"إسرائيل" وملف الأمن المائي العربي

مؤتمر الأمن المائي العربي في القاهرة

 21/23 شباط 2000

 جريدة البيان الاماراتية 29/2/2000


تقوم الإستراتيجية "الإسرائيلية"على أساس مبدأ في غاية الخطورة على الأمن المائي العربي، بل وعلى الأمن القومي العربي ككل هذا المبدأ هو "أن المياه مصدر إستراتيجي تحت السيطرة العسكرية"، ولذلك سعت ""إسرائيل"" منذ البداية للسيطرة على مصادر المياه العربية، وتقول رئيسة وزراء ""إسرائيل"" السابقة "جولد مائيير": إن التحالف مع تركيا وأثيوبيا يعني أن أكبر نهرين في المنطقة "النيل والفرات" سيكونان في قبضتنا "وقد بدأت ""إسرائيل"" بتنفيذ خطتها لاستغلال المياه العربية منذ منتصف الستينيات وخاضت حرب حزيران 1967 من أجل هدف الوصول إلى المياه العربية، فاحتلت مصادر مياه نهر الأردن ومرتفعات الجولان، وأكملت ذلك بغزو لبنان عام 1982 لتكمل سيطرتها على نهر الليطاني، وبذلك حققت ""إسرائيل"" حلمها التاريخي، وأعلنت في عام 1990 على لسان خبيرها المائي "توماس ناف" "أن المياه في الأراضي العربية المحتلة باتت جزءا لا يتجزأ من ""إسرائيل""".

ومن خلال مناقشات مؤتمر الأمن المائي العربي الذي اختتم أعماله في القاهرة في 23 شباط 2000.. تم التأكيد على مفارقة غريبة، وهي أن ""إسرائيل"" أصبحت متواجدة في جميع الملفات المائية للدول العربية على النحو التالي:

- ""إسرائيل"" والملف المائي الفلسطيني: تسيطر ""إسرائيل"" على حوالي 80% من مياه الينابيع المتجددة والتي تقدر سنويًا بنحو 650 مليون متر مكعب، وتبيع الـ 20% الباقية للشعب الفلسطيني بسعر دولار لكل متر مكعب، وهو ما يعني أنها تسيطر على مخزون المياه في الضفة والقطاع.

- ""إسرائيل"" والملف المائي السوري والعراقي: في الجولان السورية تستولي ""إسرائيل"" على 40% من المياه، وهي مياه بكميات ضخمة أثبتت المسوحات أنها تعادل ضعفي كمية المياه السطحية التي تغذِّي بحيرة طبرية، والتي من المتوقَّع أن تصل إلى مليار متر مكعب، كما أن ""إسرائيل"" تتعاون مع تركيا من أجل استخدام ورقة المياه ضد العراق وسوريا والتلاعب بحصصهما في مياه دجلة والفرات.

- ""إسرائيل"" والملف المائي اللبناني: أقدمت ""إسرائيل"" على مدّ خط أنابيب للمياه من نبع العين المتفرع عن نهر الجوز، وهو أحد روافد نهر الحاصباني، وتستغل بشكل كامل مياه الحاصباني والوزاني بمعدل 145 مليون متر مكعب سنويًا، كما تسيطر ""إسرائيل"" على قسم من نهر الليطاني، وتقوم بتحويله إلى نهر الحاصباني، ثم إلى بحيرة طبرية عن طريق محطة ضخ قرب جسر الخردلي.

- ""إسرائيل"" والملف المائي الأردني: من المعروف أن ""إسرائيل"" تستولي على مياه نهر الأردن والذي ينبع من الأراضي الأردنية وتمنع الأردن من إقامة أي سدود عليه، وفي اتفاقية السلام بين ""إسرائيل"" والأردن اتفق على أن تسمح ""إسرائيل"" للأردن بتخزين 20 مليون متر مكعب من المياه من فيضانات نهر الأردن خلال فترة الشتاء وحوالي 10 مليون متر مكعب من المياه المحلاة من الينابيع المالحة المحولة إلى نهر الأردن، إلى جانب 10 مليون متر مكعب تقدمها ""إسرائيل"" للأردن في تواريخ يحددها الأردن في غير فصل الصيف، ولكن ""إسرائيل"" لم تنفذ هذه الاتفاقيات مما جعل الأردن يعاني من نقص في المياه ويسعى لشراء مياه من تركيا .

