مياه الوزاني في انبوب صهيوني
الهام نجم
البلاد 10 حزيران 2000
مقدمة
قبل اقامة "اسرائيل"، كانت الادبيات الصهيونية لا ترى الامن والأمان دائمين الا في الحدود المائية، والنهرية منها تحديدا.
وبعد قيام هذا الكيان، كانت المياه الاستراتيجية الاولى التي صادرت السلطات الصهيونية حقوق استثمارها، حيث اصدرت في شهر آب (اغسطس) 1949 تشريعا "يؤمم المياه في البلاد ويقنن استثمارها ويعتبرها كملك عام، من حق الدولة ان تتصرف بها لاغيا كل حق للافراد عليها".
ولعل احتلال العدو لجنوب لبنان يؤكد هذه المعلومات، خصوصا اذا عرفنا ان 3 انهار تمر في المنطقة التي كانت محتلة وهي : نهر الليطاني، نهر الحاصباني، ونهر الوزاني.
ولكن بعد انسحاب "اسرائيل" عن معظم الاراضي اللبنانية ـ باستثناء بعض المواقع ـ فإن الاطماع الصهيونية في المياه اللبنانية لم تتبدل ويهر ذلك من خلال الحقائق التي برزت حول سرقة العدو لمياه نبع الوزاني. فما هي حقيقة الوضع؟
قبل الوصول إلى منطقة الوزاني، يلفت الانتباه جفاف نهر الحاصباني في احد مجاريه وهو ما يثير علامات استفهام من ان العدو قد سرق مياه الحاصباني ايضا، خصوصا ان النهر المذكور لا تجف مياهه في شهري نيسان وايار (ابريل ومايو) ولا حتى في اشهر السنة الاخرى، ولذلك القاصد لمنطقة الوزاني يكون صورة مسبقة عن ان المياه اللبنانية في المنطقة تسرق ويتأكد ذلك عند الوصول إلى الوزاني حيث مضخات تنقل المياه إلى داخل الارض المحتلة مركبة في النبع.
كيف تسرق المياه؟
حول تاريخ بدء سرقة مياه الوزاني، تتعارض المعلومات، فبعضها يشير إلى العام 1967، في حين تشير معلومات اخرى إلى العام 1975. يقع نبع الوزاني على مقربة من بلدة الوزاني لجهة الشرق، ويبدو واضحا وجود مضخات كهربائية وضعت لسحب المياه إلى بلدة الغجر التي تبعد حوالي 10 امتار من السياج الفاصل بينها وبين لبنان.
ويشير اهالي الوزاني بان قوات الاحتلال قامت بجر المياه من النبع الواقع داخل الاراضي اللبنانية عام 1967 بواسطة انبوب " 4انش" تحت الارض، وفي التسعينات اضافت انبوبين من القياس نفسه على وجه الارض.
في العام 1984، عمدت قوات الاحتلال إلى وضع شريط شائك يقتطع بلدة الوزاني والنبع ومجرى النهر بهدف طمس معالم الحدود والاستيلاء على المياه، الا ان الاهالي تقدموا آنذاك بشكوى إلى "الامم المتحدة" في ابل السقي التي تحركت سريعا وازالت الشريط الشائك دون ان تزيل التعدي على المياه.
وفي اوائل التسعينات، بدأت حفارة "اسرائيلية" كبيرة وخلال ساعات الليل بالعمل على حفر خندق يربط نبع الوزاني ببلدة "الغجر" المحتلة، وكان هذا الخط بعمق حوالي مترين واستمر العمل فيه حوالي اسبوع، ويبلغ طوله حوالي كيلومتر واحد. وعمل جيش الاحتلال آنذاك على طمر القساطل وتعبيد الارض فوقها، كما تم ربط محطة الضخ بالكهرباء انطلاقا من "الغجر" ايضا.
سرقة المياه
اما عملية السرقة، فتتم بواسطة انابيب ظاهرة للعيان ومركزة وسط النبع، حيث يوجد انابيب مخفية وهذه هي الاساس في سرقة المياه، وتستعمل هذه المياه للشفة، في حين ان بقية مياه النهر والي تنساب في المجرى الرئيسي تستعمل لري منطقة الحولة، وتبلغ عملية ضخ المياه باتجاه بلدة الغجر من عشر ساعات يوميا إلى 15 ساعة، وخلال عملية الضخ ينخفض منسوب النبع بمعدل النصف تقريبا. ولعل المضحك المبكي هو ان سكان بلدان الوزاني والبلدات المجاورة محرومون منذ العام 1975 من مياه النبع ويضطرون لشراء المياه بهدف ري المزروعات والماشية، علما ان النهر لا يبعد عن البلدة سوى كيلومتر واحد.
النهر .. لبناني
وما يثبت ان نبع الوزاني هو من الاملاك اللبنانية، اعلان مطرانية الروم الكاثوليك في مرجعيون ان نبع الوزاني والاراضي المحيطة به هي ملك وقف الكاثوليك، ولدى الوقف الحجج والخرائط وسندات الملكية كلها التي تشير إلى ان نبع الوزاني والاراضي المحيطة به كلها هي ملك الوقف وبالتالي هي ارض لبنانية. وقدمت المطرانية تقريرا مفصلا حول هذه الحقائق وطالبت الجهات المعنية بالعمل لحث كيان العدو على التراجع عن سرقته لمياه لبنان ووقف مثل هذه الاعمال والتي تعتبر تعديا على الاملاك اللبنانية. كذلك، اوضح الدكتور عصام خليفة، استاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية بان قرية "الغجر" مع قرية "النخيلة" المجاورة لها والتي احتلها كيان العدو عام 1967تشكل جزءا من مزارع شبعا وتقع بالتالي داخل الاراضي اللبنانية حسب الترسيم الحدودي الرسمي.
فالحدود بين لبنان وسوريا في هذه المنطقة يجب ان تكون على بعد 2800 متر شرقي نهر الحاصباني، وان العلامة الحدودية رقم 39 حسب الترسيم الرسمي والتي تعتبر نقطة التقاء الحدود بين لبنان وفلسطين وسوريا، تقع على نحو 300 متر غرب بانياس السورية، وهذا يعني ان "الغجر" و"النخيلة" مع مزارع شبعا التي تقع اكثر شمالا، هي داخل الحدود اللبنانية. وكثيرة هي التصريحات التي تناولت موضوع سرقة المياه، وخصوصا تلك التي تعود للسياسيين اللبنانيين حول تسييج العدو نهري الحاصباني والوزاني ومحاصرة مجاريهما.
واشار الاستاذ بطرس ونا في مقالته "الوزاني على ضفتي نسرح ولكن من مرج الخوخ نرتوي" إلى ان "ضفتا نهر الوزاني الشرقية والغربية لبنانيتان بكل مواصفات الحدود اللبنانية". معتبرا ان "حالة التسيب والفلتان وانهيار سلطة الدولة منذ السبعينات في تلك المناطق، شكلت حافزا للاسرائيليين لاقتطاع تدريجي بطيء للضفة الشرقية من النهر، إلى ان اقيمت الاسلاك وزرعت حقول الالغام "الاسرائيلية" على مسافة امتار من الضفة الشرقية للنهر. اما الضفة الغربية فلم تزل "لبنانية" لكن الدوريات "الاسرائيلية" المؤللة والراجلة تجول في المنطقة احيانا مع الاشتباه بوجود مسلحين للمقاومة او أي طارىء..". ويؤكد الدكتور فيليب زغيب الحائز على دكتوراه في اقتصاد الموارد المائية وانمائها بان العدو الصهيوني يحصل على مياه الحاصباني والوزاني كاملة.