“اسرائيل” والقرارات الدولية
الاستيطان والتهويد مثالا

 

 

نجم عبدالكريم جريدة الحياة
26/10/1988


مقدمة

تحظر القوانين الدولية الاستيلاء على اراضي الغير بالقوة، وتمنع القوانين الدولة اعلان القوة المحتلة سيادتها على مناطق احتلالها.

ووفقا للقوانين الدولية ايضا، يحظر على الطرف الذي يحتل اراضي لطرف آخر، من اللجوء إلى تغيير معالم الاراضي، عبر البناء الجديد، او هدم البناء القديم، وبما يهدف في النهاية، إلى تغيير معالم الاصل.

والقوانين الدولية تحظر ايضا، ترحيل السكان الاصليين واحلال سكان جدد مكانهم، بغرض تغيير الطبيعية السكانية لمنطقة ما.

وفي الوقت نفسه، فان القوانين الدولية، تحظر استثمار الاراضي في المجال الزراعي من قبل الطرف الذي يحتل ارضا بالقوة، كما تحظر هذه القوانين، اقتلاع الاشجار واتلاف المحاصيل الزراعية، وكل الاضرار التي تلحق اضرارا مباشرة او غير مباشرة بالواقعين تحت الاحتلال.

في الواقع، ان “اسرائيل” تخرق كل هذه القوانين، وهذا الموضوع المتعلق بالقدس، مثالا على ذلك:

 

ـ الصراع في الاراضي المحتلة لم يتوقف، ولكن تتفاوت شدته كانعكاس للاحداث، وما حدث في الايام الماضية في (ام الملح) وغيرها من المناطق الفلسطينية بسبب الاستيلاء على الاراضي عنوة من قبل “الاسرائيليين” والتوسع في بناء المستوطنات ينذر باندلاع العنف.

ويرى المراقبون ان اخطر ما يواجه العملية السلمية ويزيد في حالات التوتر اشتعالا في المنطقة، هو اصرار “اسرائيل” في المضي قدما في مشاريعها الرامية إلى بناء المزيد من المستوطنات، اذ وصف امين عام جامعة الدول العربية عملية بناء المستوطنات قائلا: "ان تصميم “اسرائيل” على اقامة المستوطنات في الاراضي العربية المحتلة يتسبب في مشكلة على جانب كبير من الاهمية، وقضية يتعين على جميع الشعوب المحبة للسلام في كل مكان ان يعنوا بها"، ومع ذلك فان القليل هو ما يعرف عنها، والمشكلة تزداد سواء.

وما تفعله “اسرائيل” الان في الجولان وهو اراض سورية في نظر القانون الدولي هو انها تقحم مواطنيها اليهود عنوة وتنشئ لهم مستعمرات داخل حدود الجولان، وتحشد المستوطنين اليهود الوافدين من دول اجنبية لاسكانهم في المستعمرات والمدن المحتلة، وتتلقى التبرعات من مؤيديها في الخارج لتوسيع نطقا استعمارها لاراضي الدول المجاورة، بل انها صارت تصدر طوابع بريدية تحمل رسوم المستعمرات داخل هذه الاراضي، وتنظيم زيارات لشخصيات عالمية وسياسية وصحافية وفنية للتجول في الاراضي المحتلة. كما تاتي بوفود تمثل مؤسسات ومنظمات اجنبية من اجل التخطيط لبناء المزيد من المستعمرات في هذه البلاد المحتلة.

ولعله من المناسب ان نسلط الضوء على محاولات الاستيطان اليهودية فوق الاراضي الفلسطينية منذ نهايات القرن الماضي عندما قام بعض الاثرياء اليهود امثال موزيس منتيفيوري (البريطاني) وادموند روتشلد (الفرنسي) حين انشأ بيتا في مدينة القدس للحجاج اليهود، وكان هذا البيت بمثابة فندق يقيمون فيه، ويقع خارج سور البلدة القديمة وعلى بعد امتار قليلة من باب الخليل وذلك في منتصف القرن التاسع عشر. واسس روتشلد سنة 1883 شركة P.I.C.A وكان لها نشاط ملحوظ سيما في منطقة حيفا، واستغل اليهود المقيمون في القدس ضعف الدولة العثمانية وانشغالها عن فلسطين، فنشطوا في البحث عن مواقع استيطانية خارج المدينة، فاتجهوا للبناء في منطقة يافا، وكان ذلك في الثلث الاخير من القرن التاسع عشر فاقاموا مدرسة زراعية يهودية جنوب شرقي يافا باسم (مكفية يسرائيل) وتعني (امل “اسرائيل”).