- ""إسرائيل"" والملف المائي لمصر والسودان: بدأت ""إسرائيل"" تعبث بأصابعها في منابع النيل في محاولة للتأثير على حصة مصر والسودان من المياه، وهو واضح في قيام ""إسرائيل"" بتقديم العون لأثيوبيا لإقامة سدود على منابع النيل، كما عرضت على أثيوبيا شراء مياه النيل منها.

وبذلك يصبح واضحًا أن ""إسرائيل"" نصبت نفسها متحكمة بالموارد المائية العربية، كما يلاحظ أنها تواجه قسمًا من الدول العربية بشكل مباشر، وهو الأردن وفلسطين ولبنان وسوريا، وتواجه قسمًا آخر عن طريق تركيا، وهو العراق وسوريا أو عن طريق أثيوبيا وهو السودان ومصر.

ورغم خطورة تصرُّفات ""إسرائيل"" بشأن الأمن المائي العربي.. فإن مؤتمر الأمن المائي العربي في القاهرة قد أصابته لعنة الشجب والرفض والتحذير والإدانة العربية، حيث شجب وأدان أطماع ""إسرائيل"" في المياه العربية، ورفض استخدام المياه كورقة ضغط ضد الدول العربية، وحذَّر من تحويل المياه إلى مصدر للتوتر في الشرق الأوسط واستخدام القوة في أزمات المياه، فهل هذا الشجب والرفض والتحذير أساليب فعالة وكفيلة بردع ""إسرائيل"" ومنعها من تهديد الأمن المائي العربي؟

 

احتلال ""إسرائيل"" لـ"المياه" أخطر من "الأرض"

أكَّد خبراء المياه العرب المجتمعون في القاهرة ضمن فعاليات مؤتمر الأمن المائي العربي الذي أنهى أعماله يوم الخميس 24-2-2000 أن الاحتلال المنظم الذي تمارسه ""إسرائيل"" للمياه العربية لا يقل خطورة عن احتلالها للأرض، مؤكدين أن التسوية الجارية حاليًا ستكون قد فرغت من مضمونها فيما لو ركزت على استعادة الأرض دون أن تتطرق إلى جلاء ""إسرائيل"" عن مصادر المياه العربية التي تحتلها وتسير عليها.

وأشار هؤلاء الخبراء في ندوة عقدت يوم  الأربعاء 23-2-2000 بالعاصمة المصرية القاهرة حول التهديدات ""الإسرائيلية"" للمياه العربية إلى المحاولات "الإسرائيلية" للسطو على المياه العربية في كل الدول المجاورة لها، مؤكدين أن هذا التصرف ينبع من سياسة ثابتة للعدو الصهيوني، ولا يعبر عن موقف تكتيكي ظرفي.

وفي هذا الإطار.. فقد أكَّد الدكتور نايف الرشيدي -الباحث المتخصص في شئون المياه بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية- أن قضية المياه التي تسيطر عليها ""إسرائيل"" ينبغي أن تبقى وثيقة الصلة بمحادثات السلام في الشرق الأوسط، مشيرًا في هذا الإطار إلى أن هذه المشكلة هي القنبلة الزمنية التي يمكن أن تدق طبول حرب طاحنة في المنطقة، بل وفي مناطق أخرى من العالم في القرن العشرين.

