1 - اليهودية قومية وليست مجرد ديانة

قبل حوالى ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة، وفي رحلة خروج القبائل العبرانية من مصر وتوجهها نحو شرق الأردن ثم فلسطين عبر شبه جزيرة سيناء، حسب ما ورد من روايات في بعض الكتب الدينية، صعد النبي موسى الى طور سيناء ليظهر الله له ويختلي به أربعين يوماً ثم يأمره بان بان ينقل الى شعبه التائه في الصحراء وصاياه، من أوامر وتعليمات. ويضيف النص التوراتي ان الله كتب هذه الوصايا، المعروفة بالوصايا العشر، باللغة العبرية القديمة على لوحين من حجر، ومع ان خروج العبرانيين على الإيمان بالله وعودتهم الى عبادة العجل أزعج موسى أحرجه واخرجه من رزانته فغضب وثار وكسر لوحي الحجر، صعد الى الجبل ثانية ليحمل لوحين جديدين كتب الله عليهما وصاياه العشر مرة أخري.

ومهما يكن من أمر هذه الرواية وصحتها، تبقى الوصايا تجسيداً محدداً للقوانين الخلقية التي يعتبرها اليهود تعليمات إلهية مقدسة تحدد إيمانهم وتصرفاتهم ومنظومة عقائدهم السماوية والأرضية. هذا مع الإشارة الى ان معظم هذه الوصايا إنما ورد ويرد بصيغ مختلفة في التعاليم السماوية التي يؤمن بها ويتبعها المؤمنون بالأديان الكبرى، من هندوسية وبوذية ومسيحية واسلامية. والفرق بين الوصايا العشر وبين الأسس والقواعد التي قامت الأديان الأخرى عليها (الحث على بعضها والتحذير من بعضها الآخر) ان أتباع هذه الوصايا العشر، أي اليهود حسب المفهوم المعاصر، يعتبرونها عهداً خاصاً، أو ميثاقاً مميزاً، من الله (إلههم هم، يهوه) لهم وحدهم من دون سائر البشر، بينما يرى أبناء الديانات الأخرى في مثل هذه التعاليم إرشادات إلهية تعم البشرية جمعاء، وليس من فضل لإنسان على آخر إلا من حيث التمسك بها والوفاء لها. أي ان اليهود صبغوا الوصايا العشر بلون استئثاري ضيق وأناني خاص بهم وحدهم، بينما انفتحت الديانات الأخرى ، "لاهوتياً" وفكرياً وممارسة، على العالم بأسره، بمختلف شعوبه وحضاراته وعقائد الأرضية والسماوية.

المهم في أمر الوصايا العشر هذه انها لم تخرج عن حيز التطبيق العبراني فتغنى اليهود بها واستخدموها تمايزاً وامتيازاً على غيرهم من أهل الأرض. ولكنها بقيت في الواقع حفراً على حجر أشبه بالحبر على الورق في لغة هذا الزمان. عصاها العبرانيون بعد أيام، وربما ساعات فقط، من هبوطها عليهم، واستبدلوها بعجل صنعوه من ذهب، ولعله كان من بعض الذهب الذي تقول التوراة ان العبرانيين سرقوه من المصريين قبل الهرب. وكأن حب الذهب الذي وصم اليهود به على تعاقب القرون وجد أساسه منذ ذلك الوقت في سيناء، وهم في أبأس الحالات: قبائل مطرودة تلاحقها لعنة الفراعنة وتبحث عن مأوى يقبل بها.

هذا هو مصير الوصايا السماوية. لكن الآخر يختلف نوعياً وحجماً عن وصايا عشر أخري وضعها بعد حوالي خمسة وثلاثين قرناً نفر من اليهود في شكل برنامج لحركة سياسية سموها الحركة الصهيونية، والحقوا البرنامج بآلية للتنفيذ التفصيلي. وفي حين عصى عبرانيو موسى وصايا الله خضع صهيونيو الزمن المعاصر (في مائة السنة الأخيرة) وصايا قادتهم الذين يطلق عليهم لقب آباء الحركة الصهيونية. ونجحوا في إلزام الحركة الصهيونية، بقياداتها وعناصرها وإجراءاتها ومنطلقاتها وممارساتها، بها إلزاما حرفياً راسخاً لا تقدر الأيام على زعزعته أو الخروج عنه مهما كانت الظروف.

فما هي هذه الوصايا الصهيونية السياسية التي زعمت استلهامها الوصايا الدينية، والتي ينتهي قرن كامل في آخر هذا الشهر على صياغتها ومأسستها، والتي احتفل الصهيونيون مؤخراً بمرور تسعة واربعين عاماً على بلوغها هدفاً رئيساً اولاً في مراحل تطورها وبقائها؟ حتى اصبحت "اسرائيل" التعبير الأقوى على الوفاء الصهيوني للوصايا المذكورة.

