2 - تهجير يهود العالم الى فلسطين
اليهودية قومية شعب مختار مميز وممتاز، هوية فوقية دونها الهويات الأخرى في العالم كله. هذه هي الوصية الصهيونية الأولى والعظمى. وتليها الوصية الثانية، وهي ان الهدف الأسمى للصهيونية هو في تخليص اليهود من الوضع السيء الذي يعيشونه في ما يسمى بالشتات (وما يتخلله من حملات اضطهاد ومذابح وفقر وحرمان واحتقار وذل)، عن طريق تهجيرهم من حيث يقيمون غير مرحب بهم الى مكان آمن يستعيدون فيه كرامتهم وحريتهم وحقوقهم. ونود ان نلفت نظر القارىء هنا الى ان ما سيتكرر في هذا البحث من حديث عن اضطهاد أوروبا لليهود، وهو أمر حصل بلا شك، لا يحمل أوروبا المسؤولية وحدها ولا ينفي مسؤولية اليهود أنفسهم الذين كانت عزلتهم وتعاليهم أحد أسباب احتدام السخط عليهم ثم اضطهادهم.
دعت الإرهاصات الصهيونية الأولى، خيرية الطابع، الى هجرة اليهود من أوروبا الشرقية، حيث كان الحرمان والاضطهاد يبلغان مداهما الأقصى. وعملت على تحقيق ذلك بوسائل شتى، معظمها بسيط ومتقطع. وكانت كلما نجحت في جمع مبلغ كاف من المال (معظمه من جيوب يهود مندمجين، واهل إحسان)، بواسطة صناديقها وجمعياتها المنتشرة والنشطة، أمنت لأعداد من الأسر اليهودية ان تسافر الى حيث أمكن إيجاد مأوى لهم، وخاصة في فلسطين. وكانت فلسطين يومها جزءاً من ممتلكات السلطنة العثمانية. وكان يقيم فيها عدد محدود جداً من يهود البلاد، يكاد لا يحسب حسابهم بالنسبة الى الأغلبية الساحقة من العرب (بلغ عدد اليهود في العام 1880 اثنين وعشرين الفاً مقابل أربع مئة ألف عربي). ولان المهاجرين اليهود كانوا في أعداد قليلة، ووفدوا على البلاد في جماعات متفرقة، وامكن ضم بعضهم الى بعض العائلات اليهودية الفلسطينية، لم يكن من الصعب على تلك المؤسسات الخيرية ان تشتري لليهود الوافدين مساحات محدودة من ارض فلسطين للإقامة فيها. ذلك ان قوانين السلطنة كانت، حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي (وقد شهدت تلك الثمانينات موجتين كبيرتين نسبياً من الهجرة) كانت تمنع الهجرات الجماعية العنصرية الكبرى وتتساهل أمام هجرة الأفراد، خاصة ان معظمهم دخلوا كمتسللين. حتى ان عملية الهجرة هذه، ما قبل مؤتمر بازل 1897، كانت تسمى عمليات التسلل، وكان هرتزل حينما ينتقد "أحباء صهيون" على تشجيع هذه العمليات يعلن ان التسلل لا يليق "بعودة" اليهود الى فلسطين. وكان التسلل أحد موضوعات الخلاف بين هرتزل وماكس نوردو، أحد كبار صهيونيي أواخر القرن الماضي من الناحيتين الفكرية النظرية والسياسية القيادية.
رأى هرتزل، قبيل إنشاء المنظمة الصهيونية العالمية وفي سنواتها الأولى، ان يحول حركة التسلل اليهودي الى فلسطين الى حركة هجرة جماعية، علنية، رسمية، معترف بها، وفي أطر نظامية وذات آليات عملية. ولذلك اتصل بالسلطان العثماني، عبدالحميد، عدة مرات، عبر بعض كبار رجالات الدولة العثمانيين وبعض أصدقائها ومستشاريها ومموليها من اليهود الأوروبيين. وحاول، من خلالهم، ان يقنع السلطان بالسماح لليهود بشراء اراضٍ واسعة في فلسطين، واستقدام يهود مهاجرين اليها، واقامتهم فيها، مقابل أموال طائلة تسدد ديونه وتلغي عجز الدولة، على ان تكون هذه الأموال مبالغ نقدية او مساعي مع بيوت المال الكبرى في أوروبا، ومعظمها يقع تحت السيطرة اليهودية.
