الحفريات تهدد اساسات المسجد الاقصى

مخطط التهويد في اخطر مراحله

نافذ أبو حسنة

 صحافي فلسطيني

 سوريا


 

مقدمة

عندما قال "غرشون سلمون" بأنه سيهدم المسجد الاقصى وينقل حجارته إلى مكة، جرى احتساب هذا الكلام على خيال صهيوني يهودي مريض، واليوم فان الحديث عن الحفريات التي يقوم بها اليهود تحت المسجد الاقصى، بات مقترنا بالاشارة إلى مخاطر جدية، تهدد المعلم الاسلامي الابرز.

ففي محاضرة القاها في مسجد الحاج معوز المصري بنابلس، في نوفمبر تشرين الثاني الماضي، كشف الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الاسلامية، في الأراضي المحتلة عام 1948، النقاب عن وجود حفريات لنفق ضخم تجري حاليا اسفل المسجد الاقصى وتهدد اركانه.

واوضح الشيخ صلاح ان بداية النفق هي في الزاوية الجنوبية الغربية من المسجد الاقصى، مشيرا إلى انه نزل مع آخرين لمسافة تسعة امتار، وسار اكثر من مئة متر باتجاه الحائط الجنوبي ولم يصل إلى نهاية الحفريات.

كما كشف الشيخ صلاح في محاضرته، النقاب عن وجود 25 جماعة صهيونية يهودية متخصصة بالعمل لهدم المسجد الاقصى المبارك، من بين 120 جماعة صهيونية يهودية تعمل من اجل اعادة بناء الهيكل المزعوم مكان المسجد.

يؤشر حديث الشيخ رائد صلاح، وهو واحد من انشط الشخصيات الاسلامية في فلسطين، في تنظيم الدفاع عن القدس والمقدسات الاسلامية فيها، يؤشر إلى حقيقة تواصل النشاطات الصهيونية اليهودية الهادفة إلى استكمال تهويد القدس، بما هو اهم المقدسات الاسلامية في المدينة، وبما هو، اهم مكونات هويتها الاسلامية.

 

جماعات الإرهاب ومخططات التهويد

يتزعم الحاخام الإرهابي غروشون سلمون جماعة تسمى ابناء جبل الهيكل وهو إلى حديثه المستمر عن النية بهدم المسجد الاقصى، واقامة الهيكل مكانه، يقوم بتنظيم اعتداءات متكررة على المسجد، والمصلين المسلمين فيه وهو ليس بعيدا عن تنظيم قصف للمسجد بالصواريخ، وزرع متفجرات في اساساته لتقويضه.

والى جانب جماعة سلمون، تنشط عشرات المنظمات الإرهابية اليهودية الصهيونية، من بينها ثلاثة تركز على الانشطة الاستيطانية، بالاستيلاء على العقارات القريبة من الحرم القدسي الشريف، وهذه المنظمات هي:

-     عطيرت ليوشناه.

-     عطيرت كوهانيم

-     شوفو بنيم.

وتخظى العديد من هذه المنظمات والجماعات، بدعم الحكومات الصهيونية المتعاقبة، وفي حالات عديدة، فان الكشف عن محاولات اجرامية تستهدف الحرم القدسي، من قبل هذه الجماعات، كان يجري التعتيم عليه بسرعة، او إيقاف المتورطين لأيام محدودة، قبل اطلاقهم مجددا، لمتابعة نشاطاتهم.

وقد قام هؤلاء مؤخرا باقامة مقلع من حجارة في النقب، من اجل تخصيصها لاعادة بناء الهيكل المزعوم. في حين عمدت وسائل الاعلام الصهيونية دوما إلى وصف المعتدين على المسجد ب"المتطرفين" أو بالمختلين عقليا على نحو ما جرى التعامل مع اليهودي الذي قام باحراق المسجد الاقصى، ومع الذين اكتشفوا من قبل حراس المسجد، وهم يحاولون نقل متفجرات إلى داخله.

والواقع ان من المزاعم الرسمية الصهيونية تسقط امام حقيقة استمرار الحكومات الصهيونية المتعاقبة، بتنظيم الحفريات، حول المسجد، ثم تحت أساساته، وأمام حقيقة الإصرار الصهيوني العلني على تهويد القدس، بوصفه أحد مكونات المشروع الصهيوني، وهو تهويد لا يستثني المقدسات الاسلامية، ان لم يكن يلحظها بشكل خاص، ضمن الاستهدافات.


تقويض المسجد.. مشروع قديم

تحضر في الفكر الصهيوني باستمرار المقولة الشهيرة لتيودور هرتزل، مؤسس، أو أحد ابرز مؤسسي الحركة الصهيونية، والذي يقول: "اذا حصلنا يوما على القدس وكنت لا ازال حيا، وقادرا على القيام باي شيء، فسوف ازيل كل شيء ليس مقدسا لدى اليهود فيها، وسوف احرق الآثار التي مرت عليها قرون".

