5 - اقتلاع عرب فلسطين

مهما يكن من امر المرحلة الاولية من مراحل انشاء "الوطن القومي" لليهود، في جزء من فلسطين او في فلسطين شاملة شرق الاردن، فان تحقيق الهدف، الوصية الخامسة من الوصايا الصهيونية الثابتة التي سبق الكلام عنها في الاسابيع الماضية، استلزم وصية سادسة ارتبطت بها ارتباطاً عضوياً. فان اختيار فلسطين مأوى ليهود العالم، ولتهجيرهم اليه، وانشاء دولة، انما يفترض اخلاء المكان لإفساح المجال امام اكبر عدد من المهاجرين الوافدين من جهة، ولتحويل البلد الى كيان يهودي صرف، بسكانه وديانته وتقاليده ولغته وطابعه المتميز العام.

إخلاء فلسطين من سكانها الاصليين، اهلها الشرعيين ومالكيها الحقيقيين وابنائها التاريخيين، هو القاعدة السادسة من القواعد الثوابت "الوصايا الصهيونية". ولعل مصطلح اقتلاع هؤلاء السكان اصح وادق من كلمة اخلاء، لان الصهيونيين لم يقصدوا تفريغاً بشرياً فحسب بل ارادوا قلع جذور السكان المطرودين، ارضاً وتاريخاً وذكريات ومصالح، وشطب الفين وخمس مئة سنة تقريباً من تاريخ فلسطين (منذ زوال "مملكة السامرة" في القرن السادس قبل الميلاد الى قيام دولة اسرائيل اواسط القرن العشرين للميلاد)، شطبها من الذاكرة ومن المنطق ومن الادراك، ساخرين من الحقيقة القاطعة بان اهل فلسطين، بأقوامهم الاصلية الاساسية، استوطنوا فلسطين وتعاملوا معها وعليها منذ ثلاثة آلاف سنة قبل المسيح، بينما لم يدم الحكم العبراني لأقسام من فلسطين، موحداً او منقسماً على نفسه، اكثر من خمسة قرون، يبعد آخرها عنا اليوم بأكثر من الفين وخمس مئة سنة!.

دعت الحركة الصهيونية منذ نشوئها وانتظامها الى إخلاء فلسطين من سكانها قبل اكثر من نصف قرن من بدء تنفيذ عملية الإخلاء بشكل رسمي وجماعي. وان لم يكن ثيودور هرتزل اول من كتب في الموضوع فانه يظل المصدر الاساسي باعتباره مؤسساً للمنظمة الصهيونية وعبّر عن ذلك بصراحة ووضوح، بالرغم من ايجازه. ولا شك انه تعمد اسلوب الايجاز والمرور على الموضوع سريعاً حتى لا يثير مخاوف الناس آنذاك، وفي مقدمتهم عرب فلسطين والسلطات العثمانية الحاكمة وقوى اوروبا العظمى. وكان هرتزل يحتاج الى كسب ود، او رضى وقبول، هذه الجامعات الثلاث. حاول استمالة عرب فلسطين، الذين لم يكن يعترف بوجودهم ولا يأبه لمصيرهم, بإغراء بعض وجهائهم وممثليهم في اسطنبول. فكتب الى بعضهم (مثل يوسف ضيا الخالدي) يعده بتحسين اوضاع ملاك الاراضي من الفلسطينيين وزيادة دخلهم ان هم تعاونوا معه وباعوا بعض اراضيهم لليهود. وحاول تطمين السلطات عبدالحميد، وهو ولي امر المسلمين في العالم والقيم على شؤون مقدساتهم بحكم منصبه خليفة على المسلمين وسلطاناً على واحدة من اكبر الامبراطورية الاسلامية في التاريخ، بأن مشروعه الصهيوني ينفع السلطات مالياً لكنه لا يؤذيه معنوياً، اذ هو لا يهدد المسلمين بالخطر ولا يعرضهم للأذى. وحاول تطمين القوى العظمى، التي اتصل بكل واحدة منها على انفراد وبالسر عن الاخرى، بانه لا يطرح مشروعاً احتلالياً بل مأوى يتمكن في المستقبل من ان يتحول الى قاعدة تخدم مصالح تلك القوة ضد مصالح القوى الاخرى ـ وقد انعكس هذا التعهد في وعد بلفور الذي كان اول اعلان رسمي بـ"براءة" دولة اوروبية للصهيونيين بإنشاء كيان لهم في فلسطين، اذ نص الوعد، الذي صدر عن وزير الخارجية البريطانية (السير) آرثر بلفور بشكل رسالة الى احد زعماء الحركة الصهيونية في بريطانيا اللورد روتشيلد ولو في مجال الكلام التطميني فقط، على اقامة هذا الكيان لا تنال مصالح اهل البلاد بتأكيده "لن يتم شيء من شأنه ان يخلّ بالحقوق المدنية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين" (وقد سماهم الجماعات غير اليهودية ولم يسمهم عرباً او فلسطينيين).

