3 - الارتباط الدائم بقوة عظمى

حتى تتحقق الوصية الثالثة من الوصايا العشر لمؤتمر بازل 1897، بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، كان لا بد من تطبيق وصية رابعة، وهي الحصول على رعاية دولية لهذا المشروع وذاك الوطن الذي سيؤول المشروع الى إقامته.

سبق ان رأينا كيف حول هرتزل القلق اليهودي الى مسألة سياسية، وحول المسألة السياسية الى قضية دولية. وكانت الحركة الصهيونية هي الجسر الذي جرت فوقه هذه النقلة النوعية. ويعو ذلك الى شخصية هرتزل وطبيعة أسلوبه في التخطيط والتنفيذ، اي في التآمر. فقد كان الرجل متآمراً خبيثاً يعرف "من اين تؤكل الكتف"، كيف يحقق الغاية من الظرف الملائم ليحصل على افضل النتائج بأبخس التكاليف. ويخطىء من ينظر الى هرتزل كرجل مبادىء وعالم نظريات ومصلح اجتماعي ومفكر سياسي. صحيح انه امتلك بعض صفات المفكر والعالم، لكنه كان في الغالب داهية سياسياً، ثعلباً يراقب ويحسب ثم ينقضّ على الفريسة حينما تكون توقعات الظفر وإمكاناته اكبر من احتمالات الخسارة.

لم ينجح مع السلطان العثماني، اذن فليتحول الى من هم أقوى منه، ممن كانوا يتنافسون على إرث هذا السلطان ويخطط كل منهم لنيل النصيب الأكبر من هذا الإرث على حساب منافسه ـ وهكذا غلب على نشاط هرتزل السياسي، في السنوات الأخيرة من القرن الماضي والأولى من هذا القرن، اتصالاته المستمرة التي لا تتعب ولا تتوقف ولا تملّ ولا تهدأ مع معظم القوى الأوروبية العظمى آنذاك، من بريطانية وفرنسية وإيطالية وألمانية ونمساوية وروسية.

حاول هرتزل ان يروج لبضاعته في كل العواصم الأوروبية الكبرى, وان يبيعها لمن يدفع اكثر من غيره. ولم تكن البضاعة غير تحقيق الحلم الصهيوني بإنشاء وطن قومي، او دولة، لليهود في فلسطين، مقابل الالتزام لتلك العاصمة بتقديم الطاعة، اي بمنحها مركزاً مميزاً وقاعدة عمل واتصال دون الدول الأخرى ولمواجهة الدول الأخرى. كانت البضاعة المعروضة للتصدير واحدة (فلسطين) والثمن واحد (الولاء) اما المشتري فلم يكن واحداً بل رأى هرتزل في كل قوة عظمى إمكانية مشترٍ. ولذلك اتصل بها كلها، واحدة بعد الأخرى، وبالسر والكتمان، بالزيارات والمقابلات والرسائل والوساطات والرشوات والوعود. وربما كان هذا النشاط منقطع النظير، في اقل من ثماني سنوات، هو الذي أمكنه من التغلب على منافسيه او معارضيه في مؤتمر بازل ثم في المنظمة الصهيونية العالمية. ولم يكن انتصاره فردياً. بل كان فوزاً لخط وأسلوب سياسي معينين، ظلا ساريي المفعول مئة عام، اذ انهما شكلا جوهر الوصية الرابعة من التراث الصهيوني.

تجاوبت القيادات الصهيونية المتعاقبة مع هذه الوصية تجاوباً كاملاً انما على مراحل. وكانت المرحلة الأولى في عهد هرتزل نفسه، حينما كان يتصل بقادة الدول لعقد صفقته مع أحدهم. وقد سمى هرتزل الموافقة الأجنبية على مشروعه، التي كان يسعى اليها، "البراءة". وتحفل مذكراته وكتاباته بهذا المصطلح ـ وقد عنى به اعلاناً، صريحاً او سرياً، من دولة ما الى المنظمة الصهيونية العالمية بدعمها لإنشاء كيان يهودي في فلسطين بكل ما يتضمنه الدعم ويقتضيه من معان: سياسية ومالية وعسكرية، ويصبح الكيان اليهودي، بالمقابل رهناً لمخططات تلك الدولة واراداتها الاستعمارية وخاصة على صعيد التنافس الدولي المحتدم آنذاك في عدة مناطق أهمها وابرزها هذا الجزء من وطننا العربي الذي كان آنذاك تابعاً للسلطنة العثمانية ولو نظرياً والذي يطلق عليه اليوم اسم "الشرق الأوسط.

