10 - الأهداف الثابتة والوسائل المتحركة

 بحثنا في حلقات سابقة الوصايا التسع الاول للحركة الصهيونية التي انبثقت عن مؤتمر بازل في آب 1897. ونأتي الان الى الوصية العاشرة والاخيرة. وهي تكملة عضوية للوصايا التسع السابقة. وهي خاصة بالوسائل. لا تحدد الوصية ماهية الوسائل التي يجب على الصهيونيين اتباعها لتحقيق اهداف حركتهم. فالامر متروك للزمن، للظروف والامكانات. الا ان الوصية تحدد مفهومها العام للوسائل وتترك لأولي الامر التنفيذ فيما بعد حسب اجتهاداتهم.

يمكن تلخيص القواعد الرئيسية والعامة لمفهوم الوسائل بين الثوابت الصهيونية بالنقاط التالية:

اولاً، ليست هناك وسيلة واحدة، محددة، يصح او يتوجب استعمالها في كل الظروف والحالات، وتقدم على غيرها او على حساب غيرها من الاساليب دائماً. هناك، وفي كل الحالات، سبل مختلفة للعمل والاستثمار، وعلى القيادة الحكيمة ان تعرف كيف تجدول اولوياتها في مرحلة ما، سواء كانت المرحلة نوعية او زمنية او ظرفية. وما يصلح من هذه الاساليب اليوم قد لا يصلح غداً، او قد يكون مفعوله اضعف او اشد في مكان اخر. القائد العسكري الماهر يعرف كيف يختار اسلحته واين ومتى. والقائد السياسي الخبير يعرف كيف واين ومتى يختار وسائله المتاحة له، مع مراعاة ظروفه وامكاناته وظروف الاخرين وامكاناتهم. ذلك كله في ظل برنامج استراتيجي مفصل للعمل وامام مختلف الاحتمالات والخيارات.

يعني هذا الكلام، عملياً، تعدد الوسائل وتنوعها وتوافرها بين يدي صانع القرار. اما الالتصاق بوسائل معينة واستبعاد اخرى في جميع الحالات فهو خطأ كبير. لان الوسائل لخدمة القضية وليس العكس. ثم ان الاستمرار في سلوك سبيل واحد فقط يضعف الخيارات امام المسؤول، ويكشف للآخرين عن اسلوبه في التعامل، ويبطل بالتالي مفعول هذا الاسلوب الجامد.

ثانياً، كل الوسائل شرعية. لا خلقية ولا مثالية في موضوع الوسائل واستخدامها. ليست هناك وسائل صالحة واخرى رديئة. ولا خير ولا شر في مسألة الاسلوب. الصالح والجيد هو الذي يؤمن النجاح والنصر وكسب الجولة. والرديء والفاسد والشرير هو الذي يعجز عن الوصول بصاحبه الى غايته، مهما كانت قيمة غايته خلقياً ومسلكياً ومناقبياً. اي ان الوسيلة المعيبة لهدف سيء افضل بكثير من وسيلة شريفة لهدف فاضل اذا نجحت الاولى وفشلت الثانية.

النجاح هو معيار جودة الوسيلة، وليس هناك اي اعتبار خلقي او شرعي في الموضوع، ومنطقي ان هذه الفكرة تنطلق من مبدأ ان الغاية تبرر الواسطة. وهو مبدأ قديم سار عليه الكثيرون من صانعي القرار وفلاسفة السياسة في تاريخ البشرية. وربما لم يمارسه احد منهم بالقدر والقوة اللذين مارسهما به الصهيونيون في مئة السنة الاخيرة - اللهم ما مارسه العبرانيون قبل ثلاثة آلاف سنة في تعاملهم مع اهل فلسطين من شعوب مقيمة او اقوام وافدة حسب الروايات "المقدسة" التي وردت في التوراة وفي ادبيات التاريخ اليهودي القديم.

ومرة اخرى نلفت النظر هنا الى اننا نستوحي في كلامنا المصادر اليهودية نفسها التي يعترف اليهود بها ولا نقيم وزناً لما ورد ويرد في كتب يتبرأ اليهود منها ويرفضها العالم المتحضر مثل كتاب بروتوكولات حكماء صهيون. اذ ان وقاحة الروايات المتعارف عليها وصراحتها، وما تفضحه من سلوك شائن ليهود الالفين الثانية والاولى قبل ميلاد المسيح، لتكفينا للتعرف على تصرفات العبرانيين وتغنينا عن الاعتماد على كتب حديثة مشكوك بصحتها.

