الاستيطان اليهودي في القدس ومحيطها
د.خليل الشقاقي
(اكاديمي فلسطيني)
مقدمة
أقدمت "إسرائيل" في العام 1967على ضم مدينة القدس الشرقية العربية لسيادتها عندما طبقت القانون "الإسرائيلي" على المدينة. وفي عام 1980 اقر الكنيست"القانون الأساسي : القدس عصمة "إسرائيل"" الذي أكد على ان "المدينة الموحدة"هي عاصمة الدولة اليهودية وفيها توضع مقار الرئيس والكنيست و الحكومة والمحكمة العليا. وقد رفضت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عموما هذه الاجراءات، ولم يعترف أحد ذو شأن بهذه الخطوات "الإسرائيلية" غير المشروطة.
كانت مساحة مدينة القدس الشرقية عند سقوطها في العام 1967 تبلغ حوالي ستة كيلومترات مربعة. عند ضم المدينة العربية لـ "إسرائيل" قامت الدولة اليهودية في الوقت نفسه بتوسيع حدود بلديتها بإضافة 28 قرية وبلدة ومنطقة فلسطينية مجاورة لتصل مساحتها إلى اكثر من 70 كيلومترا مربعا، ثم قامت بدمج بلدتي القدس الشرقية والغربية لتصبح مساحة المدينتين معا 108 كيلومترات مربعة.وقد أعادت "إسرائيل" توسيع حدود القدس الغربية في العام 1993 بإضافة 15 كيلومترا مربعا لها.
عند اختيارها للمناطق العربية التي تم ضمها للقدس حاولت "إسرائيل" تجنب ضم سكان العديد من القرى حتى عندما ضمت أرضي تلك القرى.كما عملت على ضم المناطق المشرفة على محيط المدينة والتي اعتبرتها ذات قيمة عسكرية أردنية قبل عام 1967، كما ضمت البلدة القديمة واماكنها المقدسة بالإضافة إلى منطقة الجامعة العبرية وجبل المشارف، وضمت مطار قلنديا ليكون للمدينة مطار خاص بها.
تتمتع القدس بقيمة سياسية وجيو ـاستراتيجية حاسمة في أي ترتيبات بشأن المستقبل الفلسطيني. فهي اكبر مدينة فلسطينية في الضفة الغربية حيث يعيش فيها اكثر من مئتي ألف فلسطيني ، تشكل المدينة بالنسبة لهم ولبقية الفلسطينيين مركزا روحيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا،وحلقة توصل جغرافي بين شمال ووسط الضفة الغربية وجنوبها حيث يمر من خلالها الطريق الوحيد المباشر الرابط بين مدينتين فلسطينيتين رئيسيتين هما رام الله في شمالهما وبيت لحم في جنوبها. ومن خلالها أيضا يمر الطريق المباشر الرابط بين هاتين المدينتين ومدينة أريحا في الطريق إلى نهر الأردن وعبر الأردن للمشرق العربي. بدون سيادة فلسطينية على المدينة، فان قدرة الدولة الفلسطينية على تحقيق التطلع الفلسطيني للاستقلال والتكامل والترابط الجغرافي سيكون مشكوكا.
لكن القدس لا تتمتع بنفس المكانة الجيو ـ استراتيجية بالنسبة للدولة اليهودية. فهي لا تربط بين أي من مناطقها أو مدنها الرئيسية، وهي بعيدة عن التجمعات السكنية اليهودية وعن المراكز الاقتصادية للدولة، وتسكن غالبية سكانها اليهود في المنطقة الغربية منها.
وبالنسبة لدولة صغيرة فتن محاولات تحويل المدينة إلى عاصمة كبرى هي محاولات مصطنعة، إذ ان عاصمة القدس تبقى رغم مكانتها التاريخية مدينة جبلية متوسطة الحجم وكل محاولات توسيعها شمالا وشرقا وجنوبا مدفوعة باعتبارات قومية سياسية وأيديولوجية واستعمارية.
صحيح ان للمدينة أهمية دينية وتاريخية بالغة بالنسبة لليهود، لكن مكانة المدينة في الإسلام في الماضي والحاضر ودوره الديني في حياة السكان المسلمين والمسيحيين الفلسطينية اليومية يفوق أي دور تلعبه في حياة السكان اليهود. بل ان الغالبية العظمى من اليهود لا تعرف القدس العربية وتتجنب المرور بها.