وقبل ان يموت هرتزل كان قد وصل الى قناعة ان بريطانيا هي اقرب تلك القوى لإصدار البراءة المنشودة، اي لعقد الاتفاق معه. وذلك للأسباب الاستعمارية التقليدية المعروفة التي لا مجال هنا للتوسع في الكلام عنها. ثم لما ورث حاييم وايزمن، أستاذ الكيمياء. زعامة المنظمة الصهيونية،ورث معها ايضاً من هرتزل هذا الاقتناع. وعمل من وحيه. وبعد عشر سنوات أثمرت جهوده فعلاً بصدور ما يسمى بوعد بلفور في الثاني من نوفمبر 1917. وقد نص، صراحة، على تعهد الحكومة البريطانية للمنظمة الصهيونية بالعمل على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين اذ تنظر الحكومة البريطانية "بعين العطف الى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وستبذل ما في وسعها لتسهيل تحقيق الهدف". متذكرين ان بريطانيا لم يكن لها، في ذلك التاريخ، حق تقرير مصير بلد لم تكن قد احتلته بعد وكان لا يزال يتبع إمبراطورية أخرى لم تكن قد سقطت نهائياً بعد. ومتذكرين ان يهود فلسطين كانوا حوالى سبعة في المئة فقط من سكان فلسطين. ومتذكرين، ايضاً وايضاً، ان بريطانيا كانت قبل اقل من سنتين قد تعهدت رسمياً بإعلان فلسطين جزءاً من الدولة العربية المشرقية العتيدة التي التزمت بإنشائها بعد الحرب العالمية (الأولى) اذ وقف العرب الى جانبها ضد الألمان والأتراك. وحتى يكون لوعد بلفور قيمته القانونية وامتداده الدولي، ضمّن كبند أساس في صك الانتداب البريطاني على فلسطين من قبل عصبة الأمم. اي ان الصهيونيين أعطوا البراءة التي نالوها من الحكومة البريطانية سقفاً دولياً في اقل من خمس سنوات على الحصول عليها من وزير الخارجية البريطاني. ومثلما توقع هرتزل من قبل، عزز وايزمن مركزه في الحركة الصهيونية وبين يهود العالم بحصوله على هذه المكاسب الدولية. وبذلك يكون وعد بلفور خدمة للصهيونية ضد غالبية اليهود وليست على حساب العرب فقط.

كان الانتداب البريطاني وفياً لالتزامه الصهيوني في كل المجالات في عهده الذي ناهز ربع القرن. فسمح للصهيونيين ان يسيروا في مخططهم ضد فلسطين وشعبها بحرية وأمان، وبارك مسيرتهم، وشجعها، وامّن لها الدعم وازال من طريق العقبات المحلية والدولية. وباختصار، لولا الدعم البريطاني لما استطاع الصهيونيون تحقيق الوصايا العشر التي التزموا بها وجعلوها ثوابت تحركهم وغايات نشاطهم. ملأوا فلسطين بمئات الآلاف من المهجرين اليهود. وانشأوا المستوطنات والمستعمرات والأحياء اليهودية وسيطروا على مساحات واسعة من الأراضي ازدادت مساحتها في ربع القرن خمسة أضعاف ما كانت عليه أيام الحكم العثماني. وأسسوا الشركات والمعاهد والإدارات لبناء المجتمع اليهودي وخدمة أفراده ولتكون أساس كيان الدولة العتيد. وحصنوا حركتهم ومواقعهم بقوة عسكرية إرهابية لعبت ولا تزال تلعب الدور الأكبر في بقاء "اسرائيل" وحمايتها.

