6 - النزعة العسكرية

إذ نلج موضوع الوصية السابعة مما اسميناه الوصايا الصهيونية العشر وتكلمنا عنها في حلقات سابقة في الشهر الماضي، ونسميها الوصية العسكرية، نتعاطى معها كركن جوهري من الاركان العشرة، وليست مجرد وسيلة كما يتوهم بعضنا. فالوسيلة تتبدل وتزاح جانباً لتحل محلها اداة اخرى انسب، لكن العسكرية الصهيونية (بما تحمله من قوة وبطش وارهاب وتعذيب ومخابرات وتجسس وتسلط وكبت وقمع) وجه آخر لوحش حركة متعددة الرؤوس. الصهيونية عسكرية، مثلما هي عرقية واستيطانية وعنصرية واحتلالية لأرض الغير، واخلائية لسكان هذه الارض وقاعدة لمصلحة الاستعمار. والعسكرية متممة وتكملة طبيعية للصفات الصهيونية الاخرى، بقدر ما تكون هذه الصفات بعداً عضوياً وامتداداً طبيعياً لها.

اكرر واشدد هنا على خطأ النظر الى العسكرية الصهيونية كمجرد وسيلة لخدمة الاغراض وكأنها تأتي بالدرجة الثانية بالنسبة الى هذه الاغراض. انها احدى الصفات الرئيسية والمعالم الاساسية، شأنها شان سائر القواعد الثابتة للحركة الصهيونية. وليست هناك، ولن تكون في يوم من الايام، صهيونية سلمية، او صهيونية مسالمة، اي صهيونية مدنية تفتقد الصفة العسكرية. والحلم بصهيونية غير عسكرية وهم وسعي وراء سراب. ونحن لا نتذكر حركة قومية واحدة في تاريخنا الحديث التي تجاوزت عسكريتها حدود الوسائل. فالعسكرية الصهيونية جزء عضوي منها ومظهر رئيسي لها. وتفسر الدراسة النفسية لليهود والصهيونيين اسباب ذلك. فمن الجهة الاولى ادرك الصهيونيون ان مشروعهم سيظل محاصراً ومرفوضاً مهما طال به الزمن ومهما حقق من نجاح. ومن الجهة الثانية ادركوا ان ما من شيء يبدل نفسية الخوف والخنوع عند اليهود التي عاشت الفي سنة الا الروح العسكرية النظامية. وهكذا اصبح من المستحيل ان تكون هناك صهيونية سلمية او مسالمة.

كالعادةن نبدأ بثيودور هرتزل ونعود اليه مرجعاً اساسياً ومصدراً موثوقاً ليغنينا عن البحث عن الاسانيد والشواهد في كتب اخرى مشكوك بأمرها وبنواياها وبصدقيتها، مثل كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون"، او كتب دينية، كالتلمود والتوارةن ينقلب الاعتماد عليها من بحث رزين يهدف الى تبيان الحقائق الراهنة الى سقوط في محاذير واشواك والى دخول، بل ضياع، في متاهات نحن في غنى عنها، خاصة في هذه الايام التي يكون قد مرّ على انشاء الحركة الصهيونية مئة عام.

غير ان العودة الى النبع، الى هرتزل، لا تنفي ثلاثة امور: اولها ان ارهاصات الطرح الصهيوني في القرن التاسع عشر، وما ولدت من جمعيات ومنظمات وخاصة في اوروبا الشرقية، هي ايضاً سبقت هرتزل في بعض مذاهبها وخططها الى ادراك مسألة دور القوة في عملية تهجير اليهود الى فلسطين وحمايتهم هناك، اي ان هرتزل لم يكن "العسكري" الاول، زماناً وتنظيراً، لكنه كان العسكري الاول مؤسسة وسلوكاً عملياً.