ملخص عبر ذلك التاريخ الغابر، المبعث حياً في السلوك الصهيوني المعاصر، هو ان نجاح عمل ما هو يقرر قيمته الخلقية، وليس من فضل لعمل ما خارج دائرة نتائجه العملية بالنجاح او الفشل.

ثالثاً، ان التدرج، وهو ما نسميه اليوم بالمرحلية، اسلوب ضروري في عملية السير نحو هدف ما. لا شيء صعب يتم بين ليلة وضحاها. ولا عيب في التحرك المتوالي الخطوات. فان يحصل الصهيوني على بعض مطاليبه حتى يتمكن فيما بعد من الوصول الى الغاية النهائية خير من ان يطلب الكل دفعة واحدة فيخسره كله بضربة فاشلة / قاتلة واحدة. ولنأخذ عملية اغتصاب فلسطين مثلاً، بدأت المطالبة بمأوى لليهود في مكان ما بداعٍ انساني. ثم تحدد المكان في فلسطين بداعٍ ديني. وكانت المطالبة ببعض فلسطين لبعض اليهود، ثم اصبحت دولة ذات سيادة لكل اليهود في بعض فلسطين. ثم دولة لكل اليهود في كل فلسطين. ثم دولة تتجاوز فلسطين لحماية الوجود اليهودي في فلسطين. ثم دولة يهودية، اي لليهود وحدهم.

انما المهم، في فهم هذه النقطة، ان تكون الخطوة الواحدة، مهما كانت صغيرة او هامشية، لا تتعارض مع البرنامج المرسوم ولا تشكل انحرافاً او تراجعاً او استسلاماً او تنازلاً عن مطلب ما. ولكل خطوة حسابها وموضعها على خارطة العمل الشامل. اما اذا خرجت الخطوة عن المخطط فانها تعتبر خسارة حتى ولو كان في اتخاذها بعض المكسب. من هنا لا تخبط ولا مزاجية ولا عشوائية في المسيرة، بل هناك اتزان وتوازن يحددهما ويقررهما النظر الاستراتيجي الشامل الى تلك المسيرة وحساباتها المفصلة بخياراتها المتنوعة.

نخرج قليلاً عن جوهر الموضوع لنقول ان عرباً كثيرين يخطئون مع الاسف عن قصد وتعمد وادراك او عن بساطة وسوء فهم وضعف رؤية، اذ يدافعون عن نهج التسوية المتبع حالياً بحجة انه يحقق مكاسب فرعية على طريق التحرير النهائي. وهذا غير صحيح ومغاير للواقع والمقاصد. لو كان تحرير الشبر الواحد فقط من ارض فلسطين خطوة صحيحة نحو تحرير كامل التراب لما كنا نعارض هذا النهج وننعته بالاستسلام. ان مكسب الشبر الواحدن المزعوم والموهوم، هو تيه في الصحراء وركض وراء سراب، وهو تخل كامل عن حق كامل. بينما لا نعرف عن الصهيونية انها تخلت، في مدى مئة عام، عن شبر واحد من مقاصدها تخلياً حقيقياً او نهائياً. وما نعرفه، وقد اثبتت الايام صحته، ان الصهيونية تجعل مكسب الشبر الواحد تتمة لمكاسب سابقة وتهيئة لمكاسب لاحقة. ان الشبر الصهيوني المكتسب الواحد قرش يضاف الى قرش سابق لكسب قرش لاحقز اما القرش الذي نتوهم اننا حصلنا عليه في عملية "التسوية" فهو تنازل فعلي عن الثروة كلها من اجل قرش ثبت انه مزور ولا قيمة فعلية له في السوق.

رابعاً، عدم تحديد المواقف والمعاني والالفاظ والوعود والبرامج وعدم اعلان النوايا قدر المستطاع. وكلما كانت العلاقات والاتصالات والاتفاقات والتصريحات مطاطة ومبهمة كان ذلك افضل. فتحديد الامور يلزم الصهيوني بتعهدات قد لا يكون راغباً فيها. الانسب له ان يدور حول الموضوع ويراوغ ليسهل عليه فيما بعد ان يتهرب او يتراجع. التعميم والتعتيم هما سلاح المفاوض الصهيوني مع اي طرف آخر.

