4 - التوسعية

انتقلت المرحلية الصهيونية من عهد المطالبة بالمأوى إلى الكيان إلى الدولة في مدى نصف قرن (1897 - 1942). وكانت فلسطين هي موقع هذا المأوى او الكيان او الدولة. ولكن اي فلسطين؟ او، فلسطين بأية حدود؟.

الصهيونية حركة استيطانية توسعية. لا يجوز الفصل بين الحركة واستيطانيتها، كما رأينا في مقالات سابقة، ولا بين استيطانيتها وتوسعها، كما نرى في تفحص الوصية الخامسة من الوصايا العشر للحركة الصهيونية التي انبثقت عن مؤتمر بازل الشهير الذي يحتفل الصهيونيون بذكراه المئوية هذا الأسبوع.

والواقع أن مسألة حدود فلسطين كانت، ولا تزال وستظل، مسألة جوهرية في الفكر والممارسة الصهيونية. فعلى أساسها يقوم التوسع، حجماً وظرفاً وزماناً ومكاناً ونوعية.

ان فلسفة التوسع الصهيوني في فلسطين تقوم على مبدأ ثابت لا جدال حوله ولا تنازل عنه. وهو ان فلسطين ليست الا خطوة أولى وقاعدة انطلاق في بناء الدولة الصهيونية. تتسع اذا أمكن ولكن لا تصغر ولا تتضاءل ولا تنكمش ولا تتراجع حدودها إلى الوراء، اي إلى الداخل. ولذلك فان كل حديث عن "حدود اسرائيل" الثابتة هو شطحي ومحصور في زمان او عهد معين. لا حدود لاسرائيل بالمعنى الجغرافي. حدودها بالمعنى الواقعي والعملي، الزمن والظروف هما اللذان يرسمان الحدود، ويضعانها ويتلاعبان بها. للحدود بعد إمكاني لا مكاني.

من هنا فإننا نخطىء الذين ما فتئوا يرددون القول التوراتي بان حدود "اسرائيل"، حسب الوعد الإلهي المزعوم لأنبياء اليهود، تمتد بين نهري النيل والفرات. ولا شك ان عناصر صهيونية كثيرة رددت هذا القول، خاصة في الربع الأول من القرن الحالي. وهي في معظمها عناصر دينية محافظة، او عناصر لا تتمسك بالأصول الدينية وانما هي تتوسلها لكسب العناصر المتدينة إلى صفها، خاصة حينما لم تكن المبادىء الصهيونية قد اكتسحت الرأي اليهودي العام في العالم بعد. وقد رأى مرددو هذا القول فيه جاذبية خاصة يستسيغها اليهودي أينما كان ومهما كان اتجاهه السياسي لأنها تذكره بقول مأثور ووعد شائع (مصطنع) منسوب إلى الله، اله اليهود وحدهم، يحمل في طياته تعبيراً عن الوصايا الأخرى، من ان اليهود شعب متميز وممتاز وصاحب حق الهي بتملك ارض فلسطين والتجمع عليها من كل أنحاء العالم.

والواقع ان الانكماش الأول عن صيغة من الفرات إلى النيل حصل في أعقاب الحرب العالمية الأولى حينما أخذت الدول المنتصرة في الحرب تبحث في المسألة اليهودية وفي إنشاء كيان قومي لليهودي في فلسطين بعد وعد بلفور وفي أعقاب سقوط السلطنة العثمانية ووقوع فلسطين تحت الاحتلال البريطاني.

في ذلك الوقت وقفت القيادة الصهيونية أمام مشكلة عويصة. انها مضطرة، من ضمن مساعيها مع الدول الأوروبية لتبني الوعد والبدء بإنشاء الكيان، إلى إعطاء تصور عن الحدود الجغرافية لهذا الكيان المنشود. وحتى تفعل ذلك كان عليها ان تعالج بعض العقبات. فمن الجهة الأولى كان هرتزل يتكلم دائماً عن الكيان بشكل مفتوح وعام ولا يحدده بالضبط. وهو ما حصل في قرارات المؤتمر الصهيوني الأول (بازل آب 1897) وما تلاه. ولم يكن هناك اتفاق، من الجهة الثانية، بين جميع الصهيونيين (القيادات والأحزاب والطروحات) على ماهية هذه الحدود. خلت الثوابت من رسم حاسم للحدود. ترك الأمر مطاطاً وعرضة للتفاسير والآراء المختلفة. وبينما كان الحلم بان يكون نهرا النيل والفرات هما الحدود يدغدغ مشاعر يهود كثيرين، كانت في المقابل تحفظات أوروبية مختلفة على هذا الكيان الموسع، الذي عنى انشاؤه بهذا الحجم تهويداً لمصالح القوى العظمى، وخاصة بريطانيا وفرنسا اللتين آزرتا المطالب الصهيونية اساساً في فلسطين لكنهما كانتا تفكران بمصالحهما هما اولاً ورأوا في المطالب الصهيونية تعزيزاً لمصالحهما، وليس العكس.