لكن محاولات هرتزل باءت بالفشل. وانتهى القرن دون ان يأذن السلطان بالهجرة الجماعية وانتقال ملكية الأراضي الفلسطينية الى اليهود. وذلك لأسباب متعددة تتناقض الآراء والتفسيرات حولها وليس هنا مكان التوسع فيها. وعندها اخذ هرتزل ينحو بالحركة الصهيونية منحى سياسياً، في مواجهة المنحى العملي الخيري لنظيره ماكس نوردو وجماعة أحباء صهيون. وسنتطرق الى هذا المنحى السياسي في مقال لاحق حينما نعالج مسألة ارتباط الصهيونية بإرادات القوى الأجنبية العظمى.
نكتفي هنا، في الكلام عن الوصية الثانية للصهيونية بضرورة تهجير اليهود الى فلسطين، يهود العالم او اكبر شريحة منهم وحينما تسمح الظروف ومهما كانت الأثمان والعواقب، نكتفي بان نشير الى ان الهجرة ظلت قاعدة أساسية للنشاط الصهيوني طيلة قرن من الزمان، واذا كانت قد بدأت بهجرات العقد التاسع من القرن التاسع عشر (وقد سميت بالعالية الأولى والثانية، وتعني العالية الصعود الى أعلى، اي الهجرة الى جبل صهيون وهو رمز الهجرة الى فلسطين) فان قوافل الهجرة تتوالى على طول التاريخ الحديث لفلسطين في القرن العشرين.
اتخذت عمليات تهجير اليهود الى فلسطين اشكالاً واحجاماً ونوعيات مختلفة. وكانت تجري على مراحل يرتبط كل منها بظرف زمني معين وأوضاع يهودية او دولية محددة. وقد نشطت هذه العمليات الى حد أنها ضاعفت سكان فلسطين من اليهود الى اكثر من مئة وخمسين ضعفاً في اقل من مئة سنة. واذا آخذنا بعين الاعتبار ان اليهود ليسوا من الجماعات البشرية التي عرفت بتحقيق نسبة عالية من التوالد، يتضح لنا ان زيادة عدد يهود فلسطين بهذا المقدار، وجله عن طريق الهجرة، يكون من أعلى النسب في دول العالم المعاصرة.
استغل الصهيونيون تسامح سلطات الانتداب البريطاني على فلسطين منذ احتلالها 1918 حتى 1948 مع الصهيونيين عموماً ومع مسألة الهجرة اليهودية خصوصاً، تنفيذاً للسياسة الرسمية العليا التي انطلقت من وعد بلفور 1917 بمنح اليهود وطناً قومياً في فلسطين. فهجرت مؤسساتهم ومنظماتهم المعنية بالمسألة اعداداً كبيرة من يهود العالم وخاصة من شرقي أوروبا وأواسطها. وقد اعتادت الوثائق الرسمية على تقسيم هؤلاء الى نوعين: المهاجرون "الشرعيون" والمهاجرون غير الشرعيين. والفرق بين النوعين (وكلاهما غير شرعي من زاوية نظرنا الفلسطينية العربية الوطنية والقومية) ان الأوائل خضعوا لأنظمة الهجرة الرسمية وما كانت تنص عليه من حصص محددة سنوياً. اما "غير الشرعيين" فهم الذين وصلوا فلسطين خارج إطار تلك الحصص، سواء بالسر عن سلطات الانتداب او تحت سمعها وبصرها. وكان نظام الحصص يخضع لموازين وحسابات السلطة البريطانية مع العرب من جهة ومع المنظمة الصهيونية العالمية (وحليفها الأمريكي في الأربعينات) من جهة أخرى.
وكانت معاملة النازيين القاسية للجاليات اليهودية في ألمانيا وفي الدول التي احتلها الألمان او تحالفوا معها ذريعة لمضاعفة أعداد المهاجرين اليهود "الشرعيين" وغير الشرعيين (حسب التعبير الرسمي آنذاك:) على حد سواء. فتدفق الألوف من يهود أوروبا الشرقية, براً وبحراً وجواً، مباشرة او عن طريق غير مباشر, في ما بين أواسط الثلاثينات الى انتهاء الانتداب 1948. وكانت وقاحة الصهيونيين في زيادة المهاجرين غير الشرعيين، وفي تحدث أنظمة الانتداب، وفي الضغط عليها محلياً ودولياً وتحريض الأمريكيين بشكل خاص، وإثارة عطف الرأي العام العالمي المتأثر بالدعاية الصهيونية من المذابح النازية, كانت ذلك كله عامل ضغط قوي مارسه الصهيونيون في الأربعينات, ودعموه بسلسلة من العمليات الإرهابية ضد الوجود البريطاني في فلسطين عسكرياً ومدنياً راح ضحيتها العديد من الضباط والجنود ورجال الشرطة والقضاة والمواطنين والإداريين البريطانيين. واضطرت الحكومة البريطانية آخر الأمر ان تنصاع لعمليات الضغط والإبتزاز وتفتح أبواب فلسطين واسعة أمام المهاجرين الأوروبيين.