رغم هذا الفرق في قيمة المدينة ومغزاها لطرفي الصراع عليها، فان نجاح الدولة اليهودية من خلال عملية الاستيطان في خلق واقع مادي جيواستراتيجي وفشل الطرف الفلسطيني في مواجهته بفاعلية حتى اليوم يجب الا يأتي لأحد كمفاجأة.فقد أخذت عملية الاستيطان اليهودي في تثبيت أرجلها على ارض الواقع خلال عقود من العمل "الإسرائيلي" ذي الإرادة السياسية الواضحة وباستثمارات مالية واسعة في لحظات الهزيمة العربية والفلسطينية العسكرية والنفسية، وفي وقت من التشرذم والخلاف العربي اربك واضعف العلاقة الحضارية العربية ـ الإسلامية والمسيحية بالمدينة المقدسة.
الأبعاد الجيواستراتيجية للاستيطان اليهودي في القدس
1ـ البلدة القديمة والبعد الحضاري للاستيطان
عملت "إسرائيل" بسرعة وفعالية من اجل طمس ونفي الماضي العربي والاسلامي للمدينة القديمة واعطائها طابعا يهوديا.
وقدت اشتمل ذلك على هدم أحياء عربية لتوسع الحي اليهودي، وهدم أبنية ومواقع ذات فن عمارة تاريخي هام وذي قيمة أثرية، وشن حرب ثقافية بتغيير الأسماء والمواقع، ونقل سكان فلسطينيين واستبدالهم بيهود، وتغيير الطابع المعماري الإسلامي، وتقزيم مكانة مواقع تاريخية إسلامية، وبناء معالم عمرانية جديدة داخل وخارج حدود البلدة القديمة تشرف على تلك المواقع وتهيمن عليها، من كل ذلك هدفت الدولة "إسرائيل" إلى تغيير التوازن الديني في المدينة بإبراز كل ما هو يهودي وطمس كل ما هو غير ذلك.
قامت "إسرائيل" بمصادرة اكثر من 700 مبنى في البلدة القديمة، جزء كبير منها يعود للوقف الإسلامي، وقد تم طرد 6 آلاف فلسطيني لبناء الحي اليهودي، حيث تم بناء اكثر من 550وحدة سكنية ليهود تم إسكانهم في المدينة، وقدت رافق ذلك بناء العديد من الكنس والمراكز التجارية والمرافق العامة. كما منعت السلطات "الإسرائيلية" الفلسطينيين من امتلاك مساكن أو السكن في الحي اليهودي.
وقامت بهدم منازل عربية بلغت حوالي 135 منزلا هي مجموع حارة المغاربة بهدف فتح مساحة كبيرة امام حائط المبكى كمقدمة لإعطاء الحائط بعدا قوميا ودينيا وجعله معلما دينيا مركزيا للحياة اليهودية.
كذلك جعلت "إسرائيل" من إعادة كتابة التاريخ هدفا مركزيا من خلال الحفريات الأثرية التي قامت بها في مختلف أنحاء المدينة، وخاصة حول الحرم الشريف، حيث أرادت خلق انطباع بملكيتها الثقافية لهذه المواقع في محاولة لإعطاء شرعية للسرد التاريخي اليهودي، وبالتالي لحقها في السيادة على المدينة. وربما كان فتح النفق في عام 1996 بدون تشاور مع أي طرف فلسطيني أو عربي، رغم مرور هذا النفق بموازاة الحرم الشريف، وتحت الحي الإسلامي، محاولة جديدة لادعاء ملكية المدينة وتاريخها. وفي الحقيقة، فان متحف مدينة القدس "الإسرائيلي" يسرد تاريخ المدينة منذ دخول الملك داوود البها متجاهلا الفي سنة من التاريخ قبل ذلك وحوالي الفي سنة بعد تدمير الهيكل الثاني مظهرا ذلك كتاريخ غزاة للمدينة حتى قيام الدولة اليهودية.
وربما للسبب ذاته قامت الدولة اليهودية ببناء المئات من الكنس التي يزيد عددها اليوم عن 1100 في كل أنحاء المدينة والبلدة القديمة مقابل 40 مسجدا و 97 كنيسة فقط.