انتقل الارتباط الصهيوني ـ الاستعماري الدولي من مرحلة الى أخرى في أعقاب نشوب الحرب العالمية الثانية، وكرد فعل للحقائق التي كشفت عنها تلك الحرب، ثم أكدتها نتائجها بعد إخماد نيرانها، واهمها، على الصعيد الدولي، الإيذان بتقلص نظام الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية بعد اكثر من خمسمائة سنة من غلبته على العلاقات الدولية، ومن ضمن هذا التقلص انحسار الإمبراطوريات البريطانية وارتداد النفوذ والتخلي عن الدور الرئيسي في تحديد معالم عالم ما بعد الحرب. وبكلام أوضح وادق، لم تعد بريطانيا، بعد ان كاد هتلر يقضي عليها (لولا المساعدة الأمريكية لها) القوة الفاعلة الأولى. وبالتالي لم يعد للصهيونيين نفع كبير في البقاء في حضنها والولاء لإرادتها.

بدأت غيوم الشكوك والتذمر والقلق تخيم على "العلاقات الزوجية" بين البريطانيين والصهيونيين أواخر الثلاثينيات. ورأى الصهيونيون في تجميد بريطانيا لبعض نواحي دعمها للصهيونيين (القائمة منذ عقدين) خيانة للوعود. وزاد التفسير البريطاني لهذا التجميد من خوف الصهيونيين. وهو ان بريطانيا مضطرة، في مواجهة قوى المحور، ان تهادن العالمين العربي والإسلامي بعض الشيء وبعض الوقت لعلها تتمكن من جذب العرب والمسلمين الى صفها، او على الأقل تحييد موقفهم، سياسياً وعاطفياً وعسكرياً.

وفي المقابل كانت هناك الولايات المتحدة، التي شاركت في أحداث الحرب العالمية الأولى وفي عالم ما بعد تلك الحرب، عموماً، وفي ما يتعلق بوعد بلفور وصك الانتداب خصوصا، بالكثير من الخجل والتردد والممانعة المكتونة، ولكنها دخلت عالم الحرب الثانية وما بعدها بكل قوة وشهوة، وفرضت نفسها وصية على رقعة واسعة من عالم ما بعد الحرب في وجه الكتلة السوفياتية ودول الحياد وعدم الانحياز في العالم الثالث.

وهكذا تحركت بوصلة الاهتمام الصهيوني من الاتجاه نحو لندن غرباً الى الاتجاه نحو واشنطن. فنشط الصهيونيون داخل الولايات المتحدة في الدعوة لمطالبهم البعيدة الأمد (إنشاء الدولة) والقصيرة الأمد (تهجير مئات الآلاف من يهود أوروبا الى فلسطين) مدعومة باستعطاء الأموال والسلاح والتأييد الدولي. وتحول بالتالي قسم من كبار اليهود الأمريكيين الفاعلين سياسياً او اقتصادياً او اعلامياً من معارضين او لا مبالين او مؤيدين بتحفظ للصهيونية الى دعاة نشيطين وأقوياء يضغطون باستمرار على الحكومات الأمريكية المتعاقبة، بحزبيها الرئيسيين، وعلى الجماهير وقنوات التأثير. وبواسطتهم، ومن خلال رد الفعل الأمريكي الرسمي والشعبي لهذا النشاط والضغط وعمليات غسل الدماغ الذكية والخبيثة، وجد الصهيونيون في الأمريكيين حليفاً اخلص وسنداً أقوى، منذ الأربعينات، مما كانوا قد وجدوا في البريطانيين في العقود السابقة الأربعة.