وجنباً الى جنب قام الصهيونيون بتهجير القسم الأكبر من الجاليات اليهودية في الوطن العربي، وخاصة من العراق واليمن وسوريا ولبنان ومصر والمغرب، وذلك في السنين الأخيرة من الأربعينات. واستخدموا لهذا الغرض وسائل إرهابية ضد اليهود أنفسهم لبعث الخوف والرعب وحملهم على الهجرة الى الكيان الذي أعلنوا قيامه أواسط مايو 1948. وبعد سنوات قام الصهيونيون بتهجير اقليات يهودية من أنحاء مختلفة من العالم، أبرزها يهود الحبشة، الفالاشا. الا ان الموجة العظمى من المهجرين الى فلسطين كانت من يهود الاتحاد السوفياتي وبعض حلفائه خلال الحرب الباردة ثم من روسيا ودول أخرى من الاتحاد السوفياتي سابقاً. وبالرغم من تذمر الكثيرين من المهجرين الجدد الى "اسرائيل" من الحياة الجديدة القاسية غير العادلة ولا الآمنة، ومن نشاط هجرة معاكسة الى خارج "اسرائيل" كانت تفوق في بعض الفترات الهجرات اليها، ظل الصهيونيون حتى اليوم حريصين على الحفاظ على ورقة الهجرة في تعاملهم مع الدول وفي برامجهم ومخططاتهم الداخلية وموازناتهم العامة. وظلت لموضوع الهجرة أولويته، تنفيذاً لوصية صهيونية مقدسة لا تهاون في تحقيقها ولا تخاذل. وليست مسألة استيطان جبل أبو غنيم التي أثيرت مؤخراً الا صفحة جديدة من كتاب توطين اليهود في فلسطين. واكيد انها لن تكون الصفحة الأخيرة. وهي لا تعدو ان تكون حلقة من سلسلة طويلة من حلقات الهجرة والاستيطان التي تتم تحت شعار "العودة" ولمّ الشتات. وستظل الحلقات تتوالى - هنا او هناك من ارض فلسطين، ما دام صهيونيو اليوم والغد أوفياء للقاعدة الذهبية التي أتطلقنا عليها اسم الوصية الثانية.
تنبثق الوصية الثالثة عن الوصيتين السابقتين. فما دام اليهود أمة مميزة وممتازة. وما دام حالها في "الشتات" مرفوضاً ولا يعالج الا بالهجرة، فان ذلك يفترض، ويتوجب، إنشاء وطن قومي لليهود في مكان ما من العالم، بحيث يلتقون في ظله تحت سقفه، ويقيمون بأمن وسلام.
لقد حلم هرتزل بفلسطين موقعاً لهذا الوطن القومي. لكنه كان عملياً وبرغماتياً. لم يكن يطالب بفلسطين بقدر ما كان يطالب بوطن قومي في مكان ما، في فلسطين اذا أمكن، او في غير فلسطين اذا تعذر ذلك. من هنا أطلق على حركته لقب الصهيونية السياسية، اي الصهيونية المرنة والمرحلية والمتطورة والواقعية. حاول الحصول على ارض فلسطين بالشراء والدهاء، وبالرشوة والحيلة. وفشل. فسمح بالتداول بإمكان تأسيس هذا الوطن القومي في اي مكان من العالم، شرط ان تتوافر فيه الشروط العملية - واولها سماح القوى العظمى بذلك. ففكر هو، وفكر زملاء معاصرون له من آباء الحركة الصهيونية، بقبرص وسيناء. وفكروا بصحراء ليبيا الشرقية. وفكروا بأواسط أفريقيا وشرقها. بل ان بعضهم وصل خياله الى الأرجنتين، لما عرف فيها من رخاء واتساع ووفرة بالماء والمواشي والحقول والغابات والمعادن. ووجد كل موقع من هذه المواقع من يحبذ إنشاء الوطن القومي اليهودي فيه، ووجد ايضاً من يعارض. وكانت الغلبة في نهاية تلك الفترة الحركة التي امتدت حوالى عشر سنوات في أعقاب مؤتمر بازل لدعاة حصر الوطن القومي في فلسطين. اي العودة الى النص الحرفي لبرنامج بازل "تستهدف الصهيونية إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين تحت حماية القانون العام".