2 ـ البعد الإقليمي
عملت السياسة الاستيطانية "الإسرائيلية" على ضم المدينة العربية للقدس الغربية ومن ثم توسيعها لمدينة كبيرة ممتدة الأطراف باتجاه الشرق والشمال والجنوب داخل الضفة الغربية.
لقد هدفت هذه السياسة إلى تكبير وتعظيم مكانة المدينة لتصبح مدينة عالمية كبرى للدولة اليهودية تضاهي مدنا كبرى مثل القاهرة أو لندن أو نيويورك، وقد هدف التوسع الأعمق إلى الشرق باتجاه الأردن إلى جعل المدينة مدخلا للمشرق العربي وعنوانا لـ "إسرائيل" في ذلك المشرق.
للبعد الإقليمي للاستيطان جانبان:
التوسع "الإسرائيلي" ببناء مستوطنات يهودية في مناطق استراتيجية، وفي الوقت ذاته خنق إمكانات التوسع الإقليمي العربي في المدينة. قامت "إسرائيل" فور احتلالها للمدينة بتنفيذ برنامج واسع النطاق داخلها وفي محيطها فبنت في المرحلة الأولى مستوطنات رامات أكولـ جعفات همفتار والتلة الفرنسية بهدف وصل منطقة الجامعة العبرية وجبل المشارف (سكوبس) بالقدس الغربية، لكنها بذلك تمكنت أيضا من فصل المدينة العربية الشرقية عن محيطها العربي إلى الشمال باتجاه شعفاط وعناتا وبيت حنينا والرام.
في المرحلة الثانية التي ابتدأت في مطلع السبعينات تم بناء أربع مستوطنات "إسرائيلية" كبيرة لاحكام الطوق حول المدينة العربية ومنع فصلها مستقبلات. فتم بناء مستوطنات النبي يعقوب (نيفي يعكوف) في الشمال، وتالبيوت الشرقية إلى الجنوب من البلدة القديمة، وجيلو في أقصى الجنوب، ورمات الون إلى الشمال الغربي. ارادت "إسرائيل" بهذه الخطوة ان تجعل من مفهوم الخط الاخضر قضية قديمة ومنتهية.
في المرحلة الثالثة التي استمرت منذ منتصف الثمانينيات أخذت "إسرائيل" في تعزيز سيطرتها الاقليمية على القدس العربية واحكام الطوق على الجزء العربي من
القدس الشرقية بهدف منع قيام تواصل عمراني بين هذا الجزء وبين القرى والبلدات والمدن الفلسطينية الواقعة خارج القدس. تم في هذه المرحلة مستوطنة بسغات زئيف بهدف اغلاق الفراغ الاقليمي بين جبل المشارف (سكوبس) ومستوطنة النبي يعقوب، وها هي اليوم تقوم ببناء مستوطنة هارحوماه بهدف اغلاق الفراغ الاقليمي بين مستوطنة جيلو من جهة وبين مدينة بيت لحم والاحياء العربية في ام طوبا وصور باهر من جهة أخرى فتحقق بذلك هدفين : خنق التمدد العمراني لبيت صفافا العربية، ومنع حدوث تمدد عمراني يربط بين بيت لحم بام طوبا وصور باهر.
في الجانب الآخر قامت "إسرائيل" بخنق التمدد العمراني العربي حيث قامت الدولة اليهودية بمصادرة 24 كلم2 من القدس العربية الشرقية بحدودها الموسعة (أي من 70 كلم2) لبناء مستوطنات يهودية فتم بذلك الاستيلاء على 33% من الأراضي العربية، تبع ذلك قيام السلطات اليهودية بالإعلان عن 24 كلم2 إضافة كمناطق مفتوحة لا يجوز البناء العربي بها ( وهذه كانت دوما مقدمة لبناء مستوطنات يهودية على المناطق المفتوحة)، فيتبقى للسكان العرب 22كلم2 فقط منها 13 كلم2(19%) هي مناطق المرافق العامة كالطرق والمدارس وغيرها والبقية (9 كلم2 أو 14% من مساحة المدينة العربية) هي مناطق الاحياء العربية القابلة للتطوير.
