8 - بناء المجتمع اليهودي في فلسطين
كان هرتزل يدرك ان اقامة الدولة شيء وبناء المجتمع شيء آخر. فالوصايا السبع الاولى ركزت على اعتبار ابتاع الديانة اليهودية امة متميزة وعلى ضرورة انشاء كيان لهم عن طريق الحصول على ضمانات دولية واقامة علاقات مع القوى العظمى وتهجير اليهود الى فلسطين واقتلاع شعبها منها بقوة السلام والعنف والارهاب. لكن هذه الجوانب من الحركة الصهيونية ما كانت تكفي لتحقيق الحلم. فالمطلوب هو انشاء مجتمع يهودي يكمل عمل الدولة ويدعمها، ويكون في الوقت نفسه المجال الحيوي الذي من خلاله تحقق الصهيونية ذاتها.
من هنا "نزلت" الوصية الصهيونية الثامنة من سلسلة الثوابت التي حددها هرتزل: انشاء المجتمع اليهودي في فلسطين. وجلي ان مهمة اقامة المجتمع، التي هي نتيجة حتمية وضرورية بعد انشاء الدولة، اصعب من العملية الاولى واخطر وتحتاج الى وقت اطول. وان كان هرتزل قد حدد خمسين سنة لولادة الدولة (وقد حصل ذلك بالفعل، اذ اقرت الأمم المتحدة مشروع قيام دولة اسرائيل بعد خمسين سنة وثلاثة اشهر من انعقاد مؤتمر بازل آب 1897 الذي وضع هرتزل نبوءته تلك في ختام المؤتمر) فانه كان يدرك ان بناء المجتمع سيستغرق وقتاً اطول ولذلك لم يحدد زمانه لانه لم يكن يستطيع التنبؤ به.
وسوف يبدو لنا جلياً، اذا تتبعنا اوضاع "المجتمع الاسرائيلي" في الاعوام التسعة والاربعين التي مضت على انشاء الدولة، ان حلم هرتزل في تنفيذ هذه الوصية (الثامنة) لم يتحقق بعد. وقد يمضي زمن طويل قبل تحقيقه. وهي، بذلك، الوصية الوحيدة التي عجز الصهيونيون، مع كل الجهود التي بذلوا ويبذلونن عن تحقيقها. ولا يعود الفشل في ذلك الى نكث بالعهد او انحراف عن المبدأ او تهرب من التنفيذ. بل يعود الفشل الى صعوبة تحقيقها على ارض الواقع الصعب وتحت الظروف التي تجعل بناء المجتمع بناء المجتمع مستحيلاً بينما هي نفسها التي جعلت بناء الدولة امراً ميسوراً نسبياً.
المجتمعات، بطبيعتها وتحديدها وتاريخها، هي بنت شعبها وعناصرها البشرية مع ما يحملون ويتوارثون من عادات وتقاليد وثقافات ضمن بقعة محددة من الارض. فهي ليست مجرد تجميع مصطنع لبشر على ارض ليست لهم وليس لهم فيها جذور. ولا هي تجميع مصطنع لثقافات وحضارات وعقليات ولغات وآداب وامزجة واذواق، متنوعة ومتناقضة، في بلد واحد جيء بسكانه من الخارج ليقيموا فيه عنوة. المجتمعات هي نتيجة اكثر مما هي سبب. هي حاصل تفاعل بشر متجانسين، يدركون ويحترمون الروابط الخاصة المميزة التي تجمع بين افرادهم، على تربة تحتضن جذورهم وفي مناخ يعبق بمشاعرهم وتطلعاتهم. الناس، اجساداً وافكاراً وتقاليد واحاسيس وعقليات، هم الذين يكونون مجتمعهم ما داموا يتحسسون الرباط القومي المقدس الذي جمع ويجمع بينهم في ذاكرة الماضي والتطلع الى المستقبل ووقائع الحاضر وحاجاته.