من هنا كان التلاعب بالالفاظ اسلوباً استعمله الصهيونيون في علاقاتهم واتصالاتهم مع كل الدول والحكومات والجماعات من ايام هرتزل حتى اليوم. لقد صرف اعضاء مؤتمر بازل الاول (حوالى 250 شخصية يهودية) الساعات وهم يتناقشون حول مسألة الوضع القانوني لكيانهم المنشود في فلسطين. واخيراً اتفقوا على ان مصطلح دولة قد يسيء الى الحركة آنذاك. لذلك خلت القراءات من هذه الكلمة تماماً. وبعد حين استبدلوها بكلمة "كومنولث". فالتعابير المبهمة والمطاطة اسلم. ولا ريب انهم تتلمذوا في هذا الاسلوب على اساتذة فن المراوغة الدولية في العالم، البريطانيين. وبين 1915 - 1916 و1967 خمسون عاماً من تلاعب البريطانيين مع العرب حول المسألة الفلسطينية على صعيد استعمال الوعد المبطن واللفظ المبهم والتعريف الذي يحمل اكثر من تأويل والنص الذي تمكن قراءته بأكثر من طريقة. واقصد بهذين التاريخين المثلين البارزين في مراسلات مكماهون - الحسين حول مصير الرقعة العربية في غرب آسيا ومستقبلها بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى ثم في قرار 242 السيء الذكر (الذي وضعه دبلوماسي بريطاني يدعي صداقة العرب ويصدقونه) الصادر عن الأمم المتحدة في اعقاب حرب 1967 حول انسحاب "الاسرائيليين" من الاراضي العربية التي احتلوها. وقد مضت ثمانون سنة على المراسلات وثلاثون سنة على القرار، المذكورين آنفاً، والعرب حائرون بل ضائعون بين هذا المعنى او ذاك. وكانت التعمية واللبس في تعابير الوثيقتين التاريخيتين تعود بالطبع لمصلحة الصهيونيين على حساب العرب.

ولعل التلميذ الصهيوني بزّ استاذه البريطاني في فن المراوغة والتلاعب بالالفاظ، وقد تجلى ذلك في السنوات السبع الاخيرة. منذ التمهيد لمؤتمر مدريد (وبء الكلام عنه والوعود والالتزامات حوله) الى اتفاق الخليل، آخر ما عقده الجانبان الفلسطين والاسرائيلي حتى الان في مفاوضات السلام المزيف. وما القراءات المتعددة، والمتناقضة في معظم الاحيان، لبنود الاتفاقات والتصريحات في هذه السنوات السبع، وهي تزيد على العشرة، الا تلاوة علنية واضحة لنص مخفي لاسلوب التعاقد الصهيوني مع الغير. ومن المؤسف ان المفاوض العربي / الفلسطيني لم يتعلم الدرس ولم يتعظ من التجربة، او انه لا يريد ان يتعلم ويتعظ لأسباب معلومة او مجهولة. فتراه يقع في الخطأ مرة بعد اخرى، كلما توصل الى اتفاق مع الصهيونيين في اي اتصال مع العرب هو ان لا يعرف العرب حقاً ما يريد الصهيونيون. واستطراداً، ان ما يكتبون على السطور يخفي ما تتضمنه الفراغات بين السطور.

خامساً، ان اقدر الوسائل واقذرها على خدمة الغايات الصهيونية هي ان يكون للوسيلة الواحدة طرفان او صفحتان او معنيان او مفهومان في الوقت نفسه. الشيء وضده. النعم واللا. المع والضد. بهذا الاسلوب يكون الصهيوني رابحاً دائماً. لا فرق عنده اذا انتصر هذا الفريق او ذاك. فهو قد اوحى الى كل منهما انه مه وليس مع الاخر. فالصهيونية مع المحافظين والعمال في بريطانيا. ومع الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة. ومع الديغوليين والاشتراكيين في فرنسا. ومع اليمين واليسار في كل مكان. ومع دول الشمال والجنوب. ومع دول افريقية ومستعمريها. ومع التمييز العنصري ومعارضيه. ومع الحروب وضدها. ومع الرأسمالية والاشتراكية ومع التدين والإلحاد. ومع البيض والسود ومع الطبقة العاملة ومستثمريها. مع البريطانيين والالمان النازيين في العشرينات والثلاثينات. مع بريطانيا اول اربعين سنة من القرن، ثم ضدها ومعاداتها طيلة الاربعينات. وهي، في النهاية، مع من يربح فتستغل ربحه لصالحها.