تمثل بلدة العيسوية الفلسطينية نموذجا صارخا لطبيعة التصميم "الإسرائيلي" القاهر على تحجيم الوجود الاقليمي الفلسطيني داخل حدود المنطقة العربية من القدس. في هذه البلدة الواقعة بين مستوطنة التلة الفرنسية والجامعة العبرية يعيش 7 آلاف فلسطيني. كان للمدينة 10 آلاف دونم من الأراضي عند احتلال القدس العربية عام 1967، قامت "إسرائيل" بضم ثلاثة آلاف دونم من البلدة إلى حدود بلدية القدس ثم قامت بمصادرة ألف دونم منها لبناء مستوطنة التلة الفرنسية، ثم قامت بعد ذلك بإعادة رسم حدود البلدة وتقلصها إلى 660دونما وسمحت لسكانها بالبناء فقط في مساحة لا تتجاوز 120 دونما، أي انه خلال سنوات الاحتلال تم تقليص مساحة البلدة من 10آلاف دونما إلى 120 دونما .
3 ـ البعد الديمغرافي
عملت السياسة الاستيطانية "الإسرائيلية" على تفريغ المدينة من سكانها الفلسطينيين عن طريق التمييز ضدهم في ما يتعلق بحقوق الاقامة والبناء وغيرها. في المقابل عملت الدولة اليهودية على نقل سكان يهود لشرقي المدينة لضمان بقاء أغلبية يهودية فيها. هدفت هذه السياسة لجعل مسألة استمرار "توحيدها" وسيادة "إسرائيل" عليها مسألة طبيعية مفروغا منها.
لم يهدف البعد الاقليمي للاستيطان للسيطرة على مزيد من الأراضي العربية فحسب، بل أيضا لضمان إيجاد أغلبية يهودية حتى داخل القدس الشرقية العربية نفسها. في عام 1967 بلغ عدد سكان المدنية حوالي 70 ألف نسمة فيما بلغ عدد السكان اليهود 266 ألف نسمة سكنوا جميعا في مدينة القدس الغربية. أي ان نسبة العرب بلغت آنذاك 26% . وقد ارادت "إسرائيل" المحافظة على هذه النسبة منذ ذلك الحين. في الجانب الآخر لم يكن لليهود أي وجود في القدس العربية، أي ان نسبة السكان العرب في المدينة بلغت 100% وقد ارادت "إسرائيل" ان تقلب هذا الوضع بحيث تصبح أغلبية سكان المدينة الشرقية يهودية. في عام 1995 تعادلت نسبة السكان اليهود والعرب في القدس الشرقية حيث بلغ التعداد السكاني فيها 340 ألف نسمة نصفهم يهود.
عاد النجاح "الإسرائيلي" في هذا المضمار لسببين: الأول هو قيام الدولة اليهودية ببناء اكثر من 40 ألف وحدة سكنية في المستوطنات التي اقامتها في القدس الشرقية، والثاني هو وضع قيود على البناء العربي وسحب هويات السكان العرب المقدسيين وفرض ضرائب باهظة عليهم في الوقت التي مارست فيه السلطات اليهودية تمييزا واضحا ضدهم، خذ مثلا السياسة "الإسرائيلية" المتعلقة باستعمالات الأراضي ، ففي الوقت الذي سمحت "إسرائيل" لليهود ببناء ما بين ثمانية شقق في الدونم الواحد وثمانية طوابق في البناء الواحد فانه يسمح ببناء شقة أو شقتين للعرب في الدونم الواحد وما بين طابقين إلى أربعة طوابق للبناء الواحد. وبينما بنت "إسرائيل" 40 ألف وحدة سكنية لليهود فان كل الوحدات السكنية العربية في كل المدينة لا تكاد تبلغ 20 ألف وحدة فقط.