وثانيها ان محاولات سابقة للتحرك الصهيوني في القرن التاسع عشر، وكانت شبه صهيونية او تحمل بوادر صهيونية من دون ان تكون كذلك بالمعنى الكامل والحديث للمصطلح المركب، توسلت القوة العسكرية اسلوباً رئيسياً او احد الاساليب الرئيسية لإيصال "يهود الاضطهاد" الى فلسطين وإنشاء كيان لهم بشكل او بآخر. تمتد هذه المحاولات على مدى قرنين او اكثر قليلاً، من محاولة مقامر ومغامر يهودي بهلوان وافاك، اسلم وتنصر، وتنصر واسلم، وحاول في اواخر القرن السادس عشر إقناع السلطان العثماني بالسماح له بإنشاء فيلق يهودي محارب يتم نقله الى فلسطين لإنشاء مأوى لليهود يدعم الوجود العثماني في قلب الاجزاء العربية من السلطنة وفي واحد من اقدس الاماكن عند المسلمين، وينقذ جزيرة قبرص من الاطماع البريطانية، الى محاولة نابوليون الشهيرة، اواخر القرن الثامن عشر، باعتماد اليهود حلفاء له في حملته ضد البريطانيين ومباركة احتلالهم لفلسطين، او بعضها، مقابل الحصول على ولائهم السياسي والمالي والدولي. وبين المحاولتين مساعٍ اخرى صغيرة ومحدودة باءت كلها بالفشل قبل ان ترى النور.

وثالثها ارتباط بعض الاجنحة الصهيونية، في جمعيات وافراد، بروايات العهد القديم من التوراة واستلهام ما يتعلق باستخدام العبرانيين القدامى للقوة العسكرية لاحتلال بعض فلسطين ومحاربة اعدائهم من الشعوب المقيمة في فلسطين او الغزوات التي جاءت من الخارج، متذكرين ان قسماً كبيراً من التاريخ التوراتي العبراني انما هو تاريخ المعارك المتواصلة لحوالى خمسمئة سنة مع الفلسطينيين والآراميين والكنعانيين والعموريين والمؤابين والآشوريين والكلدانيين والبابليين والمصريين والفرس والرعاة وغيرهم، الى جانب المعارك الداخلية بين الاسباط والممالك العبرية نفسها، واحياناً بين ابناء البيت الواحد، صحيح ان هذا الارتباط لم يخرج عن حدود الاعجاب والاشادة واستخدام احداثه رموزاً وعبراً تعزز الدعوة الصهيونية لكنه كان موجوداً، على اقل تقدير، وكان عاملاً في تغذية الحلم الصهيوني العنصري الاستيطاني بمشاهد للقوة والبأس والعنف والقتل الجماعي والذبح والتنكيل والغزو والسطو والسبي، اعطت ذلك الحكم "رونقاً" خاصاً عند حالمين قساة لا يتورعون عن سفك الدماء البريئة لتحقيق احلامهم.

مع هذا، فنحن نفتح صفحة العسكرية الصهيونية بهرتزل، الاب الروحي للحركة الصهيونية في عهدها المؤسسي المنظم والمبلور في برامج وآليات وهيكليات.

كانت "اسرائيل" القوية هدفاً. وكانت القوة وسيلة. تلازم الاثنان عند هرتزل، ولا يزالان يتلازمان الى اليوم. فلا صهيونية بلا "اسرائيل", ولا "اسرائيل" بلا قوة، ولا "اسرائيل" بلا تهجير يهودي واقتلاع فلسطيني وتوسع اقليمي وارتهان استعماري، ولا "اسرائيل" قوية تحقق ذلك كله. اي ان الصهيونية، عكس  المبادىء والحركات المعروفة، تريد القوة للقوة، ولا تريدها وسيلة فقط لاغراض اخرى، فالقوة هي جوهر الوجود ومبررة، بل هي الوجود.

تحمل كتابات هرتزل تصوره هذا، واعجابه الشديد بالقوة، وجنباً الى جنب مساعيه للحصول على "البراءة" المنشودة للاستيطان، وعلى اقناع اليهود بالصهيونية، كان يسعى لان يكون كل من هذه الصهيونية وهذا الاستيطان مثلاً اعلى في القوة. رأى فيهما بديلاً من الاستعطاء. فالاستعطاء هو مظهر تردده على السلطان عبدالحميد ليسمح ليهوده بالهجرة، ومظهر اتصالاته مع ملوك اوروبا وقياصرتها وامرائها وصانعي قراراتها وبناة امبراطورياتها لإعطاء الضمانة للهجرة وحمايتها (اي ان الاستعطاء كان الشكل الظاهر لعمليتي السعي وراء "البراءة" وحماية "القانون العام"). لكنه بالقوةن وبها وحدها، يتبين للعالم، للسلطان والقوى العظمى على حد سواء، ان حركته اهل لنيل ما تسعى اليه.