اين هم اليهود من ذلك، وبالتالي كيف لهم ان يبنوا مجتمعاً وهم على هذا الحال من عدم الانتماء في خمسة او ستة او عشرة عقود؟
المشكلة التي عجز هرتزلن وحلفاؤه وخلفاؤه من آباء الصهيونية واعلامها وقادتها النظريين والعمليين، عن حلها مع انهم نجحوا في التغلب على المصاعب الاخرى وقفزوا فوق الحواجز بدون كبوات تعرقل المسيرة، انهم كانوا يتعاطون مع احجار فسيفساء مبعثرة، من كل لون ونوع وجنس ومكان، يفرق بينها المواقع والثقافة والعقلية والمسلك والعادة والهوى والمزاج واللغة، ولا يجمع بينها الا الدين. وحتى هذا الدين لم يكن جامعاً قوياً واصلاً شأن باقي الاديان لباقي الشعوب. فقد قلل من اهميته ووقع تأثيره في النفوس انه كان ديناً لمشتتين ولم يكن ابداً، لمدة عشرين قرناً، ديناً لجماعات متجاورة كالاسلام والمسيحية والبوذية والهندوسية، وكان ديناً (ولا يزال) منغلقاً بالمعنيين، معنى منع "الغير" من الانضمام اليه، ومعنى منع العقل من التفاعل مع الافكار الاخرى. وهو دين، من الناحية الثالثة، يستهلكه التاريخ فيحجب عنه رؤى التطور ويتقوقع في "امجاد" ماضٍ سحيق وذكريات روايات ووعود ومواثيق الهية وبشرية عفا الزمن عن بعضها وزور بعضها الاخر حتى اصبح اكثر ديانة سماوية في العالم عرضة للتشكيك بطروحاتها وصدقيتها. واخيراً فان شطراً واسعاً من اتباع اليهودية كانوا من العلمانيين، او من ممارسي الطقوس دون التحلي بروحيات الدين، او من مستغلي الدين لاغراض خاصة، مادية او سياسية.
اذن فان احجار الفسيفساء اليهودية التي حاول هرتزل ان ينظمها في لوحة معبرة وحية وفاعلة لم تكن تصلح للتنظيم المصطنع لا لتفرقها من كل النواحي تقريباً كما رأينا بل ايضاً لان الجامع الوحيد بينها، كان اوهى واضعف من ان يكون رابطاً حقيقياً. من هنا نجح هرتزل وخلفاؤه في استغلال الظروف والقوى لجمع اليهود في مكان تحت سقف "دولة" لكنهم لم ينجحوا في المدى المنظور على ما نعتقدن في انشاء المجتمع اليهودي الصحيح في "وطن" اسمه "اسرائيل". فبناء الدولة يتم بقرار سياسي وظروف مؤاتية. اما بناء المجتمع فانه لا يتم الا حسب قوانين ونواميس وشروط تفرضها الطبيعة والحقائق الخارجة عن اوامر او اجراءات تتم من فوق ارض الواقع وتفرض بالقوة.
واذا كان هرتزل ابعد نظراً من مفكري "احباء صهيون" ومسانديهم من اثرياء اليهود شبه المندمجين والمنصهرين في المجتمعات الاخرى الذين حاولوا حل المشكلة اليهودية بمجرد شراء الارض او استئجارها في فلسطين ونقل اعداد من اليهود المحرومين او المرفوضين او المعذبين (وخاصة في اوروبا الشرقية وبعض اوروبا الوسطى) للإقامة فيها نقلاً اشبه ما يكون بشحن المواشي من اراضي اقفرت الى مراعٍ خضراء، وادركوا ان لا بد من تأمين الغطاء القانوني والمعترف به دولياً للمستوطنات الجديدة والعتيدة، فان هرتزل، مثل دعاة الصهيونية الخيرية والاحسانية، لم يكن قادراً على تحول الكيان السياسي المنشود، المستقل والمتوسع في المستقبل البعيد، الى مجتمع واحد وموحد يجعل للكيان السياسي قيمته ويعطيه الاهلية للبقاء والصمود. فالمجتمع المهلهل من الداخل يبقى مزعزعاً وهشاً ولو كان يقوم في اطار دولة قوية ومصدر رعب لجيرانها.