4- التطويق الاقليمي الخارجي
بالإضافة إلى محاولات تفتيت الوجود العربي داخل المدينة والتي كان اخرها البدء ببناء مستوطنة رأس العمود، وبالاضافة لمحاولات تطويق الاحياء العربية داخل المدينة لمنع حدوث زحف عمراني فلسطيني باتجاه المدينة، قامت "إسرائيل" ببناء حزام اقليمي استيطاني داخل الضفة الغربية يتكون من ثلاثة تجمعات رئيسية تحيط بالقدس العربية من ثلاث جهات: الشمال والشرق و الجنوب. ففي الشمال تم بناء جفعات زئيف كنقطة ارتكاز تمنع التمدد العمراني بين رام الله باتجاه القدس وتسمح بتنفيذ مخططات توسيع الطرف الشمالي لما يسمى بكريدور القدس بحيث يتوسع باتجاه الشمال بطول 7 كيلومترات من الخط الاخضر حتى جفعات زئيف ومن جفعات زئيف باتجاه الغرب حتى مستوطنات موتديعيين والخط الاخضر بطول يبلغ حوالي 15 كلم، وفي نفس الجهة الشمالية املت "إسرائيل" بالربط بين مستوطنات بيت ابل وعوفرة وبسغوت وكوخاف يعقوب لحصر امكانات تمدد مدينة رام الله بشكل يسمح لها بمحاصرة القدس من الشمال.
في الجنوب قامت "إسرائيل" ببناء مجموعة مستوطنات غوش عنصيون لهدفين:
الاول، توسيع الطرف الجنوبي لما يسمى بكرسدور القدس بحيث يتوسع باتجاه الجنوب بطول يبلغ حوالي 12 كلم من هناك غربا باتجاه الخط الاخضر بطول يبلغ 10 كلم، اما الهدف الثاني فكان احتواء أي تمدد عربي من الخليل والجنوب باتجاه القدس.
اما في الشرق فقد شكلت معاليه ادوميم والبؤر الاستيطانية المحيطة بها محور الاهتمام "الإسرائيلي". تم بناء هذه المستوطنة في نهاية السبعينات ويبلغ تعداد سكانها اليوم اكثر من 25 ألف نسمة، تعتبر هذه المستوطنة ذات قيمة جيواستراتيجية عظيمة بالنسبة لـ "إسرائيل" لأنها تشرف على البوابة الشرقية للمدينة. ومنها يمكن التوجه إلى شمال "إسرائيل" عبر غور الأردن أو جنوبا إلى البحر الميت وايلان، وهي بالطبع المدخل "الإسرائيلي" الاقرب للعاصمة الاردنية عبر جسر اللنبي. ان نجاح هذه المستوطنة في البقاء والتوسع في كل الاتجاهات قادر على حسم مسألة وجود الدولة الفلسطينية ذات التواصل الإقليمي. ورغم وقوع هذه المستوطنة في الضفة الغربية فان الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة قد تعاملت معها وكأنها جزء لا يتجزأ من القدس المضمومة للسيادة "الإسرائيلية"، وقد أخذت "إسرائيل" تنظر تدريجيا للمستوطنة كمحور للطوق المحيط بالقدس فيما يعرف بمخطط القدس الكبرى والذي يشمل بالإضافة لمستوطنات معاليه ادوميم مستوطنة جفعات زئيف شمالا وغوش عنصيون جنوبا فتكتمل بذلك نصف الدائرة المحيطة بالقدس الشرقية العربية، ولتسهيل الربط مع مركز المدينة في القدس تقوم "إسرائيل" بالتخطيط لبناء نفق يربط مستوطنة معاليه ادوميم بجبل المشارف ( سكوبس) وقد تم أيضا خطة ( المعروفة بخطة التطوير E1 ) بهدف مصادرة وضم اكثر من 12 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية لربط معليه لدوميم ومحيطها بالقدس وقطع كل تواصل جغرافي بيت شمال الصفة وجنوبها الا من خلال أريحا.
تمثل بلدة عناتا الفلسطينية الواقعة في الضفة الغربية وعلى حدود القدس الشرقية نموذجا صارخا يدلل على السياسة "الإسرائيلية" الهادفة للسيطرة والتطويق الإقليمي حتى ولو أدى ذلك للقضاء على وجود وحياة بلدة كسالمة. بلغت مساحة عناتا في العام 1967 ثلاثين ألف دونم. وبعد تعرضها لعمليات المصادرة المستمرة وخاصة لبناء مستوطنة معاليه ادوميم لم يتبق للبلدة الفلسطينية اكثر من 10 آلف دونم في عام 1996 واصبحت محاطة بالمستوطنات من جهات ثلاث، وبطريقين استيطانيين رئيسيين ما جعلها معزولة بشكل شبه تام عن محيطها الفلسطيني. خلال عامين بعد ذلك لم يتبق للمدينة سوى ثلاثة آلاف دونم بعد إعلان "إسرائيل" عن مصادرة المزيد من أراضيها بهدف تنفيذ خطة التطوير المعروفة E1 وتوسيع مستوطنات صغيرة مثل اناتوت وتالمون وغيرها.
