العرب في عيون "الإسرائيليين"
بقلم: فهمي هويدي
(كاتب وصحافي مصري معروف)
مقدمة
حين يطالع المرء صورة العربي في الأدب العبري الحديث لا يكاد يصدّق أن السلام أو التعايش بين العرب و''الإسرائيليين'' يمكن أن يتحقق يوماً ما، فالإدراك ''الإسرائيلي'' تم تشكيله بصورة تقطع الطريق على ذلك الإحتمال، حتى أحسب أن أي كلام عن السلام لن يكون جاداً ما لم تتغير تلك الصورة القبيحة والمنفّرة التي تعمّدت العداء وتؤجج ناره.
لقد وقعت على كتاب أصدرته جامعة الخليل بالضفة الغربية، يتحدث عن العربي في أدب الأطفال العبري، والكتاب من تأليف الدكتور يونس عمرو (عميد البحث العلمي بالحامعة)، والأستاذ غانم مزعل (أستاذ اللغة العبرية في جامعة النجاح)، فاجأتني الصورة التي وجدتها في الفصل الأول للكتاب، والتي عالجت مسألة الشخصية العربية في الأدب ''الإسرائيلي''، واعتمدت على بحث مسبق للأستاذ مزعل تحت نفس العنوان، وصف بأنه أول دراسة وافية في هذا المجال تصدر باللغة العربية.
إذا حاولنا أن نتتبع ملامح تلك الصورة كما سجلتها كتابات المؤلفين ''الإسرائيليين'' فسنجدهـا مثبوتة في العديد من الأعمال الأدبية، وهذه بعض النماذج التي تعدّ غيضاً من فيض..
أحط التهم للعربي
في قصة بعنوان "مقاصد الأثر من الحدود الشمالية"، لقاصّ يهودي حديث هو "عوديـد بيتسر"، نجده يتحدث عن مستوطنة يهودية وادعة في الشمال تتعرض لعدوان العرب الذين يعكرون صفو الحياة بهجماتهم المتواصلة عليها، يطلقون النار، ويزرعون الألغام، حتى صارت حياة سكانها جحيماً لا يطاق، الأمر الذي اضطرهم الى قضاء معظم أوقاتهم تحت الأرض في الملاجئ. وفي التعليق على هذا المشهد نجد جندياً ''إسرائيلياً'' يقول: أي نوع من الرجال هؤلاء العرب، لا يقتلون إلا العزّل من الأطفال والنساء والشيوخ، لماذا لا يقاتلوننا نحن الجنود؟ (لاغياً بطبيعة الحال حقيقة أن المستوطنين مقاتلون مسلحـون، وليسوا مدنيين بالمفهوم الشائع!).
الكاتب "إيهود بن عيزر" في قصته "إفرات" يحكي عن حوادث وقعت في مدينـة صفـد عام 1921م، بين العرب واليهود، فيقول: لقد أتى العرب أعمالاً وحشية ضد اليهود، بحيث بـدا العربي كائناً لا يعرف معنى الرحمة أو الشفقة، فالقتل والإجرام غريزة وهواية عنده، حتى صار لون الـدم من أشهى ما يشتهيه. تجسد ذلك في القصة، حين باغت العرب اليهود واعتدَوا عليهم كالحيوانات المفترسة، وراحوا يسلبون ممتلكاتهم، حتى المدارس والمعابد الدينية لم تسلم من بطشهم. في القصة أيضاً أن نساء وفتيات اليهود قد تعرضن للإغتصاب وإشباع نزوات العرب.
في هذه القصص، بدا العربي مِشْجباً لأحط التهم وأسفل الصفقات، فهو لاإنساني وساقط بشرياً، كما أنه سارق وكاذب ومنافق، متعصب ومتعتدٍ، غير مبالٍ بأية مبادئ إيجابية مهما صغرت، وإذا وعد بشيء فإنه لا يرتبط بكلمته، ولكنه يحنث بوعده عند أي فرصة تلوح له.
في قصة "بن عيزر"، التي أشرنا إليها توّاً، إلتقت الشابة اليهودية "إفرات" - والقصة على اسمها - بشاب عربي اسمه حسن، في خضمّ الأحداث الرهيبة التي وقعت في صفد، أُعجب بها حسـن وعرض عليها الزواج، لكنها بدلاً من ذلك قدّمت له مبلغاً من المال، على أن يتولى حمايتها، فوافق، غير أنه عاد وتنكّر لوعده، وحاول اغتصابها (إذا كان العربي نذلاً الى ذلك الحد، فلماذا عـرض الـزواج عليهـا أصلاً؟!).