يعكس هذا التصريح بوضوح النية في إزالة المقدسات الاسلامية والمسيحية من المدينة. ولاحقا اصبح الحديث عن القدس مقترنا باقامة الهيكل المزعوم، فالزعيم الصهيوني بن غوريون يقول: "لا معنى "لاسرائيل" بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل ".

وهكذا.. ما ان استكمل الصهاينة احتلال القدس عام 1967، حتى شرعوا بتنفيذ مخططهم وعلى مراحل، فتحت شعار، البحث عن بقايا الهيكل، شرح اليهود بعمليات الهدم والحفر، حول المسجد، وتحت أساساته.


مراحل الحفريات

وقد اوضحت نشرة خاصة أصدراها الحركة الإسلامية في نابلس، لمناسبة ذكرى الاسراء والمعراج، لهذا العام، المراحل العشرة المذكورة على النحو الاتي:

-     المرحلة الاولى: بدأت بعد حرب حزيران 1967، مباشرة، حيث هدم اليهود حي المغاربة بالكامل (125 دارا للسكن، ومسجدين، ومصنع للبلاستيك و 200 مخزن) لتكون الأرض جاهزة لاي اعمال حفر وتنقيب، وقد استمرت الحفريات في هذه المرحلة لسنة كاملة ووصل عمقها إلى 14 مترا.

-     المرحلة الثانية: استمرت عمليات الهدم في الاحياء الاسلامية مع اجلاء سكانها العرب، وفي هذه المرحلة حدث حريق المسجد الاقصى (1969) واقيمت في تلك الآونة، المعاهد والمدارس الدينية، والاستراحات والفنادق وغيرها، فوق انقاض الابنية العربية، وجرت الحفريات على امتداد 80 مترا حول السور، مارة حول الابنية الاسلامية.

-     المرحلة الثالثة: خلال الاعوام 1970-1972، بدأ شق الانفاق تحت اسوار المسجد الأقصى من الجانبين الجنوبي والغربي، حتى نفذت إلى الأرضية الداخلية تحت ساحة المسجد، وشملت هذه المرحلة الاستيلاء على ابنية اسلامية كثيرة منها المحكمة الشرعية.

-     المرحلة الرابعة: عام 1973، اقتربت الحفريات من الجدار الغربي للمسجد الاقصى، وتغلغلت مسافة طويلة تحته، ووصلت اعماق الحفريات في تلك المنطقة وقتها إلى 13 مترا.

-     المرحلة الخامسة: عام 1974، جرى توسيع الحفريات تحت الجدار الغربي.

-     المرحلة السادسة: 1975-1976، وفي هذه المرحلة توسعت الحفريات تحت الجدار الغربي مجددا، وازال اليهود في الاثناء، مقبرة للمسلمين تضم رفات الصحابيين عبادة بن الصامت وشداد بن اوس.

-      المرحلة السابعة: 1977، وصلت الحفريات إلى تحت مسجد النساء داخل المسجد الاقصى، وتمت في هذه المرحلة، موافقة لجنة وزارية صهيونية على مشروع بضم اقسام أخرى من الأراضي المجاورة للساحة، وهدم ما عليها بعمق تسعة امتار.

-     المرحلة الثامنة: 1979، تجددت الحفريات تحت الجدار الغربي، قرب حائط البراق، وتم شق نفق واسع طويل، تقرر الاستمرار فيه، حتى يخترق المسجد الشريف من شرقه إلى غربه، وقد تم تحصين هذا النفق بالاسمنت المسلح، واقيم كنيس يهودي صغير، افتتحه رسميا رئيس الدولة اليهودية، ورئيس وزرائه، واتخذ الكنيس معبدا مؤقتا.

-     المرحلة التاسعة: 1986، وفي هذه المرحلة، استمرت الحفريات من كل جانب، وتم اجلاء اعداد كبيرة من السكان من القدس القديمة، واغلقت السلطات "الإسرائيلية" مستشفى فلسطين، داخل البلدة القديمة، واغتصبت بيوتا عربية كثيرة، وسكن شارون في ارض واحدة منها، لتسريع العمل في تهويد القدس.

-     المرحلة العاشرة: وهي تمثل اخطر مرحلة، لان هدفها هو تفريغ الاتربة والصخور، من تحت المسجد الاقصى ومسجد الصخرة لترك المسجدين قائمين على فراغ، بحيث يكونا عرضة للانهيار والسقوط، بفعل عوامل طبيعية، أو حتى بتأثير خرق جدار الصوت من قبل طائرة.