وهكذا اخذ هرتزل يغرس في نفوس الصهيونيين بذور الصهيونية العسكرية القوية. اي على عكس الصفة الغالبة آنذاك لليهودي المسكين والمحروم والمقهور والضعيف، اسير حارته المغلقة وضحية العدوان المستمر. واذا كان يدعو هؤلاء المساكين الى الهرب فانما هو يدعوهم الى حال يتحول فيه الضعف الى قوة، واليأس الى بأسن ويتحول معه تلقي اللطمات والطعنات الى ضرب الآخرين وقمعهم. ولعلنا نلاحظ هنا ان اقسى انواع الارهاب وافظعها التي مارسها الصهيونيون انما كانت في اعقاب التنكيل النازي بهم. والمفارقة ان هذا الارهاب وجهه الصهيونيون ضد من لم تكن له علاقة بالتنكيل بهم (اي عرب فلسطين) وضد من مد لهم يد العون للتخلص من ذلك التنكيل (اي الانكليز) وذلك في السنوات الابع التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكأن الوحشية الصهيونية تتفجر بضراوة اكبر كلما عبر اليهود مرحلة من المسكنةن صحيحة كانت او مزيفة.

فكر هرتزل، في وقت من الاوقات في مطلع القرن الحالي، ان يجسد دعوته الى الصهيونيين بالاستعداد العسكري الى جانب السعي السياسي والدولي للحصول على "البراءة"، بتشكيل فيلق عسكري شبه نظامي، قواته من المرتزقة من اوروبا من يهود وغير يهود، بقيادة ضابط بريطاني كان يحلم بالاسهام في انشاء الدولة بحد السيف. وكان هذا الضابط مغامراً من الدرجة الاولى، ووثيق الصلة.

ومع ان هؤتزل مات ومات معه المشروع الخيالي، سرعان ما اتجهت المنظمة الصهيونية نحو تكوين فرق وفصائل نظامية وشبه نظامية "لحماية" اوائل المهاجرين واولى المستعمرات اليهودية في فلسطين، في العقدين الاولين من القرن.

اما الفرق شبه النظامية فقد تشكلت من شبان يهود من بين المهاجرين الجدد الى فلسطين، وكانت لبعضهم تجربة في الامور العسكرية. وتوزعت جماعاتهم حول المستعمرات او على الطرق المؤدية اليها. وكان احد غلاة الصهيونية من الامريكيين يتولى القيادة، وقد قتل في احدى المجابهات مع السكان العرب. وتخليداً لذكراهن وقد اعتبر "الشهيد الاول"، اطلق اسمه على احدى المستعمرات شمالي فلسطين.

واما الفرق الرسمية فكانت فيالق قدمت الحركة الصهيونية عناصرها للجيش البريطاني لتتدرب وتتسلح وتحارب تحت الراية البريطانية وان يكون لها طابعها اليهودي المميز الخاص. وقد سميت فيالق "البغالة"، اذ كانت من المشاة ممن يستعملون الدواب في تنقلهم. ومع ان دورها في الحرب العالمية الاولى كان محدوداً، ويبالغ الصهيونيون في تصويره والتبجح به، الا ان كان دورها فاعلاً جداً في التمهيد العملي للإرهاب الصهيوني ايام الانتداب البريطاني على فلسطين. فقد كانت عناصر "البغالة" نواة التشكيلات العسكرية النظامية وغير النظامية التي قامت في العشرينيات واشتد عودها في الثلاثينيات للتحول في اواخر الاربعينيات الى "جيش الدفاع الاسرائيلي".

