7 - حركة عمل عسكري، سياسي ودولي
اذا كانت الصهيونية حركة عسكرية، وكان "المجتمع الاسرائيلي" الذي نجحت في اقامته 1948 مجتمعاً عسكرياًن فان الخمسين سنة بين انشاء الحركة وقيام الدولة كانت هي ايضاً فترة عمل عسكري يسير الى جانب العمل السياسي والدولي وانشاء المؤسسات وتأهيل الذات لمرحلة الدولة.
فمثلما افرز الاستيطان اليهودي مستعمرات تتوزع بين نوعي الكيبوتز والموشاف، افرز نوعاً ثالثاً، عسكري الطابع، هو الناحال. وكانت الناحال مستوطنات خاصة بالجنود تتوزع مواقعها على الاماكن الاستراتيجية ، اي انها كانت قلاعاً حربية تحت عنوان مدني. وكانت بالتالي رديفاً وقواعد للنشاط الارهابي والتخريبي ضد العرب، سواء في مرحلة الانتداب او خلال الحرب العربية الاسرائيلية الاولى.
ومثلما افرز الاستعداد الصهيوني مؤسسات للشبيبة تعمل للهدف الاستيطاني ودمج المهجرين الى فلسطين، افرز ايضاً مؤسسة الجدناع، وكانت اشبه بالجسر الذي يعبر به الصهيوني من موقعه المدني الى موقعه العسكري داخل عملية التهيؤ للقتال من اجل انشاء "الدولة".
غير ان البنية الحربية للحركة الصهيونية في عهد الانتداب تمثلت في المنظمات الارهابية الصرف. وان كانت الهاجاناه، التي حملت صفة رسمية الى حد ما وكانت علنية وتشكل جهازاً شرعياً في آلية التعاون البريطاني - الصهيوني لتحقيق وعد بلفور (وكذلك البالماخ، ذراعها العسكري الضارب) تعمل تحت جناح الوكالة اليهودية مباشرة وتأتمر بأوامر المنظمة الصهيونية العالمية التي كان الماباي (حزب العمل في ما بعد) يشرف عليها، اي انها كانت تجلس في احضان السلطة، فان منظمات ارهابية اخرى كانت تعمل تحت جنح الظلام وتفتك بالمواطنين العرب (ثم برموز الوجود البريطاني في فلسطين 1943 - 1948) بوحشية اقوى. وقد اتاح لهذه المنظمات غير الرسمية ان تتحرك بحرية وتبطش بشدة مخطط جهنمي تفتقت عنه مخيلة القيادة الصهيونية (في المنظمة العالمية والوكالة اليهودية في فلسطين)، وهو ان يرخي العنان للمنظمات الارهابية غير الرسمية لتجول وتصول ضد العرب (والانكليز، واليهود في حالات معينة سنأتي على ذكرها) في السنوات العشر التي سبقت انشاء "الدولة"، بينما تتنصل القيادة السياسية الرسمية المعترف بها (المنظمة والوكالة) من اعمالها ولا تكون مسؤولة الا عن تصرفات الهاجاناه. وهكذا وزع النشاط بين المنظمات الارهابية: الرسمي منها (الهاجاناه) يضرب بسيف الشرعية، وغير الرسمي (ابرزها الأرجون وشتيرن) تتصرف على هواها كالولد المشاغب "والفلتان" الخارج على طاعة والديه.
لن نتوسع في استنطاق السجل الارهابي لهذه الجماعات. فقد كتب غيرنا فيه الكثير. وكتبنا فيه مقالة مطولة في "السفير" يوم السابع عشر من نيسان 1996، لكننا نود هنا ان نركز على الارث الارهابي للعقيدة الصهيونية الذي تمثل في هذه المنظمات "غير الرسمية" و "غير الشرعية".
سبق ان مرّ معنا اسم فلاديمير جابوتنسكي: احد ابرز القادة الصهيونيين بعد هرتزل، وكان منافساً رئيسياً لحاييم وايزمن الذي تولى قيادة المنظمة ما بين 1905 و1948. وكان الفارق الاساسي بين تلميذي هرتزل معلمهما الاكبر، الوفيين له، كل منهما على طريقته، ان وايزمن (ومدرسته ومريديه) اخفى نواياه العدائية والتوسعية والارهابية تحت جبة النشاط السياسي والسعي الدبلوماسي، واستطاع بذلك ان يؤمن الحصول على "براءة" وعد بلفور في شكر من فلسطين، وان يقيم صك الانتداب البريطاني على فلسطين على اساس الالتزام بتنفيذ الوعد امام اكبر هيئة دولية. عصبة الأمم، وان يتبجح في استيراد جماعات كثيرة من المهاجرين اليهود الجدد ويقيم لهم المستوطنات ويحصل لهم على الاراضي والاموال والاعمال، وان يؤسس للمجتمع اليهودي في فلسطين ايام الانتداب "دولة" داخل دولة، لها قوانينها وانظمتها ولغتها ورموزها وامنها وادارتها ومدارسها واجهزتها الصحية والتربوية والاجتماعية واتحاداتها العمالية والنسائية ونواديها واذاعتها وصحفهان وغير ذلك من ادوات الدولة قبل انشائها.
