لبنان في مواجهة الاطماع الصهيونية لسرقة مياهه

معين احمد محمود

الاتحاد 16 تموز 2000.


مقدمة:

ملف المياه واحد من ملفات التفاوض مع الدولة العبرية، وهو لا ينفصل عن ملف الحدود اللبنانية الجنوبية وتشعباته الكثيرة، خصوصا وان معظم الوثائق الصهيونية ومفاهيم القادة الصهاينة بنيت على اساس تراب المصالح الحدودية مع امكان الافادة من الموارد المائية لسد الحاجات الصهيونية المتزايدة عاما اثر عام. ولا يقف لبنان وحده في معركة المياه في المنطقة، حيث اثبتت الاتفاقيات التي وقعت حتى الان مع الاردن والسلطة الفلسطينية، ان للمياه دورا حيويا واساسيا في مستقبل العلاقات بين دول المنطقة كلها.

لكن من الواضح ان ثمة تخوفا من الا يكون موضوع المياه موضوعا ثنائيا فحسب ـ على غرار قضية الحدود ـ نظرا إلى ترابط المصالح المائية واحتمال التذرع بالقوانين الدولية التي قد تلجأ بعض القوى إلى "الاجتهاد" فيها لتحقيق مكاسب مائية. في منطقة مفتوحة على كل الحجج والذرائع والاساليب لفرض منطق دون آخر.

من هنا تأتي اهمية هذه الدراسة، في محاولة متواضعة لاستقرار ما يمكن ان يطالب به لبنان من حقوق مشروعة في مياهه.

 

ان الثروة المائية التي يختزنها الجنوب اللبناني كانت وما تزال هدفا للاطماع الصهيونية التي تزايدت مرة بعد اخرى. وقد عبرت الدولة اليهودية عن هذه المطامع بتصريحات ومشاريع عديدة، ترد مبرراتها إلى ادعاءات تاريخية وحوافز دينية واقتصادية.  ولنحاول ان نتعرف على خلفية هذه التطلعات والاطماع الصهيونية إلى المياه اللبنانية.

وضعت الحركة الصهيونية منذ مؤتمرها الاول في مدينة بال بسويسرا عام 1897 انهار لبنان في مخططاتها المستقبلية، وحاولت في مرحلة التحضير لوعد بلفور عام 1917 اقناع بريطانيا بجعل نهر الليطاني حدود فلسطين الشمالية.

وطالبت الحركة الصهيونية ايضا في مؤتمر السلام الذي عقد في فرساي عام 1919 بمياه نهر الليطاني واعلنت جهارا عن رغبتها في الاستيلاء على جنوب لبنان، وجبل الشيخ وقالت في كتاب لها إلى الحكومة البريطانية: "ان مستقبل فلسطين الاقتصادي كله يعتمد على موارد مياهها للري والقوى الكهربائية وتستمد موارد المياه بصورة رئيسية من منحدرات جبل حرمون (جبل الشيخ) ومن مياه الاردن ومن نهر الليطاني".

وتضمن البند الثامن متطلبات الصهيونية المحددة في تلك الرسالة النص الاتي:

"لهذه الاسباب نرى من الضروري ان يضم حد فلسطين الشمالي وادي الليطاني إلى مسافة نحو 25 ميلا فوق المنحنى، ومنحدرات جبل حرمون الجنوبية لضمان السيطرة على منابع الاردن واعادة تخريج هذه المنطقة.

(نشرت هذه الرسالة لاول مرة في مجلة Jewish Observer and Middle East Review N.67,NOV 16,1973,p22 )

وبالرغم من ان قسما كبيرا من طلبات الحركة الصهيونية في تحديد حدود فلسطين الشمالية قد تحقق وفقا لرغباتهم، الا ان الصراع بين الاستعمارين البريطاني  والفرنسي في مؤتمر السلام يومذاك، حال دون ادماج نهر الليطاني ضمن حدود فلسطين. فقد اصر الفرنسيون على اعتبار ان الليطاني يتبع ويجري كليا داخل الاراضي اللبنانية الواقعة تحت انتدابهم واداراتهم. (د. سعد رزق، "اسرائيل" الكبرى، بيروت، مركز الابحاث الفلسطيني، يوليو/ تموز 1986، ص 584).

وفي سنة 1919 ايضا، نشر احد دعاة الحركة الصهيونية البارزين في مطلع القرن الـ 20، ويدعى "آرثر روبين" في كتابه "بناء ارض "اسرائيل"" اهداف النشاط الاستيطاني اليهودي بفلسطين ووسائله، يقول فيه: "ان المهمة الاولى للصهيونية هي توحيد فلسطين ضمن حدودها التاريخية والاقتصادية والطبيعة لتؤلف منطقة ادارية واحدة".