في مجموعة قصصية باسم "خريف أخضر" للأديب "ناتان شاهم"، نجده يحكي قصة أسـير عربـي متقدّم في السن، وقع في أيدي الجنود اليهود، ويبرزه في شخصية هزيلة جبانة، حيث أفضى بكل ما لديه من أسرار، دون أن يُطلب منه ذلك، كما أنه يصر على تقبيل يد الجندي اليهودي، في حين يرفض الجندي ذلك، ويفك وثاق الأسير. في السياق، يصف الجندي نذالة الأسير العربي قائلاً: لقد نفّذ كل ما أمرته به، أحضر الماء، كما قام بمهمات مختلفة كنت أكلّفه بها، وكان يعود في كل مرة كالكلب العائد الى كوخه؟
اللافت للنظر، أن الكاتب قال بعد ذلك على لسان الجندي اليهودي: "وعندما كان الأسير يسير في طريقه في السلسلة الجبلية، مرّ فوق لغم، وقد أحسنا معه عملاً حينما رميناه برصاصة، ثم أحرقنا جثته بعد ذلك (منتهى الشهامة: لقد دفع بالأسير العربي واستخدمه كمجسّ لاكتشاف الألغام، ثم قتله وأحرقه!).
قارن صورة الأسير العربي بنظيره اليهودي في قصة "دآن مرغليت".. "مظليـون فـي السجـن السوري"، فقد روى المؤلف حكاية خمسة جنود ''إسرائيليين'' وقعوا في أسر السوريين عام 1954م، وأظهر السوريين على درجة عالية من القسوة في معاملة أسراهم ''الإسرائيليين''، إذ يقول على لسان أحد الجنود السوريين: ".. دعنا نذبح أبناء الكلبة"، ويقول بلسان جندي سوري ثانٍ: ".. دعنا نقتل اليهود" ثم يعاود القول على لسان سوري ثالث: "دعنا نقتله ونقول إنه حاول الهرب"!.
في موضع آخر، أبرز الكاتب إخلاص ورجولة الأسير ''الإسرائيلي'' الذي يؤثر الموت انتحاراً على المثول أمام المحقق السوري ليفضي بمعلومات عن جيشه، ثم مضى يقول: .. لقد ذهل السوريون وأخفَوا رؤوسهم احتراماً لإخلاص الأسير اليهودي، لا سيما عندما وجدوا أنه كتب ورقة ووضعها بين أصابع قدمه قال فيها عبارة واحدة: لم أخن!
لا نعرف النظافة.. ولا الصابون
أما صفات العربي في الإدراك ''الإسرائيلي'' فنستطيع أن نتحقق منها حين نقرأ مثلاً ما كتبه "ناتان شاحم" في قصته "غبار الطرف"، حين يسجل حواراً عن العرب بين اثنين من اليهود، يقـول أحدهما: العرب مثل الكلاب، إذا رأَوا أنك مرتبك ولا تقوم برد فعل على تحرشاتهم يهجمون عليـك، أما إذا قمت بضربهم فإنهم سيهربون كالكلاب!
الكاتب "موشيه سطابسكي" له كتاب عن "القرية العربية"، تحدّث فيه عن بيوت العرب قائلاً: إن شروط النظافة والمحافظة على الصحة تكاد تنعدم بين العرب، والإجراءات الصحية الـتي لا يستطيـع الإنسان أن يعيش ساعة واحدة بدونها غير متوافرة في أي قرية عربية، حتى في القرى الكـبرى الغنية، ولعدم وجود المراحيض يقضي العرب حاجاتهم في أي مكان، فالأولاد يقضون حاجاتهم في الساحة أو في الحظيرة، أو في البيت. أما الكبار فيأخذ الواحد منهم إبريقاً ويخرج الى الحقول، وهكذا لا يجد العربـي الذي يريد أن يصلّي خارج بيته مكاناً طاهراً يؤدي الصلاة فيه.. وعادة الإستحمام تكاد تكـون غير مألوفة عند العرب، باستثناء غسل بعض أعضاء الجسم من أجل الصلاة، كما أن غسل الأيـدي بعد الطعام مقصور على بعض الأفراد فقط، وهناك بعض الفلاحين الذين لم يمسّ الماء أجسامهم منـذ زمن طويل!