اما جابوتنسكي فكان لا يخفي نواياه، ويكشف عن طموحاته التي لا حدود لها، ولا يقتنع بالمرحلية والتدرج في تحقيق الاهداف: اي ان الاثنين التقيا في الهدف واختلفا في نقاط التشديد وسلم اولويات هذا الهدف. البس وايزمن القوة جلباب السياسة. اما منافسه فألبس السياسة جلباب القوة. حملت يد وايزمن ادوات الاتصال والتفاوض واخفى ادوات الحرب في جيبه. وحمل جابوتنسكي السلاح في يده حتى وهو يجري اتصالات سياسية ويتفاوض. وركز وايزمن على فلسطين في حدود الانتداب قاعدة للانطلاق بينما انفتحت القاعدة شرقاً عند جابوتنسكي فشملت ما وراء نهر الاردن. طبخ الرجلان طبقاً واحداً، انما بمذاقين مختلين.
بسيطرة الحركة العمالية على المنظمة العالمية ايام الانتداب، بدأ الاختلال بين السبيلين نحو الهدف المشترك يتسع، وصار هناك غالب ومغلوب. فانشق جابوتنسكي عن المنظمة واسس المنظمة الصهيونية الجديدة، وسماها اتباعه الكثر "الحركة التصحيحية"، وسماها خصومه "الحركة التحريفية". وما يهمنا هنا من هذا الصراع (السلمي في غالبه) بين الاتجاهين على امتداد عشرين سنة، ان حركة جابوتنسكي كانت الخلفية التي انطلق منها الارهاب "غير الرسمي" حتى 1948. اظهر جابوتنسكي اعجابه الشديد ببطولات "الاجداد" في العهد القديم من التوراة في ذبح اهل فلسطين وسكانها الاصليين (بعد الغدر بالمصريين ومقاتلتهم) والاستيلاء على ممتلكاتهم ومواشيهم ونسائهم بالقوة والتعامل مع جيران فلسطين بالغطرسة ، ودعا الى إحياء تلك "البطولات" وممارسة تلك الاساليب من اجل الظفر بفلسطين من جديد. ودعا ايضاً الى دراسة فنون الحرب والقتال عند اليهود القدامى بتعمق. وكان جابوتنسكي معجباً، في الوقت نفسه، بزعامتي هتلر وموسوليني. ولحق به مريدوه له الآلية للتعبير عن هذه الشراسة مقابل المحاولات السياسية / التفاوضية الظاهرة التي كان حزب العمل / الماباي يتبعها.
تحت سقف "الجابوتنسكية" قامت ثلاث او اربع منظمات ارهابية، نسقت مع الهاجاناه سراً وانفردت جهراً بتحمل مسؤولية اعتماد الارهاب سبيلاً الى السلطة. وانبثق عن "المنظمة الصهيونية الجديدة" التي حلت نفسها في الاربعينيات وعاد رجالها الى المنظمة الأم، اي الصهيونية العالمية، حزب سياسي رئيسي هو حزب حيروت، بزعامة مناحيم بيغن، انبثق عنه، في ما بعد، تكتل الليكود. وهكذا انتقلت "القيادة الجابوتنسكية" من مؤسسها الى بيغن الى شامير الى نتنياهو، خط ارهابي يتعاطى السياسة، في مقابل الخط السياسي الذي يتعاطى الارهاب من بن غوريون الى اشكول الى غولدا مائير الى رابين الى بيريز الى باراك، خطان متوازيان وصفحتان لورقة واحدة.