واذا كان وعد بلفور، في نوفمبر 1917، هو رمز التحالف الشيطاني بين الصهيونية والاستعمار البريطاني، فان مقررات بلتمور، في ايار 1942 (اي بعد 25 سنة) رمزت بدورها الى تحالف شيطاني آخر، صهيوني أمريكي إمبريالي. وبلتمور فندق كبير في مدينة نيويورك عقد فيه زعماء الحركة الصهيونية (وقد ضموا عدداً من اليهود الأمريكيين المعروفين) اجتماعاً استثنائياً أعلنوا فيه صراحة وبوضوح ان مطلبهم الصهيوني انما هو إنشاء دولة يهودية في فلسطين ذات سيادة كاملة. وبالطبع ما كانوا يتجرأون على إعلان ذلك لولا الضوء الأمريكي الرسمي الأخضر. وعلى القارىء ان ينتبه الى المصطلح الوارد في القرار: دولة يهودية. فقد كان الصهيونيون الذين بدأوا في أواخر القرن التاسع عشر يطالبون بمأوى او كيان لليهود في فلسطين، اصبحوا 1942 يدعون الى دولة يهودية ذات سيادة، اي يهودية الطابع والجوهر والسكان والنظام، وليس مجرد دولة يقيم فيها يهود مع غير يهود.

واليوم، وبعد بلتمور بخمس وخمسين سنة، لا تزال "البراءة" الأمريكية هي العنصر الأقوى والابرز في حفظ الكيان الصهيوني وحمايته ودعمه. ومظاهر التعبير عن هذا الارتباط الجهنمي كثيرة ومختلفة الأشكال والمواقع والنتائج. فمن الجهة الأمريكية نرى الحكومة الأمريكية تسارع الى الاعتراف "بإسرائيل" بعد دقائق من إعلان مولدها الاغتصابي. وتدعمها مالياً فتتصرف معها كالقاصر وتضعها على نفقتها الخاصة، قروضاً وهبات وتبرعات، رسمية وشعبية، يهودية ومسيحية. وتدعمها بالسلاح الجديد والمتطور. وتتيح لها ان تبقى لها الغلبة على الأقطار العربية مجتمعة. وتدعمها سياسياً. فتتجند للدفاع عنها في المحافل الدولية وفي المجالات السياسية والقانونية وتبرر أخطاءها واعتداءاتها. وتدعمها اعلامياً فتمكن الزعم والاختلاق الصهيونيين ان يصلا الى عيون الرأي العام العالمي وأذهانه وضمائره وعقوله. وباختصار فان الولايات المتحدة هي الأم والأب الراعيين لكل مطلب من الابن الإسرائيلي. وفي المقابل، تتحول "اسرائيل" ، ارضاً وبحراً وجواً، الى قاعدة حربية وسياسية متقدمة للاستراتيجية الأمريكية، ويتحول مجتمعها الى صورة مصغرة بتصرفاته وسلوكه عن المجتمع الأمريكي، كما يتحول الوجود الإسرائيلي كله الى أداة تمكن الأمريكيين من فرض سيطرتهم على أجزاء واسعة من الوطن العربي والعالم الثالث.

يخطئ من يتصور "اسرائيل"، او يصورها، ولاية من الولايات المتحدة، لشدة الارتباط بين المركز والفرع. "اسرائيل" اكثر من مجرد ولاية، سواء في تقبل المساعدة والدعم او في تقديم الخدمات والطاعة. ان بين "البلدين" من ديناميكية الصلات وتأثيرها ما ليس بين اية ولاية والمركز في أمريكا نفسها. ويكفي ان نختم الحديث بالقول ان "اسرائيل" بدون الولايات المتحدة لا تكون ولا تبقى بالمطلق، او في اضعف الحالات لا تكون ولا تبقى على ما هي عليه، لا من حيث القوة ولا التسلط ولا الرهبة ولا العدوانية. وقد كان آباء الحركة الصهيونية حكماء حينما جعلوا تحقيق غاياتهم مرتبطاً عضوياً بحماية دولة كبرى، وذلك من صلب وصاياهم العشر. وفي ضوء هذه الوصية حرص الصهيونيون على مدى قرن كامل من الزمان ان لا يتحركوا خطوة عملية واحدة الا بعد التأكد من وجود تلك الحماية والاطمئنان الى صدقيتها.

وفي ضوء هذه الحماية، ايضاً، تصرف الصهيونيون في محاولاتهم لتنفيذ الوصية الخامسة ـ التوسع.