حدد هرتزل مصير "الاقوام" الاصلية المقيمة على ارض فلسطين آنذاك (اي عربها بأغلبيتهم الساحقة) بمهمتين رئيسيتين يؤديانهما في خدمة عملية الاستيطان اليهودي لفلسطين. وهما: اولاً، العتالة، اي حمل قرب المار لإرواء المزارعين اليهود واراضيهم، وحمل الوقود والاخشاب (بدلاً من استخدام البغال والحمير)، وذلك تحت اشعة الشمس الحارقة التي لم يعتد اليهود عليها. وثانياً، حفر بعض الاراضي التي تكثر فيها الافاعي والثعابين السامة، وينتشر في مستنقعاتها البعوض الذي يحمل جراثيم الملاريا، وذلك في شمال فلسطين (منطقة الحولة مثلاً) ليتعرضوا هم بدل اليهود للأمراض والتسمم. وغني عن القول ان هذه المهمة كانت تؤدي غرضين في آن: حماية المهاجرين اليهود وابادة المواطنين العرب. اما من يتبقى من تلك "الاقوام"، من لا يموت بالسم او المرض والارهاق او ضربات الشمس، من يتحدى الطبيعة القاسية ووحشية المهاجر المستوطن، فان مصيره هو الرحيل، الاقتلاع والقذف الى خارج البلاد. واقترح هرتزل العراق (ما بين النهرين آنذاك) مكاناً لتهجير الفلسطينيين اليه. وهكذا تخلو فلسطين من اهلها ليحل مكانهم يهود اوروبا. انه الاقتلاع البشري / الحضاري بأقبح صورة واوقحها. وعندها يصح الزعم الصهيوني التقليدي الشهير: "ارض بلا شعب لشعب بلا أرض".

كانت الشرارة الاولى للمذابح الجماعية الصهيونية لعرب فلسطين في دير ياسين، فجر التاسع من نيسان 1948. وتلتها اكثر من مئة عملية، في المدن والبلدات والقرى وعلى الطرق فيما بينها وفي الحقول والمزارع. كانت في مجملها، وبينها حوالى العشر من المجازر الكبرى التي بلغ ضحايا كل منها بالعشرات، السلاح الرئيسي الذي استخدمه الصهيونيون لاحتلال مناطق واسعة من فلسطين (خاصة تلك التي منحها لهم قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في نوفمبر 47) من اهلها إخلاءً تاماً او شبه تام.