سلط الخط الارهابي عدوانيته على اربع جماعات: على العرب الفلسطينيين في الدرجة الاولى، وان له الدور الاكبر في مذابح 47-48 المتواصلة والمبرمجة التي كان كل منها يطرد عرب منطقة ما الى خارج ديارهم وادت في مجملها الى اخطر مرحلة من مراحل اقتلاع السكان وتفريغ فلسطين من اهلها، وعلى الوجود البريطاني في الاربعينيات بالدرجة الثانية- كمحاولة لإرغام بريطانيا على الاسراع بإنشاء "الدولة"، وخاصة عن طريق فتح ابواب الهجرة اليهودية والتسلح على مصاريعها - وعلى بعض الجهات الاجنبية التي لم تسر في ركاب الاطماع الصهيونية كفاية، مثل مقتل الكونت برنادوت ومرافقه في 1948، واخيراً، وهذا هو الافظع، على "الشعب" اليهودي نفسه الذي يزعم الارهابيون انهم يقاتلون ويقتلون من اجل ولمصلحته وحمايته. تجلى ذلك، اكثر ما تجلى، في نسف سفن تحمل مهاجرين يهوداً من اوروبا، واغراقها امام الساحلين الفلسطيني والتركي، وفي نسف منازل ومعابد ومتاجر لليهود العراقيين. وكان القصد من اغراق السفن بحمولاتها البشرية تأليب العالم ضد الانجليز. وكان القصد من بحار الدم اليهودية في بغداد حمل يهود العالم العربي على الهجرة الى فلسطين. وسقط في هذه العمليات، واخرى مشابهة ولكن اقل شهرة، عدة آلاف من المسالمين اليهود، من نساء واطفال وعجزة وشيوخ.
تبدل الحال، شكلياً، بعد قيام "الدولة" 1948 وانضمام المنظمات الى الجيش الذي كانت الهاجاناه قوامه الاساسي. فمثلما ورثت "الدولة" مسؤولية اليهود في العام، وادعت تمثيلهم والنطق باسهم وادراك مصالحهم والاستيلاء على حقوقهم، ورثت ايضاً الجانب الارهابي / العسكري / التخريبي من الحركة الصهيونية، واصبحت هي المسؤولة عن قرار تنفيذه واداء عملياته. واصبح الارهاب الصهيوني، كله، رسمياً، يدار من فوق، من اجهزة الدولة، علناً او سراً. وهكذا لم يعد هناك، في خمسين السنة الاخيرة، ارهاب رسمي وغير رسمي، وشرعي وغير شرعي، وارهاب فئوي متعدد المسؤوليات. اصبح لدينا ارهاب واحد برأس وعقل وقرار واحد، ارهاب "دولة" هي دولة ارهاب. تساوى الارهاب واندمج مع "الدولة" تساوي الارهاب واندماجه مع الحركة الصهيونية.
دولة الارهاب الصهيوني، التي قامت على الارهاب ومن اجله، انما هي التي تمارس الارهاب، منذ خمسين عاماً تقريباً، وستظل تمارسه ما شاء سوء قدرنا ان تبقى. ونزع صفة الارهاب عن "اسرائيل"، مثل نزعها عن الصهيونية، محال لانه نزع الشيء عن ذاته، او كنزع القلب او الدماغ عن الجسد. بغيابه يموت الجسد، وبموت الجسد يتعطل القلب او الدماغ.
من هنا كان تاريخ "اسرائيل" تاريخ حرب متواصلة، وليس بين دول العالم المعاصر، او بين المئة وثمانين دولة التي تنتمي الى الاسرة الدولية، غير "اسرائيل" التي تاريخها هو تاريخ حروب متواصلة. هناك انظمة عسكرية، وهناك دول تحارب، ولكن ليس هناك ، غير الدولة الصهيونية، من كانت العسكرية صفتها اللازمة والباقية في حالات الحرب و"السلم"، ومن كانت حياتها كلها، السياسية والحزبية والاقتصادية والثقافية والدولية والاجتماعية، وعلاقاتها مع ذاتها ومع الغير، تقوم على مبدأ الحرب المتواصلة. وكما سبق وقلنا اكثر من مرة، ان العسكرية عنصر من عناصر الصهيونية، وليست مجرد وسيلة لتحقيق اهداف اخرى.
