7 ـ Ibid, May 27, 1983
8 ـ السفير 3/3/1983.
9ـ Jerudalem Post, March 9,1983
10 ـ دافيد اورين، "التجارة مع لبنان: جنة عدن للشاطرين"، "هآرتس" الملحق الاسبوعي، 22/4/1983، ص 5.
11ـ غابي زوهار، "علاقات من نوع تجاري" "حوتام" ملحق عال همشمار 29/4/1983.
12ـ المصدر نفسه.
13ـ هآرتس 1/8/1983، Ignacio Klich, op cit, p.4
14 ـ Joseph Treen, "A War Boom Goes Sour" Newsweek, August 22,1983
15 ـ غابي زوهار "الحياة الصعبة لن تنتهي عند الاولي" عال همشمار 31/7/1983.
16ـ Meed, November 25,1983
17 ـ دافار 29/12/1983.
18ـ عال همشمار 27/1/1984.
19ـ هآرتس 30/1/1984.
20ـ النهار 11/8/1984.
21ـ السفير 3/9/1984، النهار 9/10/1984.
*1 يوفال اليتسور"معاريف" 17/9/1982.
*2 يسرائيل تومار"يديعوت احرونوت" 15/12/1982.
*3 نحو 600 الف دولار بحسب سعر صرف الشيكل في اواسط كانون الاول/ ديسمبر 1982.(ي.ب)
*4 دافييد اورين "هآرتس" الملحق الاسبوعي 22/4/19832، ص 5.
*5 التوفير في اجور الشحن، وادخال البضاعة من دون دفع رسوم جمركية في الجانب اللبناني من الحدود، كما يقول تاجر لبناني تعامل مع "اسرائيل".(المحرر)
*6 غابي زوهار "حوتام" (ملحق عال همشمار) 29/4/1983.