ولم يكتفِ الصهيونيون بذلك، وقد اسسوا دولتهم على انقاض هذه المجازر. فأخلوا اكثر من مئة الف مواطن، ممن تحدوا الارهاب وصمدوا في مواطنهم، او ممن نزحوا من قريتهم الى قرية مجاورة، من البلاد والحقوهم بمئات الآلاف من النازحين آنذاك في معظمهم الى الاردن وسوريا ولبنان او الى الشطر الاخر من فلسطين الذي اعطاه قرار التقسيم للعرب وضمه الاردن الى اراضيه. وقد برر الصهيونيون هذه العمليات التهجيرية بعد قيام "الدولة" بإصدار سلسلة من القوانين والانظمة التي تتيح نزع ملكية اراض من اصحابها العرب وطرهم عنها مستهترة بالقوانين العامة ومواثيق حقوق الانسان. وفي مقابل هذه القوانين غير الشرعية اصدر الصهيونيون "قانون العودة" الذي يتيح لكل يهودي في العالم ان "يعود" الى "بلده" (اي فلسطين) ويستوطنها ويتملك فيها على حساب عرب البلاد.

لم تتوقف عمليات الطرد الجماعي بدخول "اسرائيل" الأمم المتحدة مما يفترض احترامها للقوانين الدولية، ومن بينها تلك التي تمنع اقتلاع السكان. والتي طالب بعض قراراتها "اسرائيل" بإعادة شعب فلسطين النازح رغماً عنه الى خارج دياره ـ وهي قرارات استمرت الجمعية العمومية في اتخاذها سنة بعد اخرى حتى ملّ الناس من الاطلاع عليها ومتابعة اخبارها.

وفي العام 1967 قام الاسرائيليون بطرد موجات اخرى من السكان، وخاصة من اراضي فلسطين التي احتلوها في حرب حزيران من ذلك العام الخاطفة والمأساوية. وجنباً الى جنب عمليتي الطرد الجماعي الرئيسيتين في اقل من عشرين سنة، واصلت "اسرائيل" طرد شرائح من المجتمع الفلسطيني الخاضع لحكمها في ظروف مختلفة وتحت ذرائع وعناوين متنوعة: طرد قبائل من النقب والغور، إبعاد اشخاص بتهمة تهديد "امن الدولة"، وجلهم من اصحاب الكفايات والنخب الثقافية والعلمية ورجال المال والاعمال وناشطي النقابات والاتحادات والعاملين في مجال الخدمات الاجتماعية. حتى اصبح ذلك مظهراً واضحاً على رغبة العدو بإفراغ الوسط الفلسطيني من قياداته وناشطيه ونخبه ورموزه وأعلامه، ليتدنى مستوى حياته وعطائه ومعارضته، بعد ان تعذر على العدو اقتلاع كل الفلسطينيين من البلاد. هذا الطرد تلاحظ فيه الامور التالية:

اولاً، حرص السلطات الاسرائيلية على عدم السماح للعرب المطرودين، والاجيال المتفرعة عنهم، بالعودة ولا بشكل من الاشكال. ولا اقصد العودة الجماعية التي نصت عليها قرارات الأمم المتحدة طيلة ثمان واربعين سنة بل العودة الفردية وفي الحالات الانسانية. من خرج قد خرج. وقد جاء من حل مكانه ممن لا علاقة سابقة له بالمكان!

ثانياً، استمرار "اسرائيل" في تشجيع العرب، ممن صمدوا في فلسطين المحتلة 48 او / و67، على الهجرة، وتهيئة المناخ المشجع والملائم لذلك: لطلب العلم عن طريق تضييق مجالات العلم في البلادن وطلب العمل عن طريق صد ابواب العمل امام الكفايات التي يمكن لأصحاب العمل ان يستعيضوا عنها بكفايات يهودية او حتى اجنبية (وخاصة من شرق آسيا او من شرق اوروبا). ويصح لا ان نسمى هذا السلوك بالإبعاد "المبطن"  او "المستتر"، التدريجي، الذي يبدو في الظاهر كقرار فردي طوعي لا إكراه فيه وهو في الواقع رد فعل مباشر لإجراءات صهيونية يقصد منها صانعوها التخلص من مزيد من السكان العرب.