حروب ضد العرب، بدأت لإقامة "الدولة" ثم لحمايتها ثم لتوسيعها، من 1948-1949 الى 1956 الى 1967 الى 1973 الى 1978 الى 1982. وقضم للاراضي المجاورة، في مصر وسيناء والاردن وسوريا ولبنان، بعد توسع داخلي شمل فلسطين كلها واحتلالات لمساحات واسعة ووجود عسكري كثيف، واعتداءات ومجازر للفلسطينيين وغيرهم من العرب، تتجاوز حدود فلسطين والاردن وسوريا ولبنان ومصر لتصل الى العراق وتونس، وعمليات اغتيال لأفراد وتفجير لمؤسسات تترك بصماتها على عشرات المدن العربية وغير العربية، وتطال المثقفين واهل العلم مثلما تطال الناشطين سياسياً ونضالياً، ولا توفر النساء والاطفال ولا المدارس والمعابد والمعاهد والمتاجر والمصانع والمزارع وطرق المواصلات والطائرات والمدن والقرى والشوارع والاحياء. لقد قال بن غوريون، عند اعلان "دولة اسرائيل": بالدم والنار سقطت اليهودية، وبالدم والنار ستعود ثانية.
لن نتوسع. فالكتاب العسكري للصهيونية ووليدتها "اسرائيل" موسوعة من عدة مجلدات ضخمة، عشناه ولا نزال نعيشه. ولعل ابناء لبنان الجنوبي اكثر من يجد في هذا الحديث ترفاً فكرياً لانهم يختبرونه في كل ساعة من ساعات الليل والنهار.
للعسكرية الصهيونية اصولها وادواتها حتى تحتفظ بحيويتها وبطشها: اسلحة متطورة ومصانع حربية واستخدام جهنمي لنتائج التقدم العلمي والتكنولوجي وتعاون وثيق مع الدول المتقدمة في مجال الصناعات الحربية. مخابرات اخطبوطية تمتد شباكها في الداخل والخارج، ترصد وتتعقب وتعد الملفات، وتقتل وتفجر حينما يصدر القرار. وعملاء، اسرائيليون ويهود وغير اسرائيليين وغير يهود، وبينهم عرب مسلمون ومسيحيون، ومسلمون ومسيحيون من غير العرب. ووكالات واجهزة وفنون متقدمة من الاستطلاع، وموازنة عسكرية هي من اضخم الموازنات نسبياً في العالم، تأتي في الاولوية قبل تأمين الغذاء والتعليم والتطبيب. ومعونات وقروض اجنبية من دول "حليفة"، خاصة من الولايات المتحدة وبعض دول غرب اوروبان تكرس لتأمين حاجات الروح العسكرية وضرورات العمل الحربي والامني والمخابراتي.
"اسرائيل"، بفضل هذه الروح العسكريةن هي جيش. وجيش "اسرائيل" هو الشعب والبلد والحكم. وليس في العالم دولة يتغلغل فيها العسكريون في الحياة العامة، خارج صفوف القوات المسلحة، تغلغلاً واسعاً يحول البلد كله الى ثكنة بأعماله واقتصاده واحزابه ومعاهده ومصانعه ومختبراته وممثليه في الداخل وفي الخارج، مثل "اسرائيل". ان غالبية اهل القرار في "اسرائيل" في خمسين عاماً هم من "خريجي" الجيش. بل هم اكبر شريحة من الشرائح الفاعلة والبارزة في المجتمع. يكفي ان نذكر اسماء مثل دايان وبارليف ورابين ومردخاي وليفي وشارون ويادين وهرتزوغ وباراك وعازر وايزمن: رؤساء دولة وحكومة، ووزراء واعضاء كنيست وقادة احزاب، وسفراء ومدراء، الى جانب مسؤولي المصانع والمصالح والمعاهد والمؤسسات الاهلية. ولا عجب بان الازدواجية التي تجمع بين العسكرية والمدنية في العمل الصهيوني تزيل اي حاجز بين الخدمة العسكرية والخدمة المدنية في المجتمع الاسرائيلي.
ينعكس ذلك على عالم "السلم" مثلما ينعكس على عالم الحرب. والفرق الفاصل بين العالمين وهمي اشبه بخطوط الطول والعرض في خارطة العالم الجغرافية. فمفاوضات "السلام" هي ايضاً عمل عسكري، ومن صلب السياسة العسكرية للصهيونيين. هي عسكرية بأهدافها ووسائلها، وبرجالاتها ودعاتها، وبخططها وبرامجها ومراحلها، وبأبعادها المحلية والدولية. حسبنا في فضح هذا النهج الصهيوني الحديث، كجزء لا يتجزأ من المخطط الصهيوني الشامل، ان نتذكر ان الصهيونيين سريعاً ما مزقوا، هم انفسهم، الشعار الزائف للمفاوضات "الارض مقابل السلام"، وحولوه الى "الارض مقابل الامن". وبين "السلام" و"الامن" ما بين الجنة والجحيم.
- نشر القسم الاول من هذه المقالة في عدد الخامس من ايلول 1997.