سنحاول، في هذه الدراسة، ان نستعرض هذه الوصايا ونعرف بها، مع التنبيه الى الفصل الكامل بينها وبين وصايا الله العشر التي تروي التوراة قصة موسى والعبرانيين معها. وقد استخدمنا المصطلح الديني التقليدي القديم على البرنامج السياسي الحديث استخداماً رمزياً دون ان نقصد ربطاً معيناً بين التعاليم الدينية السماوية القديمة والمخططات الدنيوية البشرية المعاصرة.

اتصفت أوروبا القرن التاسع عشر بملامح عامة تتشابك وتتقاطع أحياناً ويؤدي بعضها الى بعضها أحياناً أخري وتتوازى ولا تلتقي في بعض الأحيان.

كان القرن التاسع عشر، اولاً، قرن انبعاث القوميات، فكراً نظرياً واتحادات سياسية. وتحددت معالم بقاع كثيرة، كانت من قبل تندمج مع غيرها أو تتفتت في داخلها، على أسس قومية ارتكزت على جذور تاريخية أو عرقية أو لغوية أو ثقافية أو حتى مصلحية ظرفية. واطلق هذا الانبعاث ثورات قومية وحروباً انتهت بقيام دول قومية كبيرة (كألمانيا وإيطاليا). وترافق مع الانبعاث المذكور حس "انكماشي" لا يفرق بين دولة/أمة وأخرى قط بل ينظر ايضاً بقلق وانزعاج الى اقليات (قومية أو عرقية أو دينية أو طائفية) كانت تقيم وسط الدولة/الأمة الواحدة. وكثيراً ما كان القلق يؤدي الى اضطهاد وظلم. ولذلك انتقلت المشاعر القومية، الانعزالية تجاه الغير والتوحيدية تجاه العناصر المشتركة، الى بعض تلك الاقليات المضطهدة (بفتح الهاء) وأخذت تبادل مضطهديها بالشعور السلبي نفسه. ونما عند بعضها حس أو إيمان قومي كان أحياناً مبرراً ومعقولاً ومقبولاً ومدعوماً بمنطق التاريخ والعقل الراهن، بينما كان أحياناً أخري اعتباطياً وعشوائياً يفتقر الى الحجة والدليل، وكان مجرد رد فعل سلبي لظروف الاضطهاد القومي والوطني.

وكان القرن التاسع عشر، ثانياً ، قرن النهضة الصناعية في أنحاء واسعة في القارة الأوروبية، وقد قفزت هذه النهضة بشعوبها قفزات واسعة نحو حال متقدم من الإنجاز الحضاري. نما الفكر والعلم والثقافة والفن. ونشطت الاختراعات والاكتشافات. وانتشرت المعاهد والشركات والبيوت المالية والمؤسسات السياسية. وذاق المحظوظون من أبناء ذلك القرن حلاوة الازدهار، وخاصة العلمي والتربوي والاقتصادي والعمراني، ما لم يذقه أبناء قرن واحد من قبل. لكن هذا التنعم اقتصر على جماعات وحرمت منه جماعات. وكان من بين المحرومين، داخل أوروبا، اقليات طبقات استخدمها رأس المال الوطني واستغلها استغلالاً بشعاً ولم يشركها في المغانم.

فازداد وضعها سوءاً بقدر ما ازداد وضع الرأسمالية والبرجوازية الوطنية تحسناً ورقياً.

وجنباً الى جنب الثورة الصناعية الكبرى اشتد ساعد الاستعمار الأوروبي لقطاعات واسعة من أفريقيا وآسيا. وامتدت الإمبراطوريات (وكان بعضها قد ولد قبل قرون قليلة) الى أنحاء لم تصل إليها من قبل. واستدعى ذلك استعمار المزيد من الأراضي لتأمين طرق المواصلات (العسكرية والتجارية) وربط شرايين الإمبراطورية ووصلها لمصلحة البلد الأم. وقد تحول هذا البحث عن مواقع ومراكز جديدة الى تنافس حاد بين دول الاستعمار، بلغ حد الحروب الثنائية أو الجماعية. كما تحول الى تنافس آخر على كسب ود بعض سكان هذه المواقع الجديدة لتكون عوناً لهذه القوة الاستعمارية ضد تلك. وكانت بريطانيا هي الأسرع في تلك اللعبة الدولية. فاستولت على اراض، واستمالت طوائف محلية، اكثر من اية قوة استعمارية اوروبية أخري.