الأستاذ غانم مزعل نقل عن الكاتب ذاته - موشيه سطابسكي - قوله وهو يتحـدث عـن قذارة العرب، أن امرأة منهم أقسمت بالله أنها ولدت ستة أولاد دون أن يمس الماء جسدهـا! .. وقد أورد الكاتب أن لدى العرب قولاً مأثوراً مفاده أن "الطفل إذا اتسخ جسده يصح ويشتد". كما أن الصابون في زعمه ليس له ذكر عند العرب، وقد روى أنه زار إحدى القرى في منطقة السهل (اللـد والرملة) بمناسبة زواج ابنة صديق عربي له، وحمل للعروس بعض الهدايا التي كان من بينها "صابونـة"، لإدخال السرور على قلب الأسرة، غير أنه حين زارهم في وقت لاحق، لاحظ أن قطعة الصابون التي أحضرها قد علّقت على الجدار مع أدوات الزينة والزخارف الأخرى!!
إستطرد "سطابسكي" في وصف العرب قائلاً: إنهم يرتدون الثياب ولا يغيرونه الى أن يبلى، حيث يغدو مليئاً بالقمل والبراغيث، ويكلح لونه. ويزعم في هذا الصدد، أن لدى العرب قولاً مأثوراً هو أن عيد الفلاح يوم غسيل ثوبه. وهذا الكلام ينطبق على أدوات المطبخ التي لا يتم غسلها، بل إنه يذهب الى حد القول بأن العربي صانع القهوة لا يستبعد منه أن "يبصق" في الفناجين كي ينظفها!!
هناك دراسة أُجريت عن صفات وطبائع العربي، كما وردت في 520 كتاباً ''إسرائيلياً'' بيّنت ما يلي:
أن هذه الكتب خصّت العرب ببعض الصفات الإيجابية بنسبة 23.8%، فذكرت مرات عديدة (56) أنه صديق، أو شجاع (21 مرة)، أو مجتهد (19 مرة، أو ذكي (19 مرة). الصفات السلبيـة كانت أكثر، ومثّلت 63.5%، حيث أشارت الكتب الى أن العربي قاسٍ وظالم (66 مرة)، ومخادع (52)، جبان (44 مرة)، كاذب (37 مرة)، متلون (28 مرة)، خائن (37 مرة)، طمّاع (31 مرة) الخ..
- ذكر العربي مجرداً بغير صفة في 12.5% في هذه الكتب.
هكذا، نجد أن الصفات السلبية التي أبرزتها تلك الكتب للعربي تجاوزت المعقول، بالمقارنة بالصفات الإيجابية. فالصفات السلبية بلغت 415 صفحة، بينما الإيجابية لم تتجاوز 156 صفحة.
في دراسة أخرى أجريت على 380 كتاباً، واستهدفت تحديد الصفات السلبية التي يقوم بها العربي في تلك الكتب، تبيّن أن العربي ذُكر بالسلب 567 مرة، وصوّرت جماعاتهم بأنهم أعداء قساة، ولصوص ومخربون، ورجال عصابات، وجواسيس وناهبون للممتلكات، ومخربون لشواهـد القبـور، ومختطفو طائرات، وعملاء لدول كبرى الخ..
وحين أجريت دراسة على 470 كتاباً، لتحديد المهن والأعمال التي يمتهنهـا العـرب، تبيّن أن ترتيب هذه الأعمال كما يلي: العمل في الأرض (83)، رعي الأغنام (81)، بائع متجول (49)، عامل بسيط (87)، عامل في بيت يهودي (19)، حارس (21)، مهرب وجاسوس لدول أجنبية (47)، عامل بناء (49)، لص (29)، تاجر (27)، غير معروف (129).
وفي دراسة أجريت على 380 كتاباً ''إسرائيلياً''، من النوع الذي يُبرز العرب بصـورة سلبيـة معادية لليهود، تبيّن أنها حين تحدثت عن العرب ألحقتهم بالمهن التالية: لصوص (42 كتابـاً)، مخربون (36)، قناصون وقتلة (27)، مختطفو طائرات (31)، مغتصبو أملاك (41)، يحرقون الحقول والأشجار (17)، أعمال قاسية دون تحديد (181).
من الدراسات الأخرى اللافتة للنظر في هذا الصدد، واحدة راجعت ملامح الشخصية العربية في كتب أدب الأطفال العبري، وبعد تحقيق 520 كتاباً تبيّن أن أوصاف العربي ذُكرت في تلـك الكتب على النحو التالي: وصف خارجي منفّر بشكل عام ذكر في الكتب (57 مرة)، أحول العينين (38 مرة)، وجه ذو جروح (شطب) (41 مرة)، أنف معقوف (59 مرة)، وجه طير جارح (49 مرة)، وجه كدر ذو ملامح شريرة (77)، شارب مبروم (131 مرة)، وجه خشن (37 مرة)، ذو عاهة (47 مرة)، أسنان صفراء متعفنة (43 مرة)، عيون تبث الرعب (57 مرة).