5 ـ شبكة الطرق
عملت السياسة "الإسرائيلية" على تغيير محاور الطرق وتطوير شبكتها وبناء تقاطعات استراتيجية تكون المدينة هي مركزها، وكان الهدف من ذلك هو ربط المدينة بالحياة اليهودية وبالمناطق الاستيطانية اليهودية في الضفة العربية وفصل المدينة عن شبكة الطرق العربية، وبالتالي، فقد اصبح لموقع القدس دور في استمرار السيطرة "الإسرائيلية" على الضفة الغربية.
تسيطر المستوطنات "الإسرائيلية" المقامة في المدينة العربية، شرقي القدس على كل الطرق الخارجية من جميع النواحي، وتسيطر الكتل الاستيطانية التي تشكل الطوق ثلاث حدود ما يسمى بالقدس الكبرى. الأولى هي طريق بيت حورون في الشمال وهي التي تربط بين الخط الاخضر بالقرب من موديعيين وتتجه شرقا باتجاه جفعات زئيف ومن هناك باتجاه القدس، هذه الطريق هي حجر الزاوية في مخطط توسيع ما يسمى بكرسدور القدس باتجاه الشمال وهي التي تشكل حاجزا امام توسيع مدينة رام الله باتجاه الجنوب.
الطريق الثانية هي طريق عنصيون التي تتجه من وسط مستوطنات غوش عنصيون إلى الشرق قبل ان تنحني إلى الشمال لتلتقي مع امتداد الطريق الثالثة وهي المعرفة بطريق الون الذي تنظر إليها "إسرائيل" كجزء من استراتيجيتها العسكرية الهادفة لحماية "إسرائيل" من هجمات برية عبر الشرق، وبهذا تساهم شبكة الطرق هذه أيضا في تحقيق أهداف "إسرائيل" الأمنية.
6ـ العزل
عملت "إسرائيل" على فرض سياسة اغلاق على المدينة منع بموجبها سكان الضفة الغربية وقطاع غزة من دخول المدينة، الأمر الذي قلص بدرجة كبيرة من دورها في حياتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وقد هدفت هذه السياسة إلى اجبار الفلسطينيين على السعي لإقامة مراكز بديلة لهم في شمال وجنوب المدينة.
7-مواجهة الاستيطان اليهودي للقدس العربية
ان العملية الاستيطانية مستمرة بدون توقف بهدف خلق حقائق على الأرض تحد من نتائج المفاوضات الممكنة وتعزز من فرض تحقيق "إسرائيل" لأهدافها الاستيطانية في القدس العربية، فعملية الاستيطان التي تم وصفها بإبعادها الواسعة المختلفة، وطبيعة عملية السلام وظروفها التاريخية قادرة على تحويل الواقع الاستيطاني المادي إلى حقيقة ادراكية تشكل جزءا حيويا من الحسابات والمسومات التفاوضية.
فهل نجحت عملية الاستيطان في التغلغل إلى داخل الإدراك الفلسطيني والعربي بشكل بات معه الاعتقاد السائد هو ضياع المدينة أو سيرها بهذا الاتجاه؟ تعتقد هذه الورقة انه رغم سنوات الاحتلال الطويلة فان سياسات الضم والدمج القسري لم تنجح في خلق واحدة في القدس.
فلا تزال هناك مدينتان منفصلتان رغم عدم وجود حدود داخلية تفصل بينهما. صحيح ان هناك نظرة مشتركة يهودية ـ فلسطينية للمدينة تقدسها وتعظم من شأنها، لكن ما هو مقدس .
الاستيطان اليهودي طوق القدس من كل الجهات
لطرف ليس بالضرورة مقدسا للطرف الآخر. والحقيقة الأساسية لا تزال الفصل.