تحت ضغط هذه المؤثرات اكتفت المذكرات الرسمية الصهيونية التي قدمتها المنظمة إلى الدول المنتصرة، جماعة وفرادى، في مؤتمر فرساي (باريس 1919) وما بعده بما هو اقل "من النيل إلى الفرات". وتبنت المنظمة دراسة "لاهوتية" وضعها أحد الحاخامات ، ايزاكس، بتحديد فلسطين التوراتية. وقد اكتفت الدراسة بحدود تصل شمالاً إلى صيدا ومنابع الليطاني وفي الجنوب إلى سيناء. لكن فرنسا، ذات الأطماع التقليدية في لبنان والتي كانت قد اتفقت مع بريطانيا "في اتفاق سايكس بيكو الشهير ايار 1916) على ان يكون جنوب لبنان من نصيبها هي مع سائر المناطق اللبنانية، عملت على تقليص الحدود الشمالية. وانتهت اخيراً إلى وضع خارطة لفلسطين هي التي اعتدنا عليها ودخلت التاريخ المعاصر منذ 1922. واصبح النظر الدولي لأي كيان صهيوني محصوراً ضمن هذه الرقعة. وبالطبع وافق الصهيونيون على مضض.

والحقيقة ان منح اليهود جزءاً فقط من فلسطين لم يكن يتناقض مع المطلب الصهيوني المعلن. ان الوصية الخامسة تطالب بموطىء قدم في فلسطين، وتترك لصهيونيي كل فترة زمنية ان ينطلقوا إلى ما هو ابعد من ذلك، وان تصل سيطرتهم إلى ما هو ابعد من ذلك، إلى حيث تسمح إمكاناتهم (سواء عسكرياً او دورياً او اقتصادياً). لذلك كانت القيادة الصهيونية ترضى بهذه المشاريع، مؤقتاً والى حين تسنح فرص للخروج على الحدود التي أوصت بها تلك المشاريع.

رضي الصهيونيون، مثلاً، بقرارات الأمم المتحدة في نوفمبر 47. وبعد اقل من سنتين فقط كانوا قد أضافوا إلى الرقعة التي منحها لهم القرار مساحات واسعة من أراضى فلسطين التي منحها القرار للعرب! وفي 1956 اقنعوا حليفتيهم الكبيرتين بريطانيا وفرنسا على توسيع الرقعة في سيناء والاقتراب من قناة السويس واحتلال ما كان يسمى بقطاع غزة. وفي 1967 تمكنوا من تثبيت أقدامهم في فلسطين كلها، كل شبر فيها، وفي سيناء، وبعض الأراضي الأردنية في الجنوب الشرقي لفلسطين وبعض الأراضي السورية في الشمال الشرقي، ومن ضمنها هضبة الجولان وصولاً إلى القنيطرة. وفي 1973 وطدوا أقدامهم اكثر. وفي 1978 - 1982 اخضعوا إلى سيطرتهم جنوب لبنان وبقاعه الغربي. نعم. لا حدود ثابتة لاسرائيل. تتسع هذه الحدود ولا تتراجع ـ إنها حدود مرنة. ومن هنا كانت "اسرائيل" من دول العالم القليلة جداً التي ليس لها دستور حتى لا تتقيد برسم حدود الدولة. وهي، ايضاً، من دول العالم القليلة جداً التي تصر الا تعلن حدودها. وتلتف حول الموضوع بالحديث يوماً عن حدود سياسية ويوماً عن حدود أمنية ويوماً ثالثاً عن حدود تاريخية / توراتية ويوماً رابعاً عن حدود دولية، الخ…