نعم. لقد عجزت الصهيونية عن بناء الانسان اليهودي الصهيوني الجديد، وهي التي نجحت في تحويله من جبان ومستعط ومحبط ومشتت ومقهور الى مواطن دولة يستأسد ويتنمر ويجول ويصول ويقتل ويضرب ويزرع الفساد والعبث والرعب في وطن يعج بمئتي مليون مواطن عربي.
مرت خمسون سنة على العمل التمهيدي لقيام "الدولة"، وخمسون سنة اخرى على قيام "الدولة" والصهيونية لا تزال تحلم بتكوين هذا الانسان اليهودي الصهيوني الجديد. اي الانسان الذي ينسى ويتجاهل ويتجاوز ما قام ويقوم بينه وبين جاره، في الارض الجديدةن من تناقض وتباعد وتعدد في اللغات والثقافات والانتماءات والاذواق والاصول والمؤثرات والامزجة والعادات والتقاليد، حتى وفي بعض الطقوس والمفاهيم والممارسات الدينية الصرف. ينسى ذلك كله ويتعامل مع جاره على اساس المواطنية الجامعة، والانتماء المجتمعي الموحد في الاساسيات والعموميات والنظرات الشاملة، مع الحفاظ علىالفروقات والاختلافات في التفاصيل الدقيقة، شأن ما هو حاصل في كل المجتمعات البشرية التي تبنى اساساً على التجانس والتلاقي بين عناصرها المختلفة في اطار قومي متراص البنيان.
والواقع ان الهجرة الى فلسطين من بقاع الارض المختلفة التي هي اليوم اساس "المجتمع الاسرائيلي" المنقسم على نفسه والعاجز عن تحقيق وحدته الذاتية والداخلية لم تكن هي العامل الوحيد في فشل تجانس هذا المجتمع ووحدة عناصره، وان كانت هي السبب الاكثر اهمية. فهناك عوامل اخرى تسهم هي ايضاً في تبديد الحلم الصهيوني بإنشاء قواعد المجتمع الواحد.
اولاً، يكتشف المهاجر الى فلسطين، سواء قبل انشاء الدولة او بعده، ان ارض السمن والعسل التي وعده اللهن الهه الخاص بقومه واجداده، ليست نعيماً ولا جنة له بالذات لانها لا تريده ولا ترضى به وترفضه، اي لانه ليس منها ولا ينتمي اليها ولا يستحقها ـ ويجد نفسه، بالتالي، مضطراً لحمل البندقيةن وخوض الحروب، وتحمل شظف حياة الطوارىء الامنية، والحذر والخوف، في كل لحظةن هو وكل افراد عائلته وكل ابناء هذا المجتمع. ويكتشف المهاجر الجديد انه جاء فلسطين ليعيش واذا به جاء ليموت او ليكون عرضة للموت دائماً. وجاء ليبني اسرة وعملاً وراحة واستقراراً واذ بنعم الحياة الجديدة ليست اكثر من انه لم يمت بعد وان مشارعه لم تنجز بعد. "اسرائيل"، في واقع يومه، ليست فلسطين التي كانت امل حياته في "الشتات". مهاجر ضل طريقه. وركب القطار الخطأ الذي انزله في محطة غير ما كان يريد ويتمنى. والهلع والحيطة صعبان. فكيف اذا عاشهما جيل بعد جيل دون انقطاع، دون طمأنينة وراحة بال؟
ثانياً، ان حال "اسرائيل" هذا يتطلب من اليهودي الاتي من الخارج بذلاً متواصلاً، بالمال والدم والجهد. فهو في حالة طوارىء عمرها قرن. واقتصاد البلد كله مرهون ومكرس للحاجات الامنية والعسكرية. والجندية اهم واولى من اية مهنة او هواية او رغبة. وضريبة الجندية، وهي فرع من ضريبة العسكرية الصهيونية الثابتة، تفرض على كل انسان ويدفع قسطه منها كل انسان مهما كان سنه او عمله. مع الانتباه الى اننا نتحدث عن طائفة عرفت في التاريخ بالجشع وطلب الربح بأي ثمن ومهما كان الاسلوب لا شرعياً ومرفوضاً خلقياً وادبياً وقانونياً وانسانياً. ونحن هنا لا نتكلم بلغة اللاسامية وعنصريتها وتحاملها. بل اننا نستشهد مباشرة بتاريخ اليهود الذي هم وضعوه وكتبوه ونشروه. ونعتمد على ما قاله انبياؤهم وفلاسفتهم ومفكروهم وقادتهم القدامى والمحدثون. واليهودي الجديد، الذي تطلب الحركة الصهيونية بناءه، انسان اعتاد الاخذ (بالسلب او النهب او الطرق الحرام) ولم يعتد البذل والعطاء، حسب ما رواه رواد في الفكر اليهودي.