ويرسم "روبين" في هذا الكتاب خط الحدود الشمالية بقوله: "فيما يتعلق بالحدود الشمالية التاريخية فقد شملت هذه ـ دون جدال ـ احد المنبعين الرئيسيين لنهر الاردن غير ان الاسباب الاقتصادية تتطلب بالضرورة ان تمتد فلسطين صوب الشرق لتشمل المنبع الاخر عند حاصبيا (نهر الحاصباني)". (استراتيجية الصهيونية واسرائيل تجاه المنطقة العربية والحزام المحيط بها، دمشق، بدون تاريخ ، ص 35 نقلا عن :

Dr. Arthur Ruppin: Der Aufban Des Landes Israel, Verlay Berlin 1919, p60-61

واثناء انعقاد مؤتمر السلام في باريس عام 1919 اتصل دافيد بن غوريون وحاييم وايزمن بالبطريرك الماروني الياس الحويك الذي كان بدوره في باريس لمطالبة المؤتمرين بضم الجليل الاعلى ووادي النصارى إلى لبنان، بينما حاول الزعيمان الصهيونيان اقناع البطريرك بامكانية تخلي لبنان عن الجليل الاعلى وجنوب لبنان. وقد فشلا في ذلك رغم ما اغدقا عليه من وعود بتقديم المساعدات المالية والفنية لتطوير لبنان ليصبح على حد زعمهما "دولة ذات اكثرية مسيحية" حيث اكد لهما البطريرك ان هذا الموضوع خارج عن ارادته، كما انه سيثير غضب فرنسا التي كانت تعتبر هذه المناطق تابعة لها بموجب اتفاقية سايكس ـ بيكو" (حسان حلاق، التيارات السياسية في لبنان 1943ـ1952، معهد الانماء العربي، بيروت، الطبعة الاولى 1981، ص 401).

من خلال ذلك يتضح لنا مدى تعلق الصهيونيين بالعامل الجغرافي من جهة،وبالعامل المائي من جهة اخرى، ولم يكن ذلك بطريق عفوي ولا مصادفة ابدا.

كما بعث ممثل الحركة الصهيونية الاميركية لويس برانديس "ببرقية إلى حاييم وايزمان يوم السادس عشر من فبراير / شباط سنة 1920، يطلب فيها تدخل الحكومة البريطانية عمليا للحيلولة دون خسارة جزء من "فلسطين الشمالية" وفيها يقول:

"نرجوكم نقل الرسالة آلاتية عني وعن جميع العاملين في الحركة الصهيونية الاميركية إلى رئيس الوزراء "لويد جورج" لقد ابرق لي زملائي في المنظمة الصهيونية الاميركية في باريس بان فرنسا تصر الان في المؤتمر حول المعاهدة التركية على بنو اتفاقية سايكس ـ بيكو. ولو انتصر هذا الادعاء الفرنسي لكان معنى ذلك القضاء على التحقيق العام للوطن اليهودي والوعد بتأسيسه، لان اتفاقية سايكس ـ بيكو تقسم البلاد بتجاهل كل الحدود التاريخية والضرورات. الحدود الوطنية الشمالية والشرقية لا غنى عنها لقيام مجتمع يعيل نفسه. ولتطور البلاد الاقتصادي في الشمال ينبغي ان تضم فلسطين مفارق مياه الليطاني عند جبل حرمون (جبل الشيخ) والى الشرق سهول الجولان وحوران" A. Thomas Mason  Brandeis: A Free Man's Life Newyork, 1950,p.455

كما ان البريطاني الصهيوني هربرت صموئيل، اول مندوب سامي لبريطانيا على فلسطين، اقترح بعد اعلان الانتداب البريطاني على فلسطين، حدودا اكثر ايغالا داخل لبنان، اذ جعل حدود فلسطين الشمالية تمتد من الضفة الشمالية لنهر الليطاني وتصل حتى اقصى ينابيع نهر الاردن قرب راشيا. Horse Mayer Kallen, Zionisom and World Politices, London 1921,p.529

ويكتب الاميركي الصهيوني "هوراس ماير كالين" في كتابه الذي يحمل عنوان: "الصهيونية والسياسة العالمية" سنة 1921 ما نصه:

"ان اقتصاد فلسطين، وعدد الناس الذين يمكن اعالتهم، ومكانة البلاد الثقافية وتنظيمها الاجتماعي، يجب ان تعتمد إلى حد كبير على درجات التصنيع التي يمكن تحقيقها، والتصنيع يعتمد على الطاقة. وفي فلسطين، وخلال المرحلة الحضارة من السيطرة التقنية على الطاقة، لا يمكن الا ان تنحصر هذه الطاقة بالطاقة المائية، وهذه هي مسالة حدود، والحدود الشمالية بنوع خاص… ان مستقبل فلسطين باكمله هو بايدي الدولة التي تبسط سيطرتها على الليطاني واليرموك ومنابع الاردن" (المرجع نفسه، ص 288ـ289. Horse Mayer Kallen )

وفي هذا الاطار كتب "جوزيف فايتس" مدير شعبة الاراضي والاحراش الصهيونية سنة 1941، في يومياته التي صدرت عن دار "امسادة" عام 1973 ما يلي:

"لقد ترتب علينا ان نقنع روزفلت وباقي زملائنا السياسيين بان ارض "اسرائيل" ليست صغيرة اطلاقا، اذ ما خرج العرب منها، ولاسيما اذا وسعت حدودها بعض الشيء حتى الليطاني شمالا، وحتى قمم مرتفعات الجولان في الشرق، اذ يضاف لنا قبل هذه العملية حوالي المليون دونم من الاراضي الخصبة، وستتسع ارض "اسرائيل" الغربية عندئذ إلى ستة او سبع ملايين يهودي حتى ولو جاؤوها دفعة واحدة، وهكذا تحل مشكلة ارض "اسرائيل" في آن واحد. اما العرب فينبغي ترحيلهم إلى العراق وشمال سوريا" (جريدة امل اللبنانية العدد 366، الجمعة 25 يناير/ كانون الثاني 1985، ص 4).

وفي عام 1946، نشرت الحركة الصهيونية مشاريع مخططات لاستغلال مصادر المياه في فلسطين، وجبل الشيخ وجنوب لبنان، واعادت الاشارة إلى اهمية نهر النيل لارواء سيناء والنقب، وقد وردت اشارات في هذه المشاريع عن اهمية مياه نهر الفرات. وفي عامي 1947 و1948 نشرت دراسات مفصلة لهذه المخططات، ثم عقدت سلسلة من الندوات والمؤتمرات العلمية، وكان اهمها مؤتمر القدس الذي عقد عام 1953، وقد اوصى المؤتمر باستثمار واستغلال مياه نهر الاردن لتلبية الحاجة إلى الماء في عقد التسعينات بالاضافة إلى مياه نهر الليطاني الذي قدر تدفقه آنذاك بـ 400 مليون م مكعب/ سنة.

 

 مشروع كوتون

وفي عام 1954 طرح مشروع كوتون الذي يعتبر اخطر مشروع على لبنان، لانه يحرم جنوب من موارده المائة للابد، ولانه اول مشروع يقدم بعد قيام الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، باسمه وينص مشروع كوتون على الاتي:

اولا: ادخال فائض مياه نهر الليطاني ضمن موارد حوض نهر الاردن.

ثانيا: اعطاء اولوية إلى تلك المناطق من الاردن وسوريا ولبنان التي هي ضمن مدى الليطاني والاردن.

ثالثا: ان ما يمكن تجميعه من الليطاني والاردن مع روافدهما يبلغ 2245 مليون م مكعب، سنة. أي ما يزيد على 55 بالمئة من مجموع المياه، مع العلم ان ما يمكن ان يناله الكيان الصهيوني من مياه الاردن، في حال اكتفائه بحصته منه لا تتجاوز 567 مليون م مكعب /سنة، كما نص على ذلك مشروع جونستون. (المحامي ظاهر بن خضراء وآخرون، "اسرائيل" وحرب المياه القادمة، دار كنعان، دمشق، 1998، ص 33).

ومما يؤكد مطامعها بمياه الجنوب اللبناني تصديها عام 1966 للمشروع العربي القاضي بتحويل مياه نهر الحاصباني والوزاني في كل من لبنان وسورية، واعتبارها الاقدام على عمليات تحويل المياه عدوانا مباشرا عليها.

وليس من قبيل الصدفة المجردة ان يسعى الجاسوس القادم من تل ابيب، الياهو كوهين لاقامة اتصالاته باحد المهندسين اللبنانيين بغية الوقوف على تفاصيل المشروعات المائية الاخرى داخل الاراضي اللبنانية، والتعرف على طبيعة القناة التي سيجري شقها ضمن نطاق مشروعات التحويل العربية لروافد نهر الاردن التي تنبع من اراضي لبنان وسورية.

 

 الهدف مياه الليطاني

وقد قامت الدولة العبرية باحتلال مواقع المشروع في سورية خلال عدوان يونيو/ حزيران 1967، واقدمت على وضع يدها على مصادر المياه في الجنوب اللبناني من خلال غزوها للجنوب في مارس/آذار 1978، فيما وصف بـ "حرب الليطاني".