هكذا يفكر الشباب
في رأي الباحث ''الإسرائيلي'' "يشعياهو ريم"، أن الصورة النمطية للشخصية العربية تتشكّل في وجدان الأطفال اليهود منذ الصغر، حيث يتلقَّونها من الوالدين والمقربين. وهي في مجملهـا سلبيـة أو معادية، ومن الصعب تغيير هذه الصورة بعد ذلك.
حول هذه المسألة، أجرى معهد "فان - لير" دراسة في مدينة القـدس، إستهدفـت معرفة رأي الشبيبة ''الإسرائيلية'' (600 شاب وفتاة) في مختلف أوجه العلاقة مع العرب، ومن الأسئلة التي وجهت الى تلك الفئة العمرية (ما بين 15 و 18 سنة) ما يلي:
· كيف ترى الشبيبة ''الإسرائيلية'' حقوق اليهود والعرب في هذه البلاد؟
· ما الموقف من مسألة المساواة في الحقوق بين اليهود والعرب في ''إسرائيل''؟ وكيف يفهم "إخلاص" اليهود الذين يعيشون في ''إسرائيل'' قبل عام 1948؟
· ما الموقف من مسألة رفض العرب الذين يعيشون في المناطق المحتلة عام 1967م الحصول على الجنسية ''الإسرائيلية''؟
· ما موقف الشبيبة ''الإسرائيلية'' من تأييد الحركات السرّية اليهودية التي تسعى للحرب ضد العرب (وطردهم في النهاية)؟
· بيّنت الدراسة أن الشباب الإسرائيلي منقسم الى فريقين متساويين تقريباً..
الفريق الأول عبّر عن نفسه كما يلي: 70% رأَوا أن لليهود الحق الكامل في فلسطـين، 22% رأَوا أن حق اليهود شبه كامل، الأمر الذي يعني أن 92% من الشباب اعتبروا أن حق اليهـود فـي فلسطين أمر كامل أو شبه كامل.
على صعيد آخر، فقد رأى 7% رأَوا أن للعرب حقاً كاملاً في فلسطين، بينما قرر 12% أن حقهم شبه كامل، ومجموع الإثنين 19% فقط.
الفريق الثاني كان في رأيه أن حقوق العرب في فلسطين قليلة، أو أنهم لا توجد لهم حقـوق على الإطلاق في البلاد.
أما فيما يتعلق بالمساواة في الحقوق بين اليهود والعرب، فقد جاءت نتيجة الإستطلاع كما يلي:
- 44% من أفراد عيّنة الدراسة رأَوا أن للعرب حق المساواة في الحقوق مع اليهود، مقابل 56% رفضوا مساواة العرب بهم.
والذين أيدوا حق العرب في المساواة مع اليهود، دعا 37% منهم الى إلزام الشباب العربي بالخدمة في الجيش لقاء ذلك، بينما دعت نسبة مماثلة الى المساواة بين اليهود والعرب في الخدمـة الوطنية دون غيرها.
- 50% من أفراد عيّنة الدراسة رأَوا أنه من الضروري تقليص الحقوق المالية المعطاة للعرب فـي ''إسرائيل''، وحوالى ثلث عدد أفراد العيّنة رأَوا ضرورة تقليص الديمقراطية في ''إسرائيل'' إذا كان ذلك مطلوباً من أجل تقليص حقوق العرب.
- 60% من عيّنة الدراسة رأَوا أن جزءاً من عرب 48 في ''إسرائيل'' مخلص للدولـة، مقابـل 18% رأَوا أن معظمهم ملتزم بذلك الإخلاص.
- 40% من أفراد عيّنة الدراسة أبدَوا تأييدهم لأي حركة سرّية تنتقم من العرب، و10% من هؤلاء قالوا إنهم سوف ينضمون الى مثل هذه الحركة لو طُلب منهم ذلك.
- حوالى 30% من أفراد العيّنة أبدَوا تأييدهم لآراء حركة "كاخ" المتطرفة والإرهابية الداعية الى طرد كل العرب من فلسطين!
- 60% وافقوا على طرد كل عربي من أبناء الأراضي المحتلة عام 67، إذا تمسك برفض الجنسية ''الإسرائيلية''.
إن أمثال تلك الدراسات قام بها بحاثة يهود، ومن ثم فينبغي أن تؤخذ على محمل من الجدية، وأمانة المسؤولية، وهي لا تحتاج الى أي تعليق لأنها ألقت أضواء كافية على خريطة الواقع ''الإسرائيلي''، وفيها ما يكفي أيضاً لنتصور المستقبل.
ترى: هل يتلقى العرب الرسالة ويستوعبونها؟