يقودنا ذلك إلى الكلام عن "اسرائيل الكبرى"، وهو التعبير الشائع لاسرائيل التي تسعى ان تكون، انطلاقاً من "اسرائيل" الراهنة، ضمن الاراضي الفلسطينية. هنا ايضاً يجب الا نقع اسرى هذا المصطلح. فإسرائيل الكبرى ليست مشروعاً قائماً بحد ذاته ويطرح جمع معين من الصهيونيين (من اعتدنا على تسميتهم بالمتطرفين، او بالتوسعيين، او بالصقور). ان "اسرائيل الكبرى" امتداد لقاعدة، وهي بالتالي حلم كل صهيوني. نعم، لكل صهيوني، تتساوى "الحمام" مع الصقور، والمتدينون مع غير المتدينين والعلمانيين، والسفارديون مع الاشكنازيين، واليمينيون مع اليساريين، والبيض مع الشقر مع السود مع الصفر مع الحمر. "اسرائيل" جزء عضوي من "اسرائيل الكبرى". كلاهما خط سير واحد متعدد المراحل. لا فرق بين "اسرائيل" في بعض فلسطين و"اسرائيل" في كل فلسطين و"اسرائيل" في ما وراء فلسطين من اقطار جوار او حتى في ما وراء اقطار الجوار هذه. "اسرائيل الصغرى"، مجازاً، هي جزء لا يتجزأ من "اسرائيل الكبرى" حسب المفهوم الصهيوني الثابت، وما كان محصوراً في نصف فلسطين 1948 قد يتسع ليصل إلى كل ارجاء الوطن العربي، او على الاقل إلى اي جزء من الوطن العربي، اذا ومتى سنحت الفرصة للصهيونيين تحقيق ذلك.

والصيغة الحالية ، منذ تسعينيات هذا القرن التي حفلت بمتغيرات دولية خطيرة، "اسرائيل الكبرى" هي "اسرائيل العظمى". ذلك التوسع والامتداد ليسا بالضرورة عسكريين واحتلاليين. وقد يستعاض عنهما بهيمنة سياسية واقتصادية وثقافية ونفسية. بل ان هذه الهيمنة انفع لاسرائيل واسهل وآمن وارخص. انها تحقق اغراض الاحتلال دون ان تسدد ثمنه الباهظ. انها تستولي على مغانم الاحتلال وتترك لغيرها ان يسدد الثمن.

ولا يجوز لي ان اختم الكلام في التوسع الصهيوني كبندٍ ثابت من جملة الوصايا الصهيونية العشر دون ان اعرج على موضوع شرق الاردن بشكل خاص. فهو يقع في الدرجة الثالثة في سلم تهويد الوطن العربي. اي بعد الجزء من فلسطين ثم كل فلسطين. وهو بذلك يأتي قبل المراحل الاخرى، في لبنان او سوريا او مصر او غيرها.

هنا ايضاً لعبت الخلفيات والعوامل الدينية / العاطفية والتاريخية والجغرافية والعملية دوراً كبيراً في جعل شرق الاردن تلي فلسطين في ملف الاطماع الصهيونية.

لقد كان شرق الاردن في معظم الحقب التاريخية جزءاً من فلسطين، او على الاقل كان مع فلسطين جزءاً من حكم اوسع، سوري او عربي او اسلامي او تحت الاحتلال اجنبي. وكانت ضفتا النهر متكاملتين اقتصادياً وسياسياً وادارياً في معظم الاحوال الماضية. وكان التداخل بين بقاع في شرق النهر والى الغرب منه شديداً ومتواصلاً. حتى ان قدامى الرحالة، من عرب واجانب، قلما فصلوا بقعة عن اخرى. وكانت طرق المواصلات، وقوافل التجارة والحج والفتوحات والهجرة، تعبر النهر بين الضفتين وكأنه مجرى مائي داخل قطر واحد. حتى ان بلدة صغيرة مثل طبرية في شمال فلسطين الشرقي كثيراً ما كانت عاصمة او قاعدة لولاية الاردن.

واذا صحت الروايات التوراتية عن خروج العبرانيين من مصر ودخولهم فلسطين فان هذا النزوح تم عن طريق شرق الاردن. واستولى بعض اسباط العبرانيين على اراض شرقي الاردن. واستولى بعض اسباط العبرانيين على اراض شرقي النهر بينما استولت اسباط اخرى على اراض غربي النهر. وبالتالي. وحسب الروايات التوراتية، فان ضفتي الاردن هما "ارض الميعاد" بالنسبة الى اليهود. وارض الميعاد هي الذريعة التي توسل هرتزل احياء حلمها لكسب اليهود الى حركته الصهيونية الاستيطانية ولبناء الوطن القومي فيها.