ويؤكد محمود رياض امين عام الجامعة العربية السابق هذه الحقيقة فيرى "ان العدوان الصهيوني على لبنان عام 1978 لم يكن لتأمين الجليل الاعلى كما كانوا يدعون، ولكن الهدف الاهم هو الاستيلاء على الجنوب اللبناني والاستغلال مياه الليطاني لمواجهة مطالب "اسرائيل" المائية المتزايدة" (مجلة اليقظة العربية، القاهرة، العدد الثالث للسنة الثالثة، مارس 1978، ص 99).

وخلال العقد الماضي، كان الوصول إلى الليطاني من اهم الاهداف "الاسرائيلية" اثناء غزوها للبنان في عام 1982، وان كانت قد انتحلت ذرائع اخرى، واستغلت الدولة العبرية هذا الغزو لتحقيق حلمها القديم المتمثل في الاستيلاء على النهر اللبناني من منبعه إلى مصبه.

 

 المصادر المائية في لبنان

وتتناول قضية المياه الجنوبية مياه نهر الليطاني الذي يشكل احد ابرز المصادر المائية في لبنان والمنطقة، اضافة إلى نهر الوزاني الذي يصب في نهر الحاصباني، والذي يحرص لبنان على كل نقطة ماء فيه لانه ينبع من ارضه ولو انه يشكل احد روافد نهر الاردن.

وسوف يشمل ملف التفاوض اللبناني كل الدراسات التي تتناول تفصيلا كميات المياه سواء المستعملة او المدورة او المسروقة، والمشاريع التي يمكن للبنان ان ينفذها للافادة من مياهه واستغلالها اضافة إلى تحديد حجم الاعتداءات الصهيونية على المياه اللبنانية، وهذا الموضوع ليس حديث العهد، اذ ان مؤتمرات وندوات ودراسات عديدة تناولت هذا الموضوع الخطير، الا ان الدولة اللبنانية تحيط اعدادها لملف المياه التفاوضي بسرية تامة، اذ لا يعقل ان يكشف لبنان اوراقه سلفا امام العدو الصهيوني وقبل الجلوس معه إلى طاولة المفاوضات.

وفي المقابل، كما تقول دراسات باحثين اختصاصيين ستكون مشكلة المياه التي تتفاهم في المنطقة احدى اهم المسائل الحيوية في المستقبل نظرا إلى المسح المتوقع نتيجة التغييرات المناخية وتزايد عدد السكان، من هنا، فان لبنان الذي يعاني كغيره تراجعا في معدلات مياه الامطار، والذي يحرص عدد من مسؤولية على انتفاء صفة "لبنان نهر مائي"عنه، ينطلق إلى التفاوض من ثابتين، تمسكه التام بالليطاني، وكذلك تمسكه بحقه في الحاصباني والوزاني.

وقد بنت الادبيات السياسية اللبنانية اسسها على خلفية الصراع مع الدولة العبرية على حق لبنان في مياهه، ولا سيما منها الليطاني، وفي حين لا يخلو مشروع صهيوني او حديث او مقال تاريخي من ذكر لنهر الليطاني، يؤكد لبنان مرارا وتكرارا رفضه الاطماع الصهيونية فيه، وانطلاقا من الاهداف الصهيونية سعى لبنان إلى اقامة مشاريع مائية لاستغلال مياه نهر الليطاني وقد توقفت بفعل الحروب المتكررة.

ويقول المدير العام لمصلحة الليطاني ناصر نصرالله ان "لبنان لم يتمكن من تنفيذ الدراسات التي اعدها طوال 30 عاما، ومنعنا في المصلحة من تنفيذ مشروعنا لانماء جنوب لبنان وايصال المياه إلى معظم الاراضي اللبنانية، الامر الذي كان سيؤدي إلى تثبيت الناس في ارضهم بدلا من تهجيرهم الى الداخل وبروز معضلات اقتصادية متفاقمة" (جريدة النهار اللبنانية، 12 ابريل/نيسان 2000).