ثالثاً، شحن الصهيونيون يهود الحارات العنصرية المغلقةن البائسة المحرومة، الى فلسطين للتخلص من تلك الحارات وعيشتها وويلاتها وصعوباتها وخسائرها المادية والمعنوية ومذابحها وظلمها وقسوتها. كان تخليص اليهود من حياة الحارات المغلقة هو مبرر وجود الحركة الصهيونية في الاساس وهو الركن الرئيسي في اقناع يهود العالم بالصهيونية، يهود الحرمان بالهجرة الى فلسطين ويهود الرخاء بتأمين نفقات الهجرة وما بعد التوطين. واذا باليهودي يكتشف انه هرب من حارة مغلقة صغيرة في حي في مدينة (اوروبية في الغالب) ليقع سجيناً في حارة مغلقة واسعة اسمها "اسرائيل". هذا هو الفشل الاكبر الذي منيت به الصهيونية حتى الان. كيف لها ان تقنع اليهودي انها حلت مشكلته وهي التي نقلته من سجن الى آخر، الاول محدود مساحة وافراداً والثاني واسع ومكتظ، واكثر كلفة وارهق مطاليب؟
رابعاً، زاد الطين بلة، كما يقول المثل، ان يهوداً كثيرين، بل الاغلبية (وربما الاغلبية الساحقة) ممن يكونون عناصر "المجتمع اليهودي" المنشود في "اسرائيل". دخلوا هذا "المجتمع" سواء كانوا مهاجرين من اوروبا وامريكا وآسيا وافريقيا، او من بعض الاقطار العربية، او حتى ممن ولدوا في فلسطين نفسها في قرن من الزمان، وهم يحملون في افكارهم وعروقهم وعواطفهم مشاعر الخلاف والتباعد والفردية والانانية، وهي كلها تمنع قيام ذلك المجتمع وتجعله مهدداً في صميم وجوده. اقصد بها مشاعر التناقض العرقي والعنصري والطبقي والثقافي. وسأكتفي بإيراد عناوين الصراعات الاجتماعية المتواصلة داخل الكيان "الاسرائيلي" دون التطرق الى تفاصيلها: الصراع التاريخي، الباقي اليوم بعد قرن على ظهور الحركة الصهيونية كما كان قبل ظهورها، بين اليهود الشرقيين والغربيين، اي السفارديين والاشكنازيين. وبين "اليهود العرب" واليهود الاوروبيين. وبين يهود شرق اوروبا ويهود غرب اوروبا وشمال امريكا. وبين اليهود "البيض" واليهود السمر والسود والسفر (يهود العالم الثالث). ولا نجد مثلاً على ما نقول اكثر تعبيراً وواقعية من مصير يهود الحبشة، الفلاشا، بعد تهجيرهم الى فلسطين المحتلة منذ سنوات قليلة، سواء من حيث التمييز الرسمي والشعبي ضدهم في مختلف الحقولن او حياة المعاناة المالية والمعنوية والعملية التي يشكون منها باستمرار. حتى جنودهم في "جيش الدفاع" لا يسلمون من سوء المعاملة والظلم وهم الذين جيء بهم ليموتوا دفاعاً عن مصالح سائر يهود العالم!
