القانون الدولي ووضع القدس

د. عبدالناصر الفرا/ كاتب خليجي

عن جريدة الاتحاد ـ الامارات 15/9/2000


مقدمة:

كان تشييد مدينة  القدس في القرن الثامن عشر قبل الميلاد على يد الكنعانيين الذين اتوا من جزيرة كريت، ثم احتلها اليهود في القرن العاشر قبل الميلاد أي في عهد داود ـ عليه السلام ـ وفي عام 587 قبل الميلاد دمرها البابليون وطردوا اليهود منها. وشهدت القدس غزوات كثيرة على يد الفرس واليونانيين والرومان، ثم نجح العرب في فتحها، وبعد ذلك بعدة قرون دخلها الاتراك.

 

وللقدس مكانة مقدسة خاصة لدى الديانات الثلاث، ومن ثم لها اهمية دينية وروحية لحوالي الف مليون من النصارى وحوالي سبعمائة مليون مسلم.

وقد حكم المسلمون القدس حوالي اثني عشر قرنا منذ 638م حتى 1917م، باستثناء الفترة التي سيطر عليها الصليبيون الى ان طردهم القائد المسلم صلاح الدين الايوبي، واثناء الحكم العثماني كان للقدس مكانة خاصة حيث تمتعت بحكم ذاتي في الفترة من 1877م حتى 1888م، الا انها بقيت مرتبطة بالاستانة.

وبعد ان انتصر الحلفاء على المحور في الحرب العالمية الاولى خضعت للانتداب البريطاني من عام 1922 حتى 1948، بعد ان نجحت بريطانيا في فصل القدس عن الامبراطورية العثمانية، وفي التاسع والعشرين من نوفمبر 1947م، قررت الجمعية العامة التابعة لمنظمة الامم المتحدة تقسيم فلسطين الى دولتين احداهما عربية والاخرى يهودية. اما القدس فقد اعتبرتها منطقة دولية، ولكن العرب واليهود تجاهلوا مسألة تدويل القدس، وبقيت القدس الجديدة تحت الاحتلال والسيطرة اليهودية، اما القدس القديمة فبقيت تحت السيطرة العربية حتى يونيو (حزيران) 1967، عندما احتلت اسرائيل القدس القديمة ايضا.

وعلى الرغم من ان الكيان الصهيوني قوة احتلال عسكري الا انه تصرف وكأنه دولة ذات سيادة فقام بضم القدس القديمة الى الجديدة وجعلها ـ عاصمته الابدية، وكان ذلك في 30/5/180، فما كان من مجلس الامن الا ان ادان الاجراء الصهيوني في قراره رقم 478. كما ادانته منظمة المؤتمر الاسلامي في اجتماعها بمدينة فاس بالمغرب في 20/9/1980. ولهذا وجب علينا ان نمعن النظر في الوضع القانوني لمدينة القدس من خلال القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة.

 

الشعب الفلسطيني وحق سيادته على القدس

كانت فلسطين جزءا من الامبراطورية العثمانية الى ان جاء الانتداب البريطاني عام 1917. والحرب العالمية الاولى وضعت سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي وكلا من العراق وفلسطين وشرقي الاردن تحت الانتداب البريطاني. بالنسبة للعراق ثار واعلن استقلاله وفقا للقانون الدولي وميثاق عصبة الامم المتحدة المادة (2)، ولكن مخطط الانتداب البريطاني لم يعمل على اعطاء السيادة للشعب الفلسطيني على بلاده رغم وضوح القانون الدولي بهذا الشأن وفقا لميثاق العصبة القائل ان الانتداب لا يكسب حقا شرعيا بالسيادة على القطر المنتدب عليه.

وبهذا يتضح ان السيادة على مدينة القدس كجزء لا يتجزأ من فلسطين كانت في جميع المراحل السابقة امرا بيد الشعب الفلسطيني سواء في عهد العثمانيين او اثناء الانتداب البريطاني.

اما بالنسبة لحرب 1948. والاحتلال الصهيوني للقدس، فهما سببان في عدم ممارسة الشعب الفلسطيني لسيادته بعد ان اشرف الانتداب البريطاني على الانتهاء.

 

قرار الامم المتحدة حول تدويل القدس

في 29 نوفمبر 1947، اصدرت الجمعية العامة قرار رقم (181) يشير هذا القرار الى جعل مدينة القدس مدينة دولية لها قوانينها الخاصة بها ويقوم مجلس الوصاية التابع للامم المتحدة باعمال السلطة الادارية بالقدس.