وقد بدأت هذه المرحلة لشراسة، بازدياد التوغل تحت أرضية الساحة وحولها، انطلاقا من المحيط الخارجي للاسوار، وقد حاولت دائرة الاوقاف الاسلامية منع هذا التوغل الهادف إلى الوصول إلى قاعدة مسجد الصخرة المشرفة، فاقامت سياجا حول الأرض المجاورة للحائط الشرقي، ولكن بدون جدوى.

بديل التقويض.. تهويد الاقصى

بموازاة الخطورة التي تشكلها الحفريات المتواصلة تحت اساسات المسجد الاقصى يسعى اليهود إلى تأمين مواطئ قدم لهم داخل ساحات الحرم القدسي، ويسلكون لتحقيق ذلك بمختلف الطرق، من الاعتداءات المباشرة، إلى عمليات التزوير والتزييف، فقد تعرض المسجد الاقصى لاربعين اعتداء منذ العام 1967 حتى العام 1990، كما تعرض الاقصى لـ72 اعتداء أو محاولة اعتداء منذ توقيع اتفاق اوسلو حتى نهاية عام 1998.

وتحاول الجماعات والمنظمات اليهودية، إقامة صلوات في المسجد الاقصى، يتصدى لها حراس المسجد، فينجحون في صد هذه المحاولات حينا، ويتسلل الصهاينة إلى المسجد في احيان أخرى.

وسعى الصهاينة اليهود في اطار مواز إلى الحصول على فتاوى ممن وصفوهم بعلماء مسلمين تبيح لليهود الصلاة في المسجد الاقصى، ففي تموز/1996، نشرت صحيفة هآرتس الصهيونية، تصريحات نسبتها للمدعو عبد الهادي فالاشي الذي قدمته الصحيفة بوصفه رئيس المعهد الاسلامي في روما. وفحوى التصريحات كما وردت في الصحيفة الصهيونية ان الاسلام لا يمنع صلاة اليهود في المسجد الاقصى، وانه من الممكن السماح لهم بذلك. وورد في التصريحات أي أيضا انه ليس كل المسجد الاقصى يستخدم كمكان مسجد اسلامي، بل قبة الصخرة والمسجد فقط.

احتفت الصحف الصهيونية، بهذه التصريحات لاسابيع، واسبغت صفات على فالاشي بوصفه "عالما" و"فقيها" و"بروفسورا".. ومكمن الخطورة في تصريحات فالاشي ان الصهاينة سعوا لاستخدامها كمسوغ لاقامة الهيكل في ساحات المسجد، أو البحث في صيغ لتقاسم الحرم المقدسي مع المسلمين .

وثمة حديث في هذا السياق عن الارتكاز إلى سابقة الحرم الابراهيمي في الخليل الذي نجح الصهاينة في التسلل اليه، والاستئثار بمساحات منه لاقامة "صلواتهم".

في حين اشار الشيخ رائد صلاح في محاضرته إلى انه "يجري البحث عن حلول مقترحة في لقاءات سرية تعقد في اثينا باليونان، من بينها اقتراح باعتبار ما فوق الأرض للمسلمين ، وما تحت الأرض لليهود، واخر يقضي ببناء اعمدة ضخمة عالية في منطقة الاثار، بالجهة الجنوبية الغربية، على مستوى الاقصى من الداخل، يبنى عليها الهيكل، فيما تكون الابواب مشتركة، اما الاقتراح الثالث فيقضي ببناء الهيكل في ساحة المسجد الاقصى".

وقد نقل الشيخ صلاح عن ما وصفه بمسؤول فلسطيني كبير قوله: ان حكومة باراك تؤكد بان لا حل نهائيا حول القدس الا اذا سمح ببناء الهيكل في ساحاته.

ومعنى ذلك كله ان اليهود يخططون للسيطرة على المسجد، اذا فشلت محاولات تقويضه، والهدف في الحالين واحد: الغاء الطابع الاسلامي للقدس، والتهيئة للحلول المشؤومة التي تلغي عروبتها واسلاميتها. وفي هذا ما يجيب على التساؤل القائم منذ سنوات، حول أهداف الحفريات حول، وتحت المسجد الاقصى المبارك. فمن المعروف، ان كل الجهود التي بذلها اليهود من خلال اعمال الحفر والتنقيب، لايجاد اثار يهودية في القدس، أو في أماكن أخرى من فلسطين، فشلت تماما، إذ لم يجر العثور على أي اثر للهيكل المزعوم، تحت المسجد الأقصى، رغم كل اعمال الحفر المستمرة منذ سنوات، ومؤخرا اعترف اثاريون صهاينة بأنه لا توجد اثار لليهود في القدس وفلسطين بنتائج اعمال الحفر، ولكن الحفريات مع ذلك مستمرة، لاستكمال مخططات التهويد الصهيونية، وكأن الهدف الحقيقي المراد الوصول إليه هو جعل مقولة هرتزل واقعا قائما: إزاء كل ما هو ليس مقدسا لدى اليهود في القدس.