وفي عام 1870 بنيت مستوطنة (بتاح تكفاه) وتعني (مفتاح الامل) وتقع شمال شرقي يافا، وفي عام 1878 بنيت قرية (راس العين) ولم يعد خافيا آنذاك ان اليهود في العالم وخصوصا في بريطانيا كانوا ينادون بانشاء مستعمرة يهودية في فلسطيني ما بين 1840-1881 الا ان محاولاتهم باءت بالفشل بسبب رفض الاتراك لهذه الفكرة.

 والواضح ان مدينة القدس مهددة بتغيير معالمها، وكل الدلائل تؤكد على ذلك، فالذي قام بالتخطيط الهيكلي لما يسمى بالقدس الكبرى هم عبارة عن مجموعة من الاستراتجيين العسكريين ممن وضعوا في اعتبارهم ضمانا اكيدا لاحكام السيطرة على المدينة المقدسة حتى تصبح مساحة ـ القدس الكبرى ـ 110 كيلومترات أي ثلاثة اضعاف حجم القدس العربية قبل احتلالها عام 1967 وان تصبح نسبة عدد السكان اليهود 75 في المئة. والا تزيد نسبة السكان من غير اليهود عن 25 في المئة من مجموعة سكان مدينة القدس.

ويذكر انه جرت محاولات كثيرة لمحو اثار الحضارة العربية والاسلامية، واعطاء الصبغة اليهودية وتمثل ذلك بالاتي:

1-               ازالة حي المغاربة الاسلامي كاملا بما احتوى عليه من بيوت ومدارس ومساجد وزوايا.

2-               ازالة المدرسة الفخرية وهي المعروفة بزاوية ابو السعود التي كانت ملاصقة لسور المسجد الاقصى من الناحية الجنوبية الغربية.

3-               مصادرة مئتي دونم داخل السور لتقليل الكثافة السكانية للمسلمين داخل البلدة القديمة.

4-                بدء تنفيذ عملية اخراج اكثر من عشرين الف مسلم من القدس القديمة بمختلف الاساليب واحلال خمسة آلاف يهودي محلهم.

5-               اجراء تغييرات اساسية في حارة الشرف ـ والتي كانت تدعى بحارة اليهودـ واجلاء عدد كبير من المسلمين عن هذا الحي واسكان عائلات يهودية مكانهم.

6-                اجراء حفريات اثرية اشتملت على جنوب المسجد الاقصى في اراض تابعة للاوقاف، وحفريات اخرى لسور الحرم من الجهة الجنوبية الغربية، وفتح نفق على امتداد سور الحرم الغربي تحت الابنية الاسلامية التي تعود في تاريخها إلى العصور المملوكية والايوبية والعثمانية، وقد تعرضت معظمها إلى الدمار. ولولا انكشاف مخططهم عندما قاموا بفتح نفق تحت ساحة الاقصى وتم اغلاقه عام 1981 لاستمروا في فتح الانفاق.

وظهرت بين الفينة والاخرى اصوات عرفت عالميا بنزعتها نحو السلم وكلها تدعو “اسرائيل” إلى الامتثال لقرارات الامم المتحدة، والتوقف عن بناء المستوطنات مثل القس جاسي جاكسون الذي حاضر في ندوة اقيمت في نيويورك وقال ان المستوطنات “الاسرائيلية” التي تقام في الاراضي المحتلة تعد عقبة في طريق عملية السلام.

اولا: انها تشكل خرقا صريحا للقانون الدولي وفقا لنصوص معاهدة جنيف، فالقانون يحر على وجه التحديد اقامة مستوطنات دائمة على اراض محتلة.

ثانيا: ان هذه المستوطنات بحكم الواقع ضم لاراض تخضع لاحتلال عسكري، ومن المقرر وفقا لابحاث موثوقة ان “اسرائيل” قد عملت حتى الان على ضم ما نسبته 52 في المئة من اراضي الضفة الغربية منذ عام 1967، وهذا الضم خرق واضح للحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف، وللسكان الفلسطينيين حقهم في ممارسة تقرير مصير اراضيهم. ولذا فان الضم للاراضي وبناء المستوطنات يعد خطأ من الناحية الاخلاقية.

ثالثا: بما ان هذه المستوطنات تشكل خطأ قانونيا واخلاقيا، فمن العدل ان نصفها بانها على اقل تقدير منشئة لحالة حرب.

ومن الواضح ان هذا الامر عقبة خطيرة تقف امام عملية السلام ويتعين ان يصبح محورها اهتمام المجتمع الدولي.

