"اسرائيل" ومياه الجنوب اللبناني

 

* البروفسور توماس ناف.

نقل عن الحكومة الاسرائيلية اعلان في 11 ايار 1991 انها لن تتخلى عن منطقة "الحزام الامني" التي تحتلها في جنوبي لبنان، ما لم تتلقَ تأكيدات انها ستحصل على "حصة" من مياه نهر الليطاني اللبناني.

وليس هذا التصريح موقفاً جديداً بمقدار ما هو صدى لمواقف ترجع الى بداية القرن الحالي، عندما بدأ مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل ممارسة الضغط بشكل جدي لضم نهري الليطاني والاولي اللبنانيين الى المناطق المفترض ان تقوم عليها "اسرائيل".

وفي منطقة تشح فيها المياه، كان نهر الليطاني الذي يتمتع لبنان بالسيادة الكاملة عليه، مصدر اغراء لـ"اسرائيل"، لما يتحلى به دفقه من نوعية مائية وموقع، اذ تتميز مياه الليطاني بعذوبتها ولا تزيد نسبة الملوحة على 320 جزءاً في المليون، مما يجعل المياه صالحة لري اي نوع من المحاصيل وكذلك للشرب في آن.

ولقد جذبت نقاوة مياه نهر الليطاني ومنسوبه، "اسرائيل" بشكل دائم، ففي الخمسينات دعت الى تحويل مياه اللبطاني الى الجزء العلوي من نهر الاردن لاجل انتاج الكهرباء، او لتخفيض نسبة الملوحة في بحيرة طبريا، ولعل اهم خطة وضعتها "اسرائيل" للاستفادة من نهر الليطاني، هي تلك المعروفة بخطة "كونون" والتي اعتبرت وجود فائض في مياه النهر واقترحت بناء قنوات او انفاق او انابيب اصطناعية لتزويد شمال "اسرائيل" بمياه الليطاني، ولقد وضعت هذه الخطة في العام 1954. كما ان هناك خطة معروفة بخطة "جونسون" تم وضعها في العام 1955 بالتعاون بين "اسرائيل" والولايات المتحدة.

وعلى امتداد العقود الماضية. كان الاسرائيليون يصرون على تقاسم مياه نهر الليطاني للحصول على مياهه العذبة ولانتاج الكهرباء بسعر اقل. وفي العام 1964، توصل لبنان بمعية الجامعة العربية الى بلورة مشروع تنمية المناطق التي يمر فيها هذا النهر داخل الاراضي اللبنانية. وهو ما دفع "اسرائيل" الى اطلاق تهديدات فورية باللجوء الى عمل عسكرية انتقامي، كما جوبه المشروع المذكورة بمعارضة الولايات المتحدة، مما ادى الى ايقافه، وقبل ذلك كانت "اسرائيل" قد عرضت امكانية شراء مياه من هذا النهر، الا ان ذلك بيّن ان المزارعين اللبنانيين ستتعرض حاجاتهم الى الشح، وهم الذين لا يحصلون على كميات وافية بالاساس، اضافة الى ان مثل هذا الامر ولد خشية لدى لبنان والاطراف العربية الاخرى، من امكانية ان تزيد "اسرائيل" من مطالبتها بمياه دول الجوار.

وعملياً، اكدت المذكرات التي نشرها رؤساء الوزارة الاسرائيلية، وخاصة ديفيد بن غوريون وموشيه شاريتن مشروعية المخاوف اللبنانية من الاستيلاء على مياه نهر الليطاني، فالواضح ان ضم الجنوب اللبناني والحصول على كميات من المياه اللبنانية، كانا من الموضوعات التي غالباً ما تعرض على مجلس الوزراء الاسرائيلي لمناقشتها في الاربعينيات والخمسينيات والستينيات، وهو الامر الذي تحقق لـ"اسرائيل" في العام 1978 عندما اجتاحت الجنوب اللبناني وتمكنت من السيطرة على نبعي الوزاني والحاصباني لزيادة مستوى تدفق المياه الى نهر الاردن ومد الانابيب لنقلها.