واستغل الحس الديني ظروف التنافس الاستعماري وقيام الدول القومية وإمبراطورياتها واخذ يبحث عن موقع له في الطبقات الحاكمة وفي مؤسسات المجتمع المحظوظ، ونجح في توجيه بعض السياسيين والاقتصاديين والماليين والمفكرين توجيهاً معنياً يتلاءم مع فهمه الضيق للمسائل الدينية ويلائم في الوقت نفسه الرغبات التوسعية للقوى الفاعلة في بلده, وكانت الكنيسة الإنجيلية، بفروعها ومذاهبها المتعددة، ابرز الجماعات الضاغطة على القوى الحاكمة ( في بريطانيا بشكل خاص) والناشطة على صعيد تعزيز الاستعمار البريطاني في بعض الأجزاء العربية من السلطنة العثمانية، وفي إيجاد المبررات والذرائع والقواعد الجغرافية والبشرية.

 في هذا الجو الأوروبي ولدت المبادئ الصهيونية التي اكتملت في حركة منظمة ومؤسسة فاعلة في صيف 1897.

كان يهود أوروبا، في القرن الماضي، ينقسمون بشكل عام وتعميمي الى شطرين: معظم يهود أوروبا الشرقية (والاطراف الشرقية من وسط أوروبا) يقيمون في حارات منغلقة على ذاتها، فقراء ومعدمين، مضطهدين ومكروهين، محرومين من مكاسب المواطنة التي يتمتع بها سواهم. وعدد واسع من يهود أوروبا الغربية (والأطراف الغربية الشمالية من وسط أوروبا) يندمجون بشكل أو بآخر في المجتمعات التي يقيمون فيها، ويحققون من النجاح والحظوة والمكاسب، المالية أو السياسية أو الاجتماعية، ما يحققه مواطنوهم من أبناء الأغلبية (المسيحية طبعاً).

ولو اسقطنا الملامح الأربعة التي ذكرناها آنفاً للأوضاع الأوروبية في القرن الماضي لتبينت لنا الخطوط العريضة لخلفية الفكر الصهيوني آنذاك، قبيل إنشاء الحركة وفي أوائل أيامها: عانى يهود أوروبا الشرقية من مآسي الاضطهاد بقدر ما تنعم إخوان لهم في أوروبا الغربية بغنائم الإمبراطوريات. واشترك إخوانهم هؤلاء في بناء الإمبراطوريات وفي توفير المال لتغذيتها بقدر ما كان اليهود الأوروبيون الشرقيون وقود الثورة الصناعية وضحاياها، وبينما قبلت "حامية الإيمان" المسيحي، الملكة فكتوريا، يهودا مثل دزرائيلي رئيساً لحكومتها وبمونتفيوري وبرتشلد نجمين لامعين في مجتمعها المخملي، حرّض الكهنة الأرثوذكس والكاثوليك في أوروبا الشرقية رعايتهم ضد "قتلة المسيح". ووجدت الشريحتان المتناقضتان من هؤلاء اليهود في الانبعاث القومي وانتشار العقائد التي تحدد أشكال الأمم وتفاصيل بنيتها وتبني المصالح والكيانات على أسس قومية بعضها عرقي أو شبه عرقي وطائفي أو شبه طائفي، وجدت في ذلك كله مناخاً مناسباً للتعامل مع الشأن اليهودي، الديني الصرف، كشأن قومي، اي سياسي.

بدأت بذور التحسس السياسي تنمو في الأوساط اليهودية في بواكير الدعوات الصهيونية في القرن التاسع عشر. وكان أبرزها في جمعيات انتشرت في حارات يهود أوروبا الشرقية تحت اسم جمعيات أحبة (أو أحباء) صهيون. وكانت حتى أواخر القرن جمعيات خيرية (إنسانية بتعابير اليوم) تسعى لجمع مساعدات مالية من أثرياء يهود أوروبا تساعد اعداداً من اليهود الروس والبولونيين المضطهدين على التخلص من الاضطهاد بالهجرة الى الخارج، الى فلسطين في الدرجة الأولى, وكان للجمعية اكثر من مئتين وخمسين فرعاً. ومن ابرز زعمائها بنسكر الذي مات قبل مؤتمر بازل بسنوات قليلة. واكثر ما انتشرت في روسيا، اثر صدور قوانين تمييزية ضد اليهود كانت سبباً مباشراً في تشجيع الهجرات في ثمانينيات القرن الماضي. وتليها في النشاط فروع بولونية ورومانية.