وتؤكد الدولة العبرية ان مياه الليطاني تذهب هدرا إلى البحر وهي زائدة عن حاجة لبنان ومن هنا تتابعت المحاولات الصهيونية للسيطرة عليه. ويبذل الليطاني مياه القسم الجنوبي من المنبسط اللبناني الداخلي أي البقاع وهو في مجراه العالي من مستوى بعلبك إلى مستوى القرعون البالغ طوله 80 كيلومترا ويسير وئيدا بانحدار لا يتجاوز ثلاثة في الالف، وتتوافر عنده جميع مقومات مشاريع الري، اما مجراه الوسيط من القرعون إلى الخردلي البالغ طوله 40 كيلومترا فينهمر في مضيق محصور حيث بلغ معدل انحداره 17 من الالف، وفي هذا القسم من المجرى تتوافر جميع الشروط التي يفرضها توليد القوى الكهربائية. اما شروط الري فتنعدم، ويجتاز النهر اخيرا من مجراه الاسفل منخفض الخردلي مستديرا عنه بمعدل 90 درجة متوجها غربا إلى المتوسط عبر مسافة تقارب خمسة كيلومترات وبانحدار لا يتجاوز معدله سبعة بالاف. (السفير اللبنانية، بيرون، 18 يوليو/تموز 1994 ص 4).

ولاهمية الليطاني فان الدولة العبرية اعتقدت باحقيتها فيه فقد اعرب بن غوريون عن تمنياته بقوله ان "اجعل الليطاني حدود "اسرائيل" الشمالية". (يديعوت احرونوت 6 اغسطس / اب 1966). وقبيل حرب 1967 ذكر رئيس الوزراء الصهيوني الاسبق ليفي اشكول: "ان "اسرائيل" العطشى لا يمكنها ان تقف مكتوفة الايدي وهي ترى نصف مليون متر مكعب من مياه الليطاني تذهب هدرا في البحر، ان القنوات باتت جاهزة في "اسرائيل" لاستقبال مياه نهر الليطاني المحمولة".(دافار، 28 مايو/ايار 1967).

 ومثلما كانت التصريحات والوثائق الصهيونية واضحة بشأن الاطماع الصهيونية في المياه اللبنانية واهميتها في تنفيذ مشروعاتها فان الممارسات جائت متسارعة ويلاحظ ان الخطط البارزة الثلاث قامت على اعتبار الليطاني جزءا من منظومة الاردن وهي خطط لادور ميلك وهايز ـ سافاج وكوتون ما كان ممكنا لاي منها ان تنجح من دون تعاون اقليمي وفي كل من الخطتين الاوليين يفترض استخدام نحو نصف دفق الليطاني لرفد نهر الاردن ولتوليد الكهرباء لكل من الدولة العبرية ولبنان. اما خطة كوتون 1954 فكانت ايضا بحاجة إلى تعاون كامل "اسرائيلي" ـ لبناني ولكن تلك التلميحات عن التعاون الاقليمي لم تجد شيئا لان الدولة العبرية دائما كانت تحاول السيطرة على مياه الليطاني.

وبعد مشروعات الخمسينات والستينات كان الغزو العسكري على لبنان عام 1978 المعروف بـ "عملية الليطاني" وقامت الدولة اليهودية باجراءات من شانها تسهيل جر مياه جنوب لبنان إلى شمال فلسطين المحتلة. "فقامت القوات "الاسرائيلية" بتعبيد الطرق وتوسيعها في المنطقة الممتدة بين شمال فلسطين وجنوب لبنان وقامت بانشاء شبكات ضخمة للمياه وبدأت بسحب مياه الليطاني إلى المستوطنات في الجليل الاعلى". (صحيفة هاعولام هازية الصهيونية 23 سبتمير/ ايلول 1978). وقامت الدولة العبرية بتركيب مضخات كبيرة قرب جسر الخردلي ثم مدت انابيب ضخمة بطول 85 كلم من مجرى النهر مجاورا لبلدات ديرسريان وحتى خزانات مشروع الطيبة وحتى بلدة عيتاالشعب حيث شيدت خزانات ضخمة قرب البلدة لتستقبل مياه الليطاني وتقوم بتوزيعها على الجليل". (صحيفة يديعوت احرنوت 25 مارس / آذار 1982).

وفي سياق تنفيذ عملية نهب المياه اللبنانية بدأت سلطات الاحتلال باقامة "محطات قرب جسر الخردلي لضخ مياه الليطاني إلى بحيرة طبريا وانجزت معظم المنشآت اذ تم حفر نفق يصل تل النحاس بالخردلي ومنها إلى البحيرة لتأمين ضخ 150 مليون م مكعب سنويا ولم يبق سوى فتح شباك نفق قرب الخردلي وتركيب محطات ضخ غاطسة على ان يستكمل هذا المشروع بانشاء سد تجميعي لتخزين المياه في فصل الشتاء". (د. ماري نوفل، مشكلة المياه بين لبنان واسرائيل، مجموعة باحثين، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة،1994،ص 207).