وما يجب توضيحه في سياق هذا القرار هو انه لم يجرد الفلسطينيين من سيادتهم على القدس، لان سكانها احتفظوا بالسلطة القضائية والتشريعية والضرائبية، والذي يتمتع بهذه السلطات الثلاث يتمتع بحق السيادة، هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى فان الوثائق التاريخية للقدس تثبت الحق الفلسطيني لهذه المدينة المقدسة.

والجدير بالذكر هو ان الاحتلال الصهيوني لم يلغ القرارات التي صدرت عن الامم المتحدة الخاصة بالقدس وفلسطين والتي تنص على عودة الفلسطينيين الى بلادهم وعلى ابطال الاجراءات غير القانونية التي يمارسها الكيان الصهيوني سواء بحق القدس او بحق أي بقعة من بقاع فلسطين. ولقد اتخذت الامم المتحدة عدة قرارات خاصة بالقدس، وفي هذه القرارات ادانة صريحة للكيان الصهيوني، وخاصة قرار ضم القدس، وهذه القرارات الغت بصورة واضحة الانتهاكات الصهيونية لوضع القدس القانوني. ومن هذه القرارات:

 

قرار مجلس الامن قرم (253) في 21 مايو 1968. وقرار الجمعية العامة رقم (532) في 28 فبراير 1977.

ان الوضع المميز الذي تبنته الامم المتحدة من اجل وضع حد للاجراءات غير القانونية التي يتخذها الكيان الصهيوني بشأن القدس هو امر مهم من زاويتين:

 

اولا:

ان القرارات الخاصة التي اتخذت من قبل الامم المتحدة بخصوص تدويل القدس لم تطبق عمليا الا ان هذه القرارات تم الاعتراف بها ونالت دعما كبيرا من اجل الغاء الاجراءات التي اتخذها الكيان الصهيوني في القدس والتي لا تتماشى مع وضع القدس.

 

ثانيا:

ان النتائج القانونية للتدويل تنطبق على المناطق المنفصلة او المستقلة للمدينة بشطريها القديم والحديث بحيث كل ما يسري على الشطر الحديث من قرارات يسري على الشطر القديم وبالعكس وبدون تفرقة، وترتب على اختراق الوضع الشرعي لمدينة القدس من قبل الكيان الصهيوني عدة قرارات دولية شملت هذه القرارات الملاحظات آلاتية:

عدم شرعية احتلال وضم القدس.

طلب من الكيان الصهيوني الجلاء عن القدس.

اصرت على الغاء جميع الاجراءات التشريعية والادارية والديموغرافية والعقارية التي اتخذها الكيان الصهيوني بهدف تغيير وضع القدس.

 

احتلال وضم القدس

السؤال الان : هل احتلال مدينة القدس وضمها اثّرا على وضعها القانوني؟

للاجابة على هذا السؤال يجب التمييز بين فترتين:

الاولى: من عام 1948 حتى عام 1967، والثانية من عام 1967 حتى وقتنا الحاضر. في الفترة الاولى كانت مدينة القدس تخضع لاشراف اردني واحتلال صهيوني، كان الشطر الجديد منها يخضع لاحتلال صهيوني، بينا الشطر القديم يخضع لاشراف اردني.

ولكن الذي يجب ملاحظته هو ان هناك فرقا بين الاشراف الاردني على الشطر القديم، وبين الاحتلال الصهيوني للشطر الجديد، فالاحتلال والضم الصهيونيين يعتبران خرقا واضحا لمبادئ القانون الدولي، ولانه تم على يد قوة احتلال، وضد رغبات سكان القدس الاصليين. اما الاشراف الاردني على الشطر القديم فكان نتيجة للوحدة الاردنية ـ الفلسطينية التي وضع اركانها عدد من الفلسطينيين والاردنيين في 24 ابريل 1950.

اما بعد حرب 1967، والاحتلال الصهيوني لكامل التراب الفلسطيني فقد قام الكيان الصهيوني بضم الشطر القديم.