الا ان الظروف الدولية والاطماع الاستعمارية لم تكن لتسمح بتوطين اليهود الى الشرق من نهر الاردن ولا الى ضم المنطقة الى الدولة الصهيونية العتيدة منذ وعد بلفور الى صك الانتداب الى قرارات التقسيم 1947 الى اليوم. ولذا جعل الصهيونيون موضوع الاردن مؤجلاً. وقد رأينا سابقاً ان القيادة الصهيونية تأخذ الظروف السياسية والدولية بالاعتبار وهي تبرمج مخططاتها التوسعية. وعلينا ان نتذكر، هنا، ان السلطات البريطانية في العشرينيات، التي كانت الراعي الاول للمصالح والمطالب الصهيونية، كانت اكثر من عمل على سلخ شرق الاردن من فلسطين في المباحثات الدولية 1919 - 1923 ثم في اقامة امارة مستقلة فيه (مستقلة عن فلسطين لا عن الانتداب، ومستقلة بالتالي عن برنامجها لتنفيذ وعد بلفور والتمهيد لإنشاء كيان صهيوني في فلسطين). وهي، اي السلطات البريطانية، التي منعت اليهود من شراء الاراضي في شرق الاردن واستيطان ما كانوا قد اشتروه فعلاً قبل ان تضطر الباعة (بعض شيوخ القبائل الاردنية) والمشترين (الوكالة اليهودية) الى فسخ الاتفاقات وإلغاء الصفقات. وكانت هذه السلطات هي نفسها، اخيراً، التي عملت على إلحاق "الشطر العربي" من فلسطين في مشروع التقسيم 1947 بشرق الاردن وإنشاء دولة واحدة باسم المملكة الاردنية الهاشمية، الامر الذي عنى قطع المجال امام الصهيونية لاحتلال هذا الشطر ثم بغزو شرق الاردن. وقد تحقق للإنكليز الهدف الثاني ومنع الصهيونيون من غزو الاردن. اما الهدف الاول فقد سقط في اقل من عشرين عاماً: احتل الصهيونيون بعض هذا الشطر العربي 1948-1949 ثم احتلوا ما تبقى (وقد سمي الضفة الغربية) في حرب 1967.

هذا كله لم يمنع الصهيونيين من مداعبة الحلم بتملك شرق الاردن في يوم من الايام. واذا كان الحلم مطلباً صهيونياً عاماً وثابتاً فان اكثر من اعلن عنه ودعا له صراحة كانت فرقة صهيونية واسعة الانتشار اعلنت في العشرينيات انسحابها من المنظمة الصهيونية العالمية. وسمت نفسها المنظمة الصهيونية الجديدة، وقد اطلقت على نفسها لقب التصحيحيين. واطلق باقي الصهيونيون عليها لقب التحريفيين. وظلت هه الحركة تنشط مدة عشرين سنة، الى ان انضمت اواسط الاربعينيات الى المنظمة الصهيونية العالمية، الأم، من جيد. بعد اقتراب الصهيونيين، على مختلف اتجاهاتهم، من تحقيق الهدف بإنشاء الدولة في فلسطين.

اعلن فلاديمير جابوتنسكي الذي اسس الجناح التصحيحي او التحريفي وقاده حتى وفاته، ان شرق الاردن جزء من المرحلة او الخطوة الاولى، ولا يؤجل احتلاله الى مرحلة لاحقة. اعتبره طرفاً من اطراف قاعدة الانطلاق، وليس بقعة من الامبراطورية الصهيونية اللاحقة. ولهذا كان شعاره يتكون من خارطة تضم فلسطين وشرق الاردن معاً، يتوسطهما سيف. وسنعود الى الحديث عن هذا الرجل وتنظيماته الارهابية في مقال لاحق. نكتفي هنا ان نشير الى ان المنظمة المنشقة كانت الطرح الذي انطلق منه حزب حيروت، الذي انبثق عنه في 1973 تكتل الليكود من خمسة احزاب الذي يتولى حكم "اسرائيل" اليوم. وكان جابوتنسكي الأب الروحي لمناحيم بيغن، الذي اورث الزعامة الى اسحق شامير، الذي خلفه بنيامين نتنياهو.