وقد نفذت الدولة العبرية بالفعل مشروع تحويل النهر من خلال "حفر نفق داخلي تحت الارض يمتد من اسفل الخردلي تحت بلدة ديرميماس إلى سهل الحولة بين جسر بنات يعقوب والسلطان ابراهيم وبذلك تدفع المياه بالجاذبية بين هذين المستويين وعبر نفق جاهز طوله 17 كلم وتمت عملية الحفر بعيدا عن انظار المراقبين وجهز بنافذة لاستقبال الكميات المطلوبة التي ستحصر خلف جدار من الصخور يقام في عرض نهر الليطاني".

John Bulloch and Adel Darwish: Water Wars, Coming gonflicts in the Middle East, London, Victor gollonez, Villiers house, 1993,p.31

وقد احاطت الدولة اليهودية ما فعلته بنهر الليطاني باسوار من السرية "ولم تتح الفرصة لاحد ان يقطع ما فعلته في الليطاني وكل ما يثار في هذا الصدد ينقصه الدليل المادي". (جريدة البيان الاماراتية، 4 ديسمبر/كانون الاول 1989).

وربما كانت اول اشارة في هذا الصدد قد جاءت على لسان شهود عيان من الصحفيين الاميركيين الذين قالوا في عام 1982 انهم "رأوا انابيب ضخمة يحملها "الاسرائيليون" معهم يحضرون لها الارض وراء القوات "الاسرائيلية" الغازية للبنان".

ونقلت وكالات الانباء في عام 1984 ما يعني ان ""اسرائيل" قد اتمت تحويل نهر الليطاني إلى بحيرة طبريا عن طريق استخدام انابيب مدفونة تحت الارض". (جريدة البيان، المصدر السابق).

وقد اشارت الحكومة اللبنانية في يوليو/تموز 1990 إلى معلومات وصلتها بأن ""اسرائيل" وضعت مخططا يهدف إلى تحويل مياه نهر الليطاني وهو من اكبر الانهار اللبنانية واكثرها غزارة عبر اقنية وقساطل إلى صحراء النقب لاستخدامها في عملية توطين المهاجرين السوفييت واقامة مستوطنات جديدة لهم. (صحيفة البيان 26 يوليو/ تموز 1990).

وفي هذا السياق كشفت صحيفة "هيرالد تريبيون" في العاشر من يونيو / حزيران 1983، استنادا إلى معلومات من المخابرات المركزية الاميركية، ان "اسرائيل" تشق نفقا لجر مياه الليطاني اللبناني، واوضحت الصحيفة ان المشروع قيد التنفيذ وهو عبارة عن نقف بطول عشرة كيلومترات يمتد من وادي البراغيث في فلسطين، حتى نقطة قريبة من جسر الخردلي في الاراضي اللبنانية، والغاية من هذا النفق طبعا هو سحب مياه النهر اللبناني إلى "اسرائيل"، واوضحت الحصيفة ان هذه الواقعة بحد ذاتها تثبت ان تلكؤ "اسرائيل" او امتناعها عن الانسحاب من جنوب لبنان الذي تحتله، قد لا يكون امنيا او سياسيا بقدر ما هو مائي. (صحيفة هيرالد تريبيون Herald Tribune باريس 10 يونيو/ حزيران 1983).

ومن جهة ثانية اوضحت دراسة موارد المياه في الوطن العربي التي اعدتها الامانة العامة لجامعة الدول العربية وقدمتها إلى مجلس الجامعة في دورته الـ 99 التي عقدت بالقاهرة.

اوضحت ان كتلة "الانقاذ والتغيير" البرلمانية اللبنانية التي يرأسها الدكتور سليم الحص طلبت إلى الحكومة اللبنانية ان تتقدم بطلب إلى مجلس الامن لايفاد بعثة دولية للكشف على منطقة جسر الخردلي في جنوب لبنان حيث تقيم "اسرائيل" انشاءات لسحب مياه الليطاني إلى الاراضي الفلسطينية المحتلة.

 

 نهرا الوزاني والحاصباني

ويواجه نهر الوزاني اخطارا مختلفة عن سابقه، فهذا النهر لا ينبع من الاراضي اللبنانية ويسير قليلا ليمتد مع الحاصباني مشكلا رافدا من روافد الاردن تقدر طاقته في حدود 65 مليون م مكعب سنويا. ومنذ الاجتياح الاول عام 1978 عمدت القوات الصهيونية إلى اقامة سياج ضخم حول موقع النبع وبدأت بالعمل على تحويل مجرى النهر من قرب منبعه بحيث يرتفع منسوبه إلى 271 م فوق سطح البحر إلى نقطة من فلسطين يتراوح منسوبها بين 200ـ 250م ليعاد من هناك ضخه صعودا باتجاه القناة الاستراتيجية التي تربط طبريا بالنقب وبذلك طردت المزارعين اللبنانيين وبدأت بشق الطرقات وحفر اقنية باتجاه الشمال الشرقي بحجة ري العرقوب في الشريط الحدودي واستطاعت سلطات الاحتلال حفر نفق يمر تحت قرية ديرميماس وكذلك ليصل إلى محاذاة مستوطنة الخالصة ليصب في مجرى البريجات حيث يلتقي المياه المحمولة من الوزاني ثم تسير القناتان المحولتان في قناة واحدة في موازاة مجرى نهر الاردن بالقرب من عرب الزبيد وصولا إلى قناة طبريا ثم صحراء النقب ويتقاطع المشروع الجديد مع مشروع الاردن ـ النقب على المنسوب 44 وهذا يقضي زيادة طاقة الضخ من هذه المنطقة وتوسيع المنشآت الاخرى لاستيعاب كميات المياه الجديدة.