والذريعة التي يتداولها الكيان الصهيوني حول ضم الدينة كاملة له هي ـ في نظره ـ الحق التاريخي والتوراتي لاستعادة عاصمة مملكة داوود وابنه سليمان عليهما السلام قبل ثلاثين قرنا تقريبا. والواقع ان في هذه النظرة مغالطات عديدة لعدة اساب واقعية ومنطقية مستمدة من التاريخ الموثق اهمها:

اولا: ان يهود قرننا هذا والذين هاجروا ابان الانتداب البريطاني الى فلسطين مستغلين الانتداب آنذاك ليسوا في حالات كبيرة من سلالة اليهود القدماء ولكنهم تهودوا لاغراض سياسية، وبهذا الصدد اوضح جوزيف ريناسن وهو يهودي فرنسي: ان عددا محدودا جدا من اليهود المعاصرين لهم صلة بفلسطين وان الغالبية العظمى من اليهود الروس والبولونيين شكلوا الاغلبية بين اليهود المهاجرين الى فلسطين خلال فترة الانتداب.

ثانيا: لو افترضنا ان يهود عصرنا هذا هم اليهود القدماء، سلالة داود وابنه سليمان ـ عليهما السلام ـ ايضا لا يكون لهم الحق بالمطالبة بالقدس او بأي جزء من التراب الفلسطيني وفقا للقانون الدولي. ففي عام 1919، طالبت لجنة كنج كراين بناء على اقتراح الرئيس الاميركي السابق ولسن للتحقيق في رغبات عرب فلسطين، وهذه اللجنة لخصت القول وفقا لميثاق عصبة الامم مادة رقم (22) بالاتي: ان من الصعب الاخذ بعي الاعتبار الادعاءات التي قدمها ممثلو الحركة الصهيونية، من ان حقهم في فلسطين مبني على احتلالها من قبل اليهود قبل الفي عام، لهذا لا يستطع الكيان الصهيوني اليوم الادعاء بانه الوريث لتلك الدولة التي انشأها داود وسليمان (عليهما السلام) في العصور الغابرة، لان الوراثة في القانون الدولي تكون نتيجة لتنازل عن حق السيادة من قبل السكان الاصليين، لا عن طريق الفتح او التجزئة والتقسيم.

وفي العرف السياسي ووفقا للقانون الدولي لا يكون التنازل الا اذا تخلت دولة ما عن حقوقها وامتيازاتها وسيادتها في اقليم ما تابع لها لصالح دولة اخرى ويكون هذا نتيجة لهزيمة ما او صلح ما او لبيع ميعن او على سبيل المبادلة او الهبة. فمثلا في عهد الرئيس الاميركي روزفلت والرئيس الروسي خورشوف باعت روسيا منطقة الاسكا لاميركا. وحول مملكة داود ـ عليه السلام ـ التي انشأها قبل حوالي ثلاثين قرنا فقد لفها غبار التاريخ وتلاشت ولا يوجد لها اثر في واقعنا الحاضر، وحول الادعاءات الصهيونية بوجود هيكل سليمان ـ عليه السلام ـ تحت منطقة المسجد الاقصى، فما هذه الادعاءات الا اسطورة لا اثر لها في الواقع.

ثالثا: لقد بنى الكنعانيون مدينة القدس في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، والكنعانيون جاءوا الى فلسطين من جزيرة كريت اليونانية، وهم اول من اسس فلسطين وعاشوا بها وهم اجداد الفلسطينيين الحاليين، وبقوا فيها حتى بعد مجيء الملك داود اليها.

وتجدر بنا الاشارة الى ان الرومان نفوا اليهود من القدس بعد تمردهم خلال الفترة 132ـ 135م، ولم يبق أي يهودي في القدس المدينة.

ومنذ ذلك الوقت اصبحت القدس عربية بسكانها وشخصيتها طيلة القرون السابقة حتى القرن التاسع عشر حيث تغيرت ديموغرافيتها نتيجة للانتداب البريطاني ووعد بلفور الذي اعطى من لا يملك الى من لا يستحق.

لهذا نقول ان ضم الكيان الصهيوني للقدس لم يفتقر الى اسس قانونية فقط بل انعدام هذه الاسس، ويعتبر الضم خرقا صريحا للقانون الدولي ولقرارات الامم المتحدة وحقوق الشعب الفلسطيني. ولهذا يتضح ان التهديد الاخير للرئيس الاميركي كلينتون بنقل السفارة الاميركية للقدس قبل نهاية عام 2000، امرا منافيا للقانون الدولي وللاعراف الدولية، وما مثل هذه التهديدات الا لتحقيق المكاسب الانتخابية.