فلسطين, اولاً، اقرب الى الخيال الصهيوني والتراث اليهودي، باعتبارها الأرض التي وعد الله بها بني اسرائيل قبل حوالى أربعين قرناً كما يزعمون. وبالتالي ان الهجرة اليها "عودة" في المفاهيم الدينية وتحقيقاً لارادة الله. ثم ان الأوساط المتدينة بين اليهود (وخاصة يهود الحارات، غير المندمجين، ومعظمهم في أوروبا الشرقية) ما كانوا يرتاحون للإتجاهات العلمانية عند بعض القيادات الصهيونية من أواسط أوروبا وغربها. وكان على تلك القيادات ان تكسب ود المتدينين الأصوليين، وهم عماد الهجرة ووقودها البشري المنتظر، باستمالة رضاهم عن طريق دغدغة عواطفهم الدينية. وفلسطين، ثانياً، هي ارض الخيرات والبركات، ارض اللبن والعسل ومجرى الأنهار وتفجر الينابيع وهي، ثالثاً، في موقع جغرافي مميز، موقع القلب في الوطن العربي وشريان المواصلات الرئيسي بين الإمبراطوريات ومستعمراتها. وهذا يعني ان من يستولي عليها يسيطر على نواحٍ متعددة في بناء الإمبراطوريات، ويستطع ان يساوم بفضلها مع قوى العالم العظمى، كما يستطيع ان يبني لنفسه مقعداً يحسب حسابه في حلبة الصراع الدولي. وفلسطين، رابعاً، جزء من إمبراطورية مريضة تحتضر في آخر أيامها ولا بد ان تتفتت وتسقط رقاعها بأيدي بعض الدول العظمى وخاصة بريطانيا التي كانت هي القوة العظمى الأقرب الى الحلم الصهيوني في الأربعين سنة التي تلت مؤتمر بازل. وفلسطين، اخيراً، ارض شاسعة بالرغم من مساحتها الصغيرة نسبياً. وبإمكان الصهيونيين تهجير عدة ملايين من البشر اليها. وهذا الرقم هو الحد الأعلى لليهود الذين كان هرتزل ورفاقه يأملون ان يهاجروا الى الوطن القومي - الحلم حينما يتحقق، بل انهم غالوا في التفاؤل بقدرة فلسطين على استيعاب يهود العالم. وحتى يقنعوا القوى العظمى بصوابية مشروعهم وإمكان تحقيقه أطلقوا كذبتهم الشهيرة بان فلسطين تخلو من السكان. وهي أكذوبة كانت أساس المقولة التي أطلقها الصهيونيون قبل مئة سنة ولا يزال بعض السذج والجهلة يرددونها الى اليوم: ارض بلا شعب توهب الى شعب بلا ارض. فلا كانت فلسطين بلا أهل يملكون كل شبر فيها, ولا كان يهود العالم يهيمون على وجودهم بلا مأوى. لقد اخترعت الصهيونية ضرورة إيجاد المأوى قبل ان يكون اليهود بالفعل بلا مأوى. وكان التيه اليهودي الحديث نتيجة للمؤامرة الصهيونية الاستيطانية باحتلال فلسطين بقدر ما كان سبباً لها.
كرنا آنفاً ان هرتزل لم يكن يسعى نحو مأوى خيري بل كان يريد دولة. صحيح انه رضي باي مكان لإنشاء الدولة حينما رفض السلطان عبدالحميد اغراءاته وتوسلاته. لكنه كان يدرك ان فلسطين تظل هي المكان الأنسب. الا ان المحك الأساسي في تقرير المكان تركه هرتزل لنتائج الاتصالات الدولية التي كان يجريها (ثم أجراها خلفاؤه من بعد وفاته 1905) مع القوى العظمى للحصول على موافقتها، او موافقة بعضها او إحداها على الأقل. كان هرتزل مهووساً بمسألة "القانون العام" الذي يضمن به "الميثاق الدولي" لشرعية استيلائه على فلسطين. وهما من التعابير التي رددها بغزارة في مذكراته ومراسلاته وكتاباته عموماً. أراد سقفاً دولياً يستظل مشروعه به. وكان هذا السقف بنظره، أهم من موقع البلد الذي سيقيم عليه كيانه اليهودي، او من مساحته او خصوصيته او طبيعته. ولا ننسى ان صهيونيته او طبيعته. ولا ننسى ان صهيونيته كانت عملية ولم تكن مجرد بحث عن مأوى ليهود محرومين يقدم لهم الخدمات الاجتماعية والمعيشية على سبيل الإحسان وعمل الخير والمعروف.