ثالثاً، الإبعاد الامني، وهو منفصل نوعاً ما عن عمليات الإبعاد الجماعية الاخرى، اذ هو يأتي على مراحل وفي ظروف مختلفة، وحجته واحدة من اثنتين: اما اخراج عرب من مساكنهم بحجة "قدسية" المكان عند اليهود، كالمدن المقدسة الخمس وكالكثير من المزارات والاماكن التي يزعم اليهود ان لها مكانة روحية خاصة في وجدانهم التاريخي والدينين او اخراج عرب من مناطق يدعي الاسرائيليون انها ضرورية لحماية امنهمن سواء في المستوطنات والاحياء اليهودية او حولها او على طرق الاتصال في ما بينها، او حول المواقع العسكرية كالمعسكرات والمطارات والموانىء والمصانع الحربية ومخيمات التدريب ومراكز البحث العلمي والحدود…

إذن فان سياسة الاقتلاع لم تتوقف، ولم تنحصر في ظروف او امكنة محددة. انها سياسة مستمرة، وستظل كذلك ما بقيت الحركة الصهيونية قائمة. ذلك الاقتلاع هو الوجه الآخر لعملية الاستيطان. طرد عربي لإيواء يهودي. معادلة واضحة وبسيطة، على ما فيها من ظلم ووقاحة وتحدٍ للقوانين الدولية والحقوق الانسانية والقيم الاخلاقية المجتمعية.

من هنا كان بعض بنود اتفاق اوسلو في 13 ايلول 1993ن وما تلاه من اتفاقات آخرها اتفاق الخليل في العام الماضي، مظهراً صريحاً لتعمد الطرف الاسرائيلي في "مفاوضات التسوية" ان يظل محتفظاً بـ"حقه" في إخراج الفلسطينيين.

وعدم السماح بإعادتهم، فبالرغم من كل شيء، من مزاعم السلام والتسوية وإظهار حسن النوايا ومن قرارات اعلى سلطة دولية في العالم ورعاية اعظم قوة في نظامنا العالمي الجديد ومن كافة الحقوق والقيم الانسانية، تتفق القيادات العربية، الفلسطينية وغير الفلسطينية، الغاطسة في وحل التسوية، مع الاصرار الاسرائيلي بعدم عودة الفلسطينيين. ويكون "السلام" علىحساب الاقتلاع.

ويحصل الاستسلام بالرغم من حق المشرد بوطنه وبالعودة الى دياره. وبإيجاز بالغن وبكلام بسيط لتعابير قانونية معقدة وخبيثة، تتنازل القيادة الفلسطينية عن حق نصف العب الفلسطيني ببلاده (المشرد منذ 1948)ن وعن حق الاغلبية الساحقة من مشردي العام 1967. وهكذا تبقى الوصية السادسة، باقتلاع الفلسطينيين فاعلة بقوة في عهد "السلام" كما كانت في عهد الحرب والعداء والمقاطعة.

يتفق الطرفانن الصهيوني والفلسطيني، انه لولا الحرب لما كان "السلام". فمن الجهة الاولى تدرك "اسرائيل" ان حروبها وارهابها المتواصلين ضد العرب على مدى عقود متعاقبة هما اللذان اركعا القيادة الفلسطينية وجعلاها ترفع يديها استسلاماً على نقيض موقف شعبها ورغماً عن صموده). ومن الجهة الاخرى، يتخذ دعاة النهج الاستسلامي من القوة الاسرائيلية ذريعة لتبرير وأد النضال والهرب من المواجهة الوطنية والخروج على ثوابتنا القومية.

اذن فالاقتلاع، وهو بالنسبة الينا سبب الصمود والنضال، انه ابن الارهاب الصهيوني. والارهاب، في حقيقة الامر، احد الثوابت الصهيونية. وهو احدى وصاياها التي لا تنازل عنها ولا انحراف مهما كانت الظروف. لم تكن الصهيونية مجرد حركة لتهجير اليهود الى فلسطين، اي لقذف فائض بشري اوروبي الى خارج اوروبا. ولعلها الوحيدة، او من الحركات النادرة المعاصرة، التي سعت الى اكثر من التهجير، اذ هي سعت لإنشاء "حضارة" في بلد غريب عن طبائعها بعد ازالة حضارته وتشتيت شعبه.