والهاجاناه ابرز هذه التشكيلات واقواها واكبرها. وهي تدين بوجودها الى حزب العمل (الماباي) وتدين بتطويرها الى بن غوريون (الذي اصبح في ما بعد اول رئيس للوزراء في "اسرائيل" والذي اعلن مولد "الدولة" منتصف مايو 1948). ولكنها تدين، بالدرجة الاولى الى الدعم البريطاني الذي لم يقتصر على التدريب والتسليح والتطوير بل اعطاها شرعية وجعلها رديفاً لقوى الامن الرسمية. ومن بين رعاة الهاجاناه ومؤيدي وجودها واعمالها الارهابية يبرز اسم الضابط البريطاني (المسيحي غير اليهودي) اورد وينجيت، وهو مغامرة اهوج مدّعٍ ومتعصب وشس، اعطى الهاجاناه كل طاقاته وقادها في اعمالها التخريبية ضد العرب في الثلاثينيات ليلتحق في ما بعد بالقوات البريطانية المحاربة في جنوبي شرقي آسيا وليقود هناك مجموعات من الفدائيين في اعمال تخريبية ضد الاحتلال الياباني. وهناك سقط الرجل قتيلاً، ليتبين في ما بعد انه كان جباناً وضعيف الشخصية ولا يتحلى بصفات القيادة وغير مؤهل لتحمل المسؤولية. كان وينجيت "اسدا" على اهل فلسطين وفأراً امام اليابانيين. هذا ما لا اقوله من عندي وانما تعترف به مصادر التأريخ العسكري البريطاني للحرب العالمية الثانية.

وكرر الصهيونيون في الحرب العالمية الثانية التجربة التي خاضوها مع البريطانيين في الحرب العالمية الاولى، وذلك بتأمين عناصر يهودية شابة للتجند في فيلق يهودي خاص في الجيش البريطاني. وليس غريباً ان تكون التجربة الجديدة اقوى واخطر من سابقتها في الحرب الاولى. فقد كان العدو هذه المرة مشتركاً. كان النازيون اعداء للبريطانيين ولليهود معاً، وكانت المعركة معهم، بالتالي، معركة واحدة. وكان الصهيونيون، ثانياً، اكثر حاجة الى تدريب جنودهم وتسليحهم وتأهيلهم وتطوير وضعهم العسكري لانهم كانوا اقرب زماناً الى مرحلة انشاء الدولة، الذي يتطلب استعداداً عسكرياً قوياً لمواجهة عرب فلسطين والجيوش العربية النظامية ومن معها من متطوعين.

بعيداً عن التفاصيل، نختصر القول بان التجربة العسكرية الصهيونية في ظل القوات البريطانية 1939 - 1945 كانت الركيزة الاساسية للاستعداد الصهيوني لمجابهة العرب 1948. ونذكر ان البريطانيين والصهيونيين كانوا يدركون في ذلك الحين ان الجندي اليهودي النظامي في الجيش البريطاني انما هو نواة الجندي النظامي في "الدولة" التي سيقيمها الصهيونيون برعاية بريطانية وحليفاتها بعد انتهاء الحرب العالمية. لذلكن ليس غريباً ان "يستبسل" المتطوعون اليهود في القوات البريطانية في معارك ضد العرب بدلاً من ان يذهبوا الى جبهات القتال الحامية في اوروبا. في ايطاليا والمانيا والنورماندي وغيرها. وعلى سبيل المثال، شارك الصهيونيون في الاحتلا البريطاني لسوريا وللبنان (وكان موشيه دايان احد المقاتلين، وفقد عينه في احدى المعارك قرب الدامور)، وفي الاحتلال البريطاني للعراق، ضد قورة رشيد عالي الكيلاني الوطنية (وكان ابراهيم شتيرن احد الضباط، وفقد قرب الحبانية حياته)، وذلك في السنتين الاوليين من الاربعينيات. اما الرجلان اللذان ذكرناهما فقد كانا من الارهابيين الصهيونيين، وكان الاول من "ابطال" حروب 1948-1949 و1956 و1967. وتزعم الثاني احدى اشرس المنظمات الارهابية التي حملت اسمه الى ان أدمجت في الجيش الاسرائيلي 1948.