واضاف القس جاكسون في محاضرته قائلا: "وكما نعلم فان سياسة الولايات المتحدة حول هذه القضية ـ قضية بناء المستوطنات ـ تعارض ن حيث التصريح الخطابي اقامة مستوطنات لصالح “اسرائيل” بينما تمول في التطبيق العملي اقامتها من خلال المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها اميركا لـ”اسرائيل”"، وكان اللورد كارادون الذي صاغ القرار 242 القى محاضرة في 24 نيسان (ابريل) عام 1985 في واشنطن قال فيها "اسيئت معاملة الفلسطينيين واهملت القوى العظمى قضيتهم، بما في ذلك بلادي، وقد حان الوقت لكي نصحح هذا السجل المخزي اما في هذا البلد ـ يقصد واشنطن ـ او في البلد الذي انتمي اليه". واضاف: "نعم انها مسؤوليتنا، مسؤولية الانكليز والاميركيين وان الامر سيكون في النهاية عارا على بلادكم او بلادي اذا رفضنا ان نعمل على رفع الاثم الذي مهد السبيل إلى معاناة اعداد كبيرة من الناس، ويمكن ان تكون القدس بوابة إلى السلام، وان تمسح تراكمات الشقاء والمعاناة والاضطهاد والضيم. نعم فان قضية القدس المهمة هي اكثر المشكلات التي يتعين معالجتها، فحيثها لا يوجد حل لمشكلة القدس، فلا يوجد سلام في المنطقة، كيف لا يكون هناك سلام في القدس التي يكتنفها الصراع والمعاناة، من الممكن تحقيق ذلك اذ اعتقد بان القدس تشكل عقبة، بل هي بوابة إلى السلام والتفاهم، والى علاقة بناءة تنشأ بين الاطراف وذلك لما فيه مصلحة الجميع".

ونظرا لما يشكله موضوع المستوطنات من خطورة كبرميل بارود قابل للتفجر في أي لحظة، اصدرت مجموعة الدول الاوروبية في اعلان البندقية عام 1980 ما نصه: "بانها ـ أي الدول الاوروبية ـ مقتنعة تماما بان المستوطنات “الاسرائيلية” تشكل عائقا خطيرا امام عملية السلام في الشرق الاوسط وتعتبر الدول التسع هذه المستوطنات، وكذلك التعديل في التركيب السكاني، والممتلكات في الاراضي المحتلة اجراء غير شرعي بمقتضى القانون الدولي".

ومع كل ما يصدر من قرارات دولية وقانونية وكلها تدين الاستيطان الا ان “اسرائيل” لم تفقد زخمها المستمر في ضم الاراضي بما فيها ضم القدس الشرقية العربية، وهو خرق صارخ للقوانين الدولية، اذ ان مجلس الامن ادان هذا التصرف مرارا واصفا اياه بانه غير شرعي، بمعاهدة لاهاي لسنة 1907 ومعاهدة جنيف لسنة 1949 تنصان بوضوح على : انه لا يجوز لدولة الاحتلال ان تكتسب سيادة على الاراضي المحتلة.

اتبعت “اسرائيل” اساليب مختلفة في تشجيع اليهود الاميركيين على شراء الاراضي في الضفة الغربية بسعر يتراوح ما بين 2500ـ 2800 دولار للدونم، وهذا ما اعلنته اكثر من شركة يهودية للاميركيين حيث تقدم الكثير منهم للشراء. والعجيب ان “اسرائيل” استخدمت اسلوبا في غاية الغرابة والالتواء في مصادرة الاراضي عندما اعلنت عن استخدام القانون التركي القديم الذي يجيز للدولة المطالبة بالاراضي غير المأهولة، التي تقع وراء مدى صوت الانسان من اقرب قرية، وتأكد ان هذا الاسلوب قد عمل على ارتفاع نسبة اراضي الضفة الغربية التي تسيطر عليها “اسرائيل” اذ بلغت 65 في المئة.

والاسرائيليون يقولونها بصراحة ولا يخفون نواياهم، ففي افتتاح احدى المستوطنات في القدس قال ميخائيل ديقل نائب وزير الزراعة “الاسرائيلي” لشؤون الاستيطان، قال: "ان “اسرائيل” ستعمل على ان يغلب عدد اليهود في المستقبل على عدد المواطنين العرب في القدس والضفة الغربية، وان الواقع السكاني العربي المكتظ سوف يتلاشى امام المخططات الاستيطانية “الاسرائيلية”".

وبالفعل قامت “اسرائيل” بتطويق المدينة المقدسة بحزام استيطاني من جهاتها الاربع، فيما تنشط في تكثيف عدد اليهود داخل مدينة القدس على حساب العائلات العربية التي تم اجلاؤها من منازلها.

يمكن ايجاز الاهداف التي تسعى اليها “اسرائيل” من تغيير ملامح مدينة القدس العربية الاسلامية، بالاتي:

1-               تثبيت غالبية يهودية مطلقة في القدس لاستخدام ذلك كورقة تقدم في أي اتفاق مستقبلي يطرأ حول المدينة.

2-                عزل القدس الشرقية عن غيرها من مناطق الضفة الغربية.

3-                اضعاف الوجود العربي والاسلامي وذلك بحرمان المواطنين العرب من السماح لهم برخص البناء تمهيدا لتهويد القدس الشرقية.