كانت "أحبة صهيون"، إذن، أشبه بأخويات خيرية تؤمن سبل الخلاص لأفراد مضطهدين في شرق أوروبا بأموال يتبرع بها أفراد أثرياء (مندمجون أو شبه مندمجين في مجتمعاتهم) في غرب أوروبا. اي ان هذه المرحلة الجنين لمولد الفكر الصهيوني حصرت اهتمامها وجهدها بتوفير المال لإنقاذ (أو خلاص) يهود مقهورين: ولم تكن قد بلغت نضجاً فكرياً أو سياسياً يؤهلها لان تحول الإحسان الى برنامج سياسي طموح يطرح على الصعيد الدولي ويتجمع حوله يهود العالم وتكون له عقيدته ومؤسساته.

كان ثيودور هرتزل، المحامي والصحافي اليهودي، الهنغاري الأصل النمساوي الإقامة (علماً ان النمسا وهنغاريا كانتا تشكلان اتحاداً كنفدرالياً)، ابرز من تحول بالعمل الخيري/الإنساني الى عمل سياسي عقائدي دولي. وحتى يتمكن من ذلك كان لا بد من الانتقال باليهودية من حال الدين الى حال الآمة. اليهود شعب، قال هرتزل، وليسوا مجرد طائفة. واليهودية هوية قومية، وليست مجرد مذهب ديني. وعلى اليهود، كل اليهود، وأينما كانوا، والى أية جنسية أو دولة أو طبقة أو ثقافة انتموا، ان يعملوا معاً كأبناء شعب واحد لمصلحة قضية واحدة.

قدم هرتزل هذا الطرح الملائم لبعض اليهود. لليهودي المضطهد الذي يجد في الطرح غطاء قوياً لحماية نفسه من الاضطهاد. وكذلك لليهودي المنصهر أو شبه المنصهر الذي ينفي عنه صفة المرابي الاستغلالي التقليدية ويقدمه الى العالم كحامل هوية شعب له تاريخه وتراثه وقيمه، وفي الوقت ذاته يريحه في عبء وجود يهود الشقاء والحرمان بين ظهرانيه.

كانت الصهيونية، إذن، هي الوجه القومي-السياسي لليهود ولليهودية. من هنا فان "الوصية" الأولى من الوصايا العشر للحركة الصهيونية، التي هي القاعدة الأساسية الكبرى والأكثر شيوعاً، هي ان اليهودية هوية قومية وليست مجرد هوية دينية، وبالتالي فان اليهود شعب واحد متميز عن غيره من الشعوب، خاصة تلك التي يقيم أبناؤه لى أراضيها ويحملون بطاقاتها وينسبون إليها. ولن نتعاطى هنا الرد لى هذا الزعم وحضه علمياً ومنطقياً وتاريخياً ولن نفصل في تناقضه مع أسس المفهوم القومي التي اخذ العالم بأسره بها في مئتي السنة الأخيرة، الأمر الذي يجعل المفهوم القومي لليهودية نسيج وحده، ربما لأنه نسيج الخيال والأوهام.

ولا تكتفي "الوصية" الأولى بالتميز والتمايز اليهودي. فان هرتزل يدعمها بالإمتياز ايضاً. اليهود، الشعب المميز، هم شعب ممتاز. لا يختلف اليهود عن مواطنيهم حيث يقيمون، بل هم يمتازون على اولئك المواطنين وعلى سائر البشر.

يحتاج "الإمتياز" الى فتوى والى فلسفة. اما الفتوى فقد استخرجها آباء الصهيونية (وكان الكثيرون منهم، مثل هرتزل نفسه، من العلمانيين غير المتدينين، بل ان بعضهم كان ملحداً، وكان معظمهم لا يفقه كثيراً في المسائل الدينية ولا يتعاطاها) من تعاليم الدين اليهودي نفسه، ومن التوراة بشكل خاص. فالدين اليهودي هو الوحيد بين الأديان السماوية الشائعة المعروفة الذي يعتبر نفسه شعب الله "المختار" انطلاقاً من إيمانه بإله معين خاص به وحده وليس إلهاً أباً رحيماً لسائر البشر. وقد أقام اليهود، منذ أيام الأنبياء القدامى (إبراهيم وموسى…) شراكة متميزة بين الله والشعب، بين يهوه وبني إسرائيل. هو إلههم وحدهم وهم شعبه الوحيد. وتتجسد هذه الشراكة في عالم فريد من نوعه منفصل عن محيطه البشري، عالم منغلق دينياً وعرقياً مثلما هي الحارات منفصلة على السكان الآخرين، متباهٍ بمنزلة رفيعة، شبه إلهية، تدنيه وحده من الله وتقصي الآخرين، من شعوب وقوميات ومن أتباع أديان أخرى.