وقامت السلطات الصهيونية بوضع "حاجز صخري على عرض النهر يصد المياه على مجرى النهر الطبيعي ويدفعها بالجاذبية لتدخل في النفق وتتوغل باتجاه بقية المنشآت التابعة للمشروع وتكتفي "اسرائيل" بجر المياه التي تتوقف في مجرى النهر خارج موسم الري في سهل القاسمية وتتراوح هذه الكمية بين 250و350 مليون م مكعب في السنة. كما لا يصعب عليها في موسم الري فتح طاقة في الجدار الصخري لاطلاق كمية من المياه لا تتجاوز مترين مكعبين في الثانية". (صحيفة دافار الصهيونية، 28 يوليو/ تموز 1989).

وثالث الانهار الهامة في لبنان هو نهر الحاصباني 70 مليون م مكعب سنويا هو يجري 21 كلم في الاراضي اللبنانية قبل دخوله فلسطين المحتلة حيث يتم استغلال ما نسبته 92 بالمئة من مياهه في تلك الاراضي أي ما يعادل 140 مليون م مكعب هذا بالاضافة إلى سيطرة السلطات الصهيونية على قسم منه وعلى عدد من روافده الغزيرة قبل الدردارة والجوز والعين وسريد والباردة والرقيقة والقرشة وتشير التقديرات إلى ان ينابيع منطقة شبعا وحدها تعطي حوالي 30 مليون م مكعب من المياه السنوية. وخلال عام 1989 قامت فرقة الهندسة التابعة للجيش الصهيوني بجر شبكة مياه قطرها 6 ان من نبع العين المتفرع من نهر الجوز إلى بلدة حاصبيا والقرى المجاورة لها. (جريدة السفير اللبنانية، بيروت 8 ديسمبر / كانون الاول 1991).

وتظهر تلك الانهار اللبنانية: الليطاني، الوزاني، الحاصباني، مدى اهمية الجنوب اللبناني في الاستراتيجية الصهيونية المائية والانمائية.

ومن هنا نرى ان اطماع الكيان الصهيوني في مياهنا العربية واضحة جلية فجميع تصريحات القادة الصهاينة تشير إلى هذه الاطماع، وما فكرة المفاوضات المتعددة بشان المياه الا تأكيد لاطماع الدولة اليهودية التي تحاول الاستيلاء على المياه العربية، وقد عبر شيمون بيريز في كتابه: "الشرق الاوسط الجديد" عن هذا الاتجاه بقوله: "المياه في الواقع يقول الفيلسوف جان جاك روسو لا تعود لشخص واحد او لبلد محدد ولكن للبشرية ككل، والمياه في الشرق الاوسط هي ملك للمنطقة، او لعل المياه اكثر من قيمة اخرى تعتبر دليلا على مدى الحاجة لاقامة نظام اقليمي، ومن خلال هذا النظام فقط يمكننا التخطيط وتنفيذ مشاريع تنمية المياه وتوزيعها على اساس اقتصادي".

بل ويذهب بنيامين نتنياهو إلى ابعد من ذلك في كتابه "مكانة بين الامم" حينما يتحدث عن معادلة الامن والمياه بقوله: "ان معظم العمق الاستراتيجي والثروة المائية هما عنصران هامان ايضا لدى الحديث عن مستقبل هضبة الجولان، ففي هذه تعرض الحكومة "الاسرائيلية" تنازلات خطيرة جدا، فالجولان تسيطر على نهر الاردن وبحيرة طبريا أي على 40 في المئة من احتياطي المياه في "اسرائيل"، والتنازل عن هذه السيطرة يعني ان نضع بايدي السوريين القوة لتجفيف "اسرائيل"، وعلى اكثر المتحمسين للانسحاب من الجولان ان يعيدوا حساباتهم وتفكيرهم اكثر من مرة بالخطر الذي ينطوي عليه الانسحاب قبل ان يفترضوا سلاما كهذا. وقد اشارت التقارير الصحفية إلى ان المباحثات التي جرت بين الرئيس كلينتون والاسد التي تمت في جنيف ركزت على المياه، وان الخلاف على المياه كان اعمق من الخلاف على الاراضي.