خامسا، صعيوبة، بل تعذر، اقامة توازن صحيح بين الانتماءات المختلفة والمتناقضة، الشرعية والواقعية والموجودة على اي حال، وبين الصهر والدمج المطلوب من الدولة ان تتعهدهما بين العناصر المتعددة، وهما ايضاً شرعيان وضروريان. فالتعددية شرعية بحكم الواقع والصهر شرعي بحكم الحاجة. لكن التوفيق بين الامرين هو المسألة الصعبة وشبه المستحيلة، التي عجزت الصهيونية عن تحقيقها حتى اليوم. ولنأخذ اللغة مثلاً. ان غالبية يهود العالم، ممن وفدوا الى فلسطين في مدى القرنن انما جاؤوا وهم يجهلون العبرية، ويستعيضون عنها بعشرات اللغات. وكان لكل هجرة، ولكل جالية مهاجرة، لغتها. اما العبرية فاقتصرت على ان تكون لغة الحلم الصهيوني. اقول لغة الحلم ولا اقول انها لغة الآباء الحالمين. فمعظم هؤلاء، وعلى رأسهم هرتزل نفسهن كانوا يجهلون العبرية، حتى ان هرتزل اضطر الى حفظ كلمات قليلة بهذه اللغة "عن ظهر قلب" ليختتم بها مؤتمره الصهيوني الاول!
كان على الصهيونيين ان "يفرضوا" على المجتمع الجديد المنشود والمطلوب لغة (وقد زعموا انها لغة التراث والاجداد والوعود). لذلك انشأوا المدارس ومعاهد التعليم والتدريب اللغويين. وانزلوا الجماعات الوافدة بمخيمات انتقال وتأهيل خاصة لتدريسهم "لغة البلاد". ومع هذا، وبعد هذا كله، ان الذين يتكلمون العبرية بين يهود العالم هم اليوم لا يزالون اقلية. فأي قومية هي تلك التي لا لغة واحدة لأبنائها واتباعها، وما يجره هذا الجهل باللغة وما يفجره من تناقضات في الثقافة والاحاسيس والولاءات والانتماءات والتعامل والتواصل؟
صحيح ان "اسرائيل" ليست الوحيدة في عالمنا المعاصر التي يتكلم افرادها لغات مختلفة، مع ان اللغة الرسمية هي العبرية, فالهند، مثلاً تتكلم عشرات اللغات. لكن سكان الهند يبلغون حوالى مئتي ضعف يهود "اسرائيل". وهي قارة، حجماً وثقافات وتاريخاً. وكذلك الصين التي لشعبها اقل من مئة لغة ولكن سكانها مئتان وخمسون ضعفاً ليهود "اسرائيل". والفرق ان البلدين القارتين تمكنتا من ربط السكان، متعددي اللهجات واللغات، برباط قومي بفضل امتداد جذور كل منهما في تراب البلد آلاف السنين، وبفضل تاريخ عريق متواصل لكل منهما.
وذلك كله يعود بنا الى وعورة السبيل الذي حاول قادة الصهيونية سلوكه للوصول الى المجتمع الواحد، الداعم للدولة الواحدة الحالمة بالتوسع والامتداد افقياً وعمودياً في دنيا العرب. لكننا لا ننكر ان اولئك القادة ادركوا المشكلة، وحاولوا تذليلها دون نجاح. وقد مر بنا الكلام عن محاولتهم تعليم العبرية وتعميمها بواسطة المدارس "ومخيمات العبور والتأهيل" والصحف واجهزة الاعلام والنتاج الثقافي، كما انهم حاولوا صهر افراد هذا المجتمع المنشود عن طريقين آخرين.