يعرف كل فلسطيني وكل "إسرائيلي" أين تبدأ الحدود الفاصلة بين القدس العربية الشرقية الغربية رغم اختفاء هذه الحدود منذ عام 1967، يتعامل كل طرف مع أبناء شعبه داخل حدوده التي يعرفها ولكل طرف مجتمعه المدني المنفصل، وهو أمر يقبله الطرفان ويعترفان بهت، لكل طرف مناطقه السكنية المنفصلة، ونظام مدارسه الخاصة ومناهجه الدراسية الخاصة، ونظام مواصلاته المنفصلة وحتى محطته المركزية المنفصلة وحتى محطته المركزية المنفصلة، ونواديه وملاعبه وجرائده ومجلاته ونقاباته ومؤسساته الثقافية وأماكن عبادته ومراكزه التجارية ومستشفياته وعيادته وخدمات طوارئه وسيارات إسعافه وأماكنه السياحية وكهرباؤه وخطوط مجاريه وفنادقه ومطاعمه المنفصلة تماما عن الطرف الآخر، كما ان هناك تمييزا مؤسساتيا منظما ضد المدينة العربية الشرقية في مجالات الإنفاق الحكومي والبنية التحتية وتمويل المرافق والمؤسسات العامة وفي مشاريع الإسكان وغيرها، ويمتد هذا التمييز إلى مجال الحقوق المدنية في الإقامة وحرية السكن واستعادة الممتلكات وغيرها.
ان حقيقة الفصل هذه هي المدخل الذي يمكن تعزيزه والاستفادة منه في المفاوضات الجارية. كما يمكن مواجهة أبعاد الاستيطان المختلفة بخلق حقائق فلسطينية موازية لها على الأرض.
ففي مجال البعد الحضاري والبلدة القديمة يمكن للطرف الفلسطيني:
الاستمرار بحملة"اعمار التراث الإسلامي" للمحافظة على الآثار والمعالم الإسلامية واعادة اعمارها.
بناء متحف إسلامي كبير في البلدة القديمة يشكل معلما حضاريا بارزا للمدينة.
بناء جامعة كبيرة في البلدة القديمة على غرار الجامعات الإسلامية العريقة القديمة تمكن من إعادة نبض الحياة العربية للبلدة.
2 ـ وفي المجال الإقليمي، وهو الأكثر نجاحا لعملية الاستيطان، يمكن عمل الكثير، إذ رغم الإنجازات الهامة "الإسرائيلية" فان كل الجهود "الإسرائيلية" لم تتمكن من خلق واقع مادي قاهر حيث لا تزال التواصل العمراني العربي مستمرا من رام الله مرورا بالرام وبيت حنينا وشعفاط وعناتا فالعيسوية والطور والعيزرية وأبو ديس وسلوان وصور باهر وأم طوبا على أبواب بيت لحم. لكن هناك نقاط ضعف يجب تعزيزها.
هناك حاجة لفرض تواصل إقليمي فلسطيني في نقطة الأولى في الشمال والمتمثلة في ضعف الاتصال العمراني بين بلدة حزما وبيت حنينا وذلك بالاتفاق على البناء الاستيطاني في النبي يعقوب. كما يجب تعزيز التواصل الجغرافي بين عناتا وشعفاط من جهة وبين عناتا والعيسوية من جهة أخرى وذلك لتحقيق هدفين: منع تمدد مستوطنة بسغات زئيف باتجاه جبل المشارف (سكوبس) ووسط البلد ومنع تمدد معاليه أدوميم غربا باتجاه القدس بشكل تعزل بين العيسوية وعناتا.
كذلك هناك حاجة لتعزيز التواصل الإقليمي في الجنوب من جهتين: أولا، إيجاد تواصل عمراني بين بيت ـ لحم ساحور من جهة وصور باهر ـ أم طوبا من جهة أخرى. ثانيا إيجاد تواصل عمراني بين بيت صفافا ومنطقة بيت لحم ـ بيت جالا حيث ان بناء مستوطنة هارحوماه قد يعزل بين هاتين المنطقتين الفلسطينيين.
لكن النجاح الفلسطيني في هذا المجال قد يفشل المخطط "الإسرائيلي" للربط بين القدس ومستوطنات غوش عتصيون.