واما الاجتياح الاوسع، في العام 1982، فسمح لـ"اسرائيل" بالسيطرة على الليطاني السفلي وخزان سد القرعون، وثمة ادلة وافية على ان مهندسين اسرائيليين اجروا دراسات للتكاوين الجوفية واعماقها وتعيين عمق الكتلة المائية. واجروا مسحاً طوبوغرافياً شاملاً في القسم المحتل من لبنان، كما ان امكانية تحويل نهري الحاصباني والليطاني نوقشت مرات عديدة في مجلس الوزراء الاسرائيلي بعيد غزو لبنان، واقترح آنذاك، امكانية ازالة سد القرعون ونفق مركبا لاجل الحصول على كمية مياه تصل الى 500-600 مليون متر مكعب، الا ان هذا الفعل، كان يتطلب احتلال منطقة وادي البقاع اللبنانية، الامر الذي ينطوي على مغامرة عسكرية واسعة غير معروفة العواقب، نظراً لمحاذاة منطقة البقاع للحدود السورية، وعلى العموم عندما دخلت القوات الاسرائيلية الى العاصمة اللبنانية بيروت، استولت على الخرائط المائية اللبنانية، وما تزال "اسرائيل" تتحدث عن فائض في مياه نهر الليطاني يبلغ 300 مليون متر مكعب سنوياً، وفي المنطقة المحتلة من جنوبي لبنان. تفرض "اسرائيل" قيوداً شديدة على اللبنانيين لجهة استخدامهم للمياه او لجهة حفر آبار ارتوازية.

وازاء ذلك، ثمة اسئلة عدة يطرحها الوضع الحالي في جنوبي لبنان، هل تنوي "اسرائيل" نقل كميات كبيرة من المياه الى داخل "اسرائيل"؟؟ وهل تقوم بذلك بالفعل؟؟ وهل تربط "اسرائيل" انسحابها النهائي من لبنان بحاجاتها المائية؟؟ وما هي الحصة التي تريدها؟؟ وهل حاجتها للتحكم بإمدادات المياه ستفرض عليها عدم الانسحاب من لبنان؟؟ وما مدى صحة ما يقال عن خطة الاعمار والبناء في لبنان والتي قد تستهلك 80 في المائة او اكثر من مياه الجنوب؟؟.

ان الاجابة على مثل هذه الاسئلة تنطلق من تقدير "اسرائيل" لحاجاتها المائية، فالفرد فيها يستهلك ما بين 280-300 ليتر من الماء يومياً، وفاقمت هجرت اليهود الروس حاجة "اسرائيل" الى المياه، كما ان اعتماد "اسرائيل" على الزراعات المروية ترفع سقف حاجتها للماء، واذا ما اشير الى ثلث حاجة "اسرائيل" الثابتة للمياه تأتي من الاراضي المحتلة. فيعني ان لذلك دلالة هامة بالنسبة لاطماعها في المياه اللبنانية، ذلك ان "اسرائيل" ستلجأ الى اعتماد الفعل الذي سيخفض من سقوف الصرف المالي على جلب المياه، فلا تحلية مياه البحر قد تفي بالغرض نظراً لكلفتها الباهظة، ولا شراء الماء ودفع ثمنه قد يحقق آمالها.

وهنا، بقي لدينا، ان نطرح الاسئلة المتعلقة بسحب "اسرائيل" للمياه اللبنانية، واذ تنفي "اسرائيل" حدوث هذا الامر، فان المصادر المتوافرة تقول ما يلي:

  1 -  ان "اسرائيل" تسحب مياهاً لبنانية من الروافد والينابيع كنبعي الوزاني والحاصباني.

  2 -  "اسرائيل" تنقل مياه الليطاني عبر الصهاريج الى داخل الاراضي المحتلة.

ان اجمالي ما تأخذه "اسرائيل" يوازي نحو 100 مليون متر مكعب سنوياً.

ومهما يكن من امر الكمية، كبيرة كانت او قليلة. فانها تسحب من اراضٍ لبنانية ومن مياه لبنانية، وذلك انتهاك للحقوق اللبنانية كما يحددها القانون الدولية.

واخيراً، ليس امام "اسرائيل" لحل ازمتها المائية سوى احد هذين الخيارين:

- اما ان تعيد بناء اقتصادها بحيث تكف عن الاعتماد على الزراعات المروية التي تتطلب استهلاكاً كثيفاً للمياه.

- واما ان تقوم بتحويل نهر الليطاني مستخدمة وسائلها العسكرية لتحقيق ذلك.


* البروفسور توماس ناف(استاذ تاريخ الشرق الاوسط في جامعة بنسلفانيا - الولايات المتحدة الامريكية).

* محاضرة القيت في جامعة اكسفورد في الرابع من تشرين الاول 1991.