لقد راعني، وانا اطالع يوميات ثيودور هرتزل لاول مرة قبل ثلاثين سنة، براعة هرتزل في الكذب. يكتب الى مسؤول دولة اوروبية ما يحثه على دم مسعاه للحصول على براءة دولية لإنشاء كيان يهودي في فلسطين. ويعده، ان هو تجاوب، بان يضع امكانات الحركة الصهيونية، ويهود العالم، كلها في خدمته، وان يجعل من الكيان العتيد في فلسين قاعدة ثابتة للمصالح الاستعمارية لذلك البلد، مالياً وعسكرياً واستراتيجياً وسياسياً ودولياً. ثم يكتب هرتزل الكلام نفسه، ويقدم الوعود نفسها، لمسؤول بلد اوروبي آخر، منافس للاول، بعد مرور ايام قليلة، في رسالة اخرى، ثالثة ورابعة وخامسة ـ ويضيف في كل رسالة تهجماً على مصالح الدول الاربع الاخرى واستعداداً لان يكون عوناً للحليف ضد هؤلاء كلهم، وكأنه لم يخطر بباله ان الوثائق تنشر بعد سنوات ولا تبقى خزائن الارشيف اسراراً، ولا ان يومياته هي ايضاً ستنشر وسيطلع العالم على نفاقه. وربما لو اتيح لامرىء ان يستفسر هرتزل عن ذلك لأجاب ان ذلك هو سر المهنة ومن خصائص التعامل الصهيوني مع الاخرين. وربما كان استعار المثل المعروف بان لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة بل هناك مصلحة دائمةن وربما حور المثل: لا وعد حاسم ولا نفي جازم بل تذبذب دائم.

ونحن اذا عدنا الى يوميات هرتزل المذكورة نقرأ كلامه الصريح بان لا حاجة لتحديد المواقف والتمسك بالوعود، لان كلا الامرين يسيء الى المسعى الصهيوني. واجمل الكلام عنده هو ذاك الذي يفهمه كل قارىء على هواه ويرى فيه انحيازاً اليه ومساندة له. وكنتيجة لهذا الفن في الخداع والمراوغة، نرى هرتزل في 1897 يدعو فقط الى موطىء قدم في فلسطين لإنقاذ اليهود المضطهدين بينما كان يبيت لاحتلال فلسطين كلها. ونرى وايزمن يطالب بلفور بعد عشرين سنة بإنشاء كيان يهودي ما في فلسطين وهو يعرف ان احلام الصهيونيين تمتد الى كل فلسطين والى جوارها العربي ايضاً. وبعد ثلاثين سنة اخرى نرى بن غوريون يحمل الأمم المتحدة على منح اليهود دولة في نصف فلسطين وهو يخطط بالوقت نفسه للقفز فوق حدود هذه الرقعة الضيقة. ثم نرى جيشه يحتل فلسطين كلها، بعد عشرين سنة اخرى، ليمهد للسيطرة الكاملة على الوطن العربي من محيطه الى خليجه. وتكر السبحة في سني التفاوض الاخيرة. يعد رابين ثم بيريز ثم نتنياهو الجانب الفلسطيني والعربي بتنازل صغير مقابل مكسب كبير ثم يتراجع في اليوم التالي ويساوم حتى يتضاءل الوعد الى اقصى حد ويكبر مكسبه الىاقصى حد. فإسرائيل شرهة، اسنانها حادة تقضم كل شيء ومعدتها واسعة تتقبل كل ما يدخلها. وحدودها مطاطة، تصل الى حيث بإمكان قدراتها وطاقاتها ان تستوعب. لكنتلك الشراهة ليست عشوائية، بل هي تخضع لبرنامج عملي دقيق الحسابات الحسابات ومستعد لكل المحاذير.

نحن، في معالجة هذه الوصية العاشرة من وصايا الحركة الصهيوني لأتباعها، لا ندخل في تفاصيل الوسائل التي دعي الصهيونيون الى اتخاذها. نحن نبحث في الثوابت فقط. والوسائل امور متحركة ومبتذلة. الثابت هو هذا: ضرورة تبدل الوسائل، حسب الحاجة، انما مع الاحتفاظ بدروس اللعبة وقواعدها، وهي التي استعرضناها آنفاً.