واستنادا لما تقدم، نجد ان اطماع الدولة العبرية في الموارد المائية العربية لا حصر لها، ابتداء من مياه نهر الاردن وروافده، إلى مياه انهار جنوب لبنان، ومياه الانهار المحتلة في الضفة وغزة وحتى مياه نهر النيل، لم تسلم من الاطماع الصهيونية.

فعملية السرقة الصهيونية للمياه العربية مستمرة منذ قيام "اسرائيل" حتى الان.

يقول المدير العام السابق للتجهيز المائي والكهربائي في وزارة الموارد المائية والكهربائية بسام جابر: ""اسرائيل" تستفيد حاليا من كل تصريف المياه السطحية تقريبا والتي تسيل طبيعيا نحو منخفضات الارض المحتلة، كالحاصباني والوزاني، وكذلك من المياه الجوفية التي تتجه نحو المنحدرات، رغم القانون الدولي الذي يعطي لبنان حصته فيها". (بسام جابر، مشكلة المياه في لبنان، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث، بيروت 1994، ص 20).

وينبه في هذا الصدد إلى ان الوزاني الذي كان يروي السهل في الاراضي اللبنانية اصبح يسيل بكامله في اتجاه الاراضي المحتلة اما الحاصباني فمنعت الدولة العبرية تحويل قسم من مياهه إلى مجرى نهر الليطاني او إلى مجرى نهر اليرموك.

 

 المطالب اللبنانية

من هنا، فان مطالبة لبنان ستتركز على وقف التعديات الصهيونية على مياهه، ثم تحديد حجم الخسائر التي لحقت به، وكميات المياه التي يحق له بها، وهذا الامر ينطبق على نهر الحاصباني الذي يطالب لبنان بحقه في كمية محددة من مياهه. ومن ثم سيطالب لبنان بحقه في مياهه، خصوصا وانه خسر على مدى الاعوام الماضية الكثير من حقوقه، فلا الاراضي الزراعية استحدثت ولا المزارعون استفادوا من المشاريع الاغاثية التي كان يفترض ان تقام. وهكذا خسر لبنان كثيرا، وهو امر غير مقبول لا في الاعراف الدولية ولا في القوانين الدولية،وهذا ما يجب ان يؤكد عليه المفاوض اللبناني ويظهره بشكل دقيق. ويجب الا تطرح المواضيع المهمة بطريقة مبهمة، اذ على المفاوض اللبناني ايضا ان يحدد حقوقه بطريقة علمية وبالارقام والمعطيات الصحيحة.

ونحن ندعو لبنان إلى عدم قبول فكرة التفاوض مع الكيان الصهيوني حول المياه بل عليه المطالبة باسترجاع حقوقه، خصوصا وان لبنان يمتلك نهر الليطاني كاملا، واما بالنسبة لمياه الوزاني والحاصباني فانها قابلة للتفاوض لانها لا تصب داخل لبنان، من هنا، فان اسئلة تثار حول ما يمكن ان يطالب به في شانهما، وتحرص الاجهزة اللبنانية المختصة والمهتمة بابعاد ملف المياه عن التداول الاعلامي وتقوم في الوقت نفسه باعداد الدراسات وتحضير افضل الممكن لجهة التقديرات ولكن يبدو ان لبنان غير راغب في تقديم ارقامه سلفا وفي الوقت نفسه حريص على نفي طابع غناه المائي، ولا سيما بعد مواسم شح متتالية، فاذا ما اخذنا سكان لبنان ومساحات الاراضي الموجودة فيه والتي يمكن زراعتها وتتجاوز 270 الف هكتار، وقمنا بعملية حسابية بسيطة لادركنا ان كميات الامطار التي تتساقط على لبنان، والتي يمكن استخدامها لا تكفي حاجاته في المدى المنظور لعام 2010، وهناك نزعة إلى تضخيم الارقام دون احتساب كميات التبخر الهائلة التي يهدها لبنان بسبب اشهر الصيف الحارة، وانطلاقا من هذه الحقائق فان البلدان العربية ولا سيما الاطراف المعنية بعملية السلام مع "اسرائيل" مدعوة إلى العودة إلى خيار التنسيق والتعاون وتوحيد المواقف، وللوقوف بحزم في مواجهة الاخطار التي تهدد امننا الجماعي وتهدر حقوقنا الثابتة في ارضنا ومياهنا.