3 ـ وفي المجال الديموغرافي، هناك حاجة لاعادة ما يزيد عن تصف سكان القدس العرب للمدينة بعد ان تركوها بسبب النقص في مجالات السكن والخدمات والمرافق العامة والتجأوا للمناطق الفلسطينية المجاورة خارج حدود المدينة. ان إعادة هؤلاء السكان للمدينة يتطلب ما يلي:
بناء ما بين عشرين إلى خمسة وعشرين ألف وحدة سكنية في المدينة وخاصة في المناطق التي تمت الإشارة إليها في البند السابق المتعلق بالمجال الإقليمي. ان بناء هذا العدد من الوحدات السكنية يتطلب تمويلا فلسطينيا لعملية البناء بمبلغ يزيد عن بليون دولار.
ان عودة ما قد يصل إلى مئة ألف فلسطيني إلى مدينة القدس يتطلب بناء مدارس ومستشفيات وتوفير النظام والأمن حتى تحت ظروف الاحتلال "الإسرائيلي" الراهنة.
4- اما محاربة التطويق الخارجي للمدينة فتتطلب إعطاء القدس عمقا استراتيجيا عربيا لخلق تواصل إقليمي عمراني في كتل أربع، ان خلق هذا الامتداد العمراني يتطلب بناء عشرين ألف وحدة سكنية إضافية أخرى باستثمار مشابه للأول، أي ما يزيد عن بليون دولار.
البناء في أبو ديس والعيزرية والزعيم باتجاه القدس ووصل هذه الكتلة شمالا بحزام من البناء على المنحدرات الشرقية لجبل المشارف (سكوبس) للاتصال بالعيسوية وعناتا.
البناء في المنطقة الجنوبية لخلق امتداد عمراني يربط بين بيت ساحور والسواحرة باتجاه ام طوبا وصور باهر.
البناء في المنطقة الواقعة بين رام الله وخط بيتونيا - رفات وربط رفات بخط من البناء العمراني يمتد من قلنديا فالجديرة وبيرنبالا والجيب ومن ثم الوصول لبيت حنينا وشعفاطا.
إقامة امتداد عمراني يخلق كتلة تجمع مناطق الطيرة (الواقعة مقابل مستوطنة بيت حورون) بامتداد جنوبي لبيت دقو وبيت اجزا والقبيبة وبدو وبيت سوريك وصولا إلى بيت اكسا والخط الأخضر.
الخلاصة
في سياق من الإجماع القومي اليهودي أنجزت "إسرائيل" خلال ثلاثين عاما عملية استيطانية واسعة النطاق للقدس العربية متحملة بذلك تكاليف عالية:
إدانة عالمية لخرقها للقانون الدولي وتحديها لشرعيته ولقرارات الأمم المتحدة.
المخاطرة بفرص "السلام" مع الطرف العربي حتى عندما اتضح وجود نية عربية للتوصل لمعاهدات "سلام" دائم مع "إسرائيل" وذلك بالاستمرار في عملية الاستيطان للقدس الشرقية.
تكلفة اقتصادية باهظة تجاوزت خمسة بليون دولار لبناء اكثر من أربعين ألف وحدة سكنية وبنية تحتية واسعة وشبكة طرق ومرافق عامة لخدمة حوالي مئتي ألف مستوطن يقيمون اليوم في القدس الشرقية.
ان أي اعتقاد ان عملية "السلام" وحدها كفيلة بإعادة الوضع لما كان عليه عشية حرب حزيران عام 1967 هو اعتقاد ساذج، ان هناك حاجة ماسة لخلق واقع عربي فلسطيني لمنع المزيد من التقدم "الإسرائيلي" في مجال تهويد المدينة ومحيطها. المطلوب من الطرف الفلسطيني والعربي عدم انتظار نتائج المفاوضات والعمل على توفير ما يلي:
إرادة سياسية عربية وفلسطينية حازمة بإيقاف عملية التهويد والبدء بمواجهتها بخلق حقائق فلسطينية على الأرض.
وضع المخططات والاستراتيجيات المناسبة لتنفيذ هذا الهدف.
تجنيد الأموال اللازمة التي تتراوح بين بليونين إلى بليونين ونصف بليون دولار لبناء ما بين أربعين إلى خمسة وأربعين ألف وحدة سكنية في القدس العربية ومحيطها.