اولهما، وقد قام بالمبادرة حزب العمل منذ مطلع الانتداب البريطاني ونمو حركة بناء المستوطنات وتدفق المهاجرين اليهود، وهو طريق ما سمي "بالعمل العبري". والواقع ان غايات "العمل العبري" كانت متعددة. منها الاستغناء عن العامل العربي، سواء في الزراعة او الصناعة او البناء او في كل المجالات غير المتخصصة والتي يتوافر لها عمال عرب بأجور بسيطة. وهنا لا بد لنا من ان نشير الى ان المقاطعة بين عرب فلسطين ويهودها لم يبدأ بها العرب ضد اليهود (في الثلاثينيات). بل بدأ بها اليهود ضد العرب قبل ذلك التاريخ بأكثر من عشر سنوات. وكانت المقاطعة اليهودية للعرب، افراداً وبضائع، عملية مدروسة ومبرمجة. واستطاع اليهود، بفضل التعويض عن حاجاتهم الى ان اي انتاج او يد عاملة عربية بإيجاد بديل يهودي مسبقاً، ان يقيموا مقاطعة شاملة وناجحة، عكس ما كانت عليه المقاطعة العربية لليهود.
الا ان الغرض الاول من "العمل العبري" كان السعي لدمج المهاجر اليهودي في الحياة العملية والانتاجية في الارض الجديدة، فلسطين. كانت خبرات شريحة واسعة من اليهود الوافدين تنحصر في عالمي المال والاعمال (التجارية والصناعية)، والمهن الحرة "الراقية"، كالطب والهندسة والتدريس والعلوم والتخصص العلمي. وكانت المستوطنات بحاجة الى مزارعين ورمبي دواجن ومواش والى صانعي حرف صغيرة وبسيطة. لذلك وضع الآلاف من هؤلاء المتخصصين في الاعمال والعلوم الصعبة والنادرة، من ذوي "الياقات البيضاء"، في خدمة البرامج الزراعية والحرفية والبنائية والتعميرية، في المستعمرات ومحيطها. وكان بن غوريون، الاب الروحي للعمل العبرين يفاخر بانه حاول دمج المهاجر اليهودي الالماني حامل الدكتوراه في الكيمياء او الفيزياء بالمجتمع اليهودي في فلسطين بوضعه في مستوطنة يبذر القمح او يزرع الفجل او يربي الاغنام او يحلب الابقار او يحفر الطرق او يبني السدود والمنازل او يشحذ السكاكين والمناجل او يصنع السلال او يلف التبغ او يقطف الثمار او يلم الغلال. ذلك كله اسوة بمهاجرين آخرين جاؤوا من بلدان اخرى ويحملون شهادات اخرى ولهم تجارب اخرى في الحياة العملية. لقد جعل العمل العبري انشاء المجتمع مهمة مطلوبة من كل انسان يقيم فيه، وجعل المساهمة في ذلك شهادة على استحقاق اليهود للمواطنة وشرفاً في خدمة "اسرائيل". فمن لا يعمل ليس صهيونياً حقيقياً واهلاً للتسمية يجب ان يعمل. لكنه ليس هو الذي يقرر العمل، نوعاً وموقعاً وحجماً، بل القيادة هي التي تقرر. وهكذا كان العمل العبري هو الصفحة المقابلة للمجتمع اليهودي على لوح الوصية الثامنة من وصايا الثوابت الصهيونية. ومختصر هذه الثنائية التي يكمل احدها الاخر هو ان المجتمع شرط لبقاء الدولة الصهيونية، وان العمل شرط لقيام هذا المجتمع.
ويبدو ان العمل العبري، الذي اسهم في صهينة يهود كثيرين عملياً وحياتياً واسهم في تحقيق الكفاية الذاتية للمجتمع اليهودي، لم يكن كافياً لصهر عناصر هذا المجتمع فظل مجتمعاً مقسوماً على نفسه وظلت خيالات "الشتات" الجغرافي السابق على الهجرة تظلل سماء هذا المجتمع بعد الهجرة والتوطن والتأقلم.