وقال الرشيدي: لقد أدرك خبراء المياه في ""إسرائيل"" أن جميع مصادر المياه في الأراضي المحتلة قبل عام 1967 استغلت بحلول عام 1979م، وبالتالي بلغ العجز المائي في ""إسرائيل"" عام 1990 حوالي (350 مليون م3) ومن المتوقع أن يصل إلى البليون متر مكعب في نهاية هذا القرن، وبناء على ذلك.. فإنه ليس من السهل أن تتراجع عن بعض من الأرض يكلفها التنازل عن لتر من الماء مشيرًا في هذا الصدد إلى تقرير أعده مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة تل أبيب يقول: إن انسحاب ""إسرائيل"" من الجولان يعني انتقال 40 مليون م3 من المياه من السيطرة "الإسرائيلية" إلى السيطرة السورية، كما أن هذا الانسحاب يحرم ""إسرائيل"" من بعض روافد نهر الأردن، ولهذا اقترحوا انسحابًا يجعل المناطق الغنية بالمصادر المائية تحت إشراف ""إسرائيل"".

وحول تأثير هذه السياسة "الإسرائيلية" على الجانب الفلسطيني.. أكد الدكتور مروان صداد -رئيس طقم المياه الفلسطيني سابقًا- أن استعادة الأرض أو التعاون في موضوع المياه لصالح الجانب الإسرائيلي أمر خطير ويفرغ الأرض المسترجعة من معناها ويجعل إمكانيات تنميتها محدودة ومكلفة، فالموارد المائية المتاحة في فلسطين أقل من الطلب المتزايد على المياه، وكذا يجب على الجانب الفلسطيني التمسك، والتشدد في الحصول على حقوقه المائية من الجانب الإسرائيلي، وأن أي متر مكعب يتم التنازل عنه للجانب الآخر كأنما تم التنازل عن قيمته للأبد.

وفي هذا الإطار أيضًا.. فقد أكد د.زكي حندش -أستاذ إدارة الأعمال بجامعة حلب بسوريا- أن أهم أسباب التوتر في العلاقات السورية التركية هو إمساك تركيا بورقة المياه لاستخدامها ضغطًا وتهديدًا ضد جيرانها سوريا والعراق.

وأضاف أن التحالف التركي الإسرائيلي لا يقتصر فقط على العلاقات العسكرية والامنية، بل يتعداها إلى إطماع صهيونية قديمة جديدة في المياه التابعة من تركيا، وإذا كانت تركيا تسعى إلى إحلال السلام محل التوتر، وتبريد بؤر الصراعات فإنها مدعوة إلى الالتزام بالمعاهدات والبروتوكولات والاتفاقيات التي وقَّعتها مع سوريا بما فيها برتوكول 1987 واتفاق نيسان 1990 وكذلك الالتزام بالمبادئ العشرة في إطار القانون الدولي، والتي تم وضعها في هلسنكي سنة 1996 وتم إدراج القسم الأكبر منها ضمن الاتفاقية الدولية التي تم إعدادها في أيار 1997 والخاصة باستخدام المجاري المائية.

أما عن الأطماع "الإسرائيلية" في المياه اللبنانية.. فقد تحدث ناصر نصر الله -المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني في لبنان-، وقال: إن الأطماع "الإسرائيلية" في المياه اللبنانية هو أبعد من أن تكون ظرفية تكتيكية، بل هي في صلب الإستراتيجية "الإسرائيلية" منذ نشأة العقيدة الصهيونية، وحتى قيام دولة ""إسرائيل""، وإن الأمن المائي الإسرائيلي مرتبط بالسيطرة على مياه نهر الأردن الذي يغذي بحيرة طبريا، ولقد أوجز أحد المسئولين ""الاسرائيليين"" بالقول: "لدينا بحران الأول مات (البحر الميت) وإذا تخلينا عن الثاني(بحر الجليل) سيكون الأمر بمثابة انتحار لنا " 

 

خبراء المياه يحذرون من أطماع اليهود في نهر الليطاني

أعلن أعضاء مؤتمر الأمن المائي العربي الذي اختتم اعماله في القاهرة في 24/2/2000 في بيانهم الختامي رفضهم استخدام المياه كورقة ضغط ضد العرب أو تحويلها إلى مصدر للتوتر في منطقة الشرق الأوسط كما أكدوا رفضهم القاطع لأية محاولات للسيطرة على المياه اللبنانية مؤكدين أن نهر الليطاني نهر لبناني من المنبع إلى المصب رافضين محاولات ""إسرائيل"" الاستئثار بالمياه الجوفية اللبنانية والهيمنة على مقدرات نبع الوزاني والجوز ونهر الحاصباني تحت ذريعة أن الحدود المرسومة بين الدولتين تشمل الأحواض السطحية والجوفية على السواء.

وكان مؤتمر الأمن العربي قد أنهى فعالياته التي استمرت ثلاثة أيام من 21 إلى 23 شباط الماضي والذي استضافته القاهرة بالتعاون بين مركز الدراسات العربي الأوروبي وجامعة الدول العربية ومجلس وزراء الداخلية العرب والمجلس العالمي للمياه ووزارة البحث العلمي المصرية بعد أن بحث عددا من المخاطر التي يتعرض لها العالم العربي نتيجة التحديات التي قد تفرضها الصراعات حول المياه بسبب افتقار المنطقة لهذه المادة الحيوية والضرورية..

وطالبت توصيات المؤتمر بضرورة صياغة رؤية عربية مشتركة للأخطار الناجمة عن أزمة المياه، وتحديد سبل وآليات مواجهتها مع الأخذ في الاعتبار أن اللجوء إلى استعمال القوة لحل أزمات المياه لن يزيد الأوضاع إلا تعقيدًا، كما انه يمكن أن يجر المنطقة إلى حروب جديدة، لا تحمد عقباها، مفضلين في هذا الإطار وسائل الحل السلمي لمنازعات المياه الدولية باعتبارها الخيار الرئيسي الذي لا بديل عنه..

وعبر المشاركون في المؤتمر عن بالغ قلقهم تجاه الانعكاسات الاجتماعية للنقص الخطير في مياه حوض نهر الفرات وتردي نوعيتها وما ترتب على ذلك من تفاقم ظاهرة هجرة الفلاحين والمزارعين من مناطق سكنهم إلى المدن الرئيسية، وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة بعيدة المدى، مؤكدين على ضرورة التعامل مع دجلة والفرات باعتبارهما نهرين دوليين مشتركين، تنطبق عليهما كافة أحكام النهر الدولي حسب ما اعترف به القانون الدولي، كما أنهما حوضين منفصلين تمامًا ولا يشكلان حوضًا واحدًا.

كما أوصى المؤتمر جامعة الدول العربية بضرورة تشكيل لجنة فنية قانونية تقوم بالوساطة بين كل من سورية والعراق وتركيا لتقريب وجهات النظر بالنسبة للموضوعات المائية المتعلقة بنهري دجلة والفرات، كما أشاد بالروح الطيبة التي أظهرتها الأطراف المشاركة لحل الأزمات المعلقة عن طريق التباحث والتفاهم.

وفيما يتعلق بمسألة المياه العربية والنزاع العربي الإسرائيلي أكد أعضاء المؤتمر أن الموارد المائية المتاحة في فلسطين أقل من الطلب المتزايد عليها، ولذا لا يجوز لطرف أن يفرض شروطه أو يستأثر دون غيره بهذه الموارد الحيوية.

كما أكدت توصيات المؤتمر على ضرورة إعداد دراسات واقعية للمخزون المائي في ""إسرائيل"" وفلسطين وتحديد الاحتياجات للشرب والري والصناعة بما يتفق وحقوق كل طرف..

وكذلك مطالبة ""إسرائيل"" بضرورة احترام معاهدات السلام الأردنية "الإسرائيلية"، وما ورد فيها. بخصوص المياه، وعدم خرق هذه الاتفاقيات لأغراض سياسية أو تحت ذرائع عدم وجود كميات مائية كافة