عيِّنات من الممارسات القمعية "الإسرائيلية"
ضد الفلسطينيين في الضفَّة والقطاع *
منى الحسين
مُقدمــة
تُعتبر الممارسات "الإسرائيلية" ضد الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 وإلى يومنا هذا من الركائز الهامة التي تعتمدها إسرائيل في تنفيذ مشروعها الصهيوني حيث تمكَّنت من تهجير نصف الشعب العربي من وطنه إلى مختلف بلاد الشتات مستخدمة شتّى وسائل الإرهاب والقمع الممكنة . وما زالت إسرائيل تواصل سياستها وممارساتها الرامية إلى خلق الظروف المواتية لضم غالبية الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 إلى الكيان الصهيوني ، وإلى إلحاق إقتصاد المناطق المحتلة بالإقتصاد الإسرائيلي مع كل ما ينجم عن ذلك من استغلال للأيدي العاملة العربية ، وتقليص في القطاعات الإنتاجية ودفع أعداد متزايدة من الشباب إما للعمل في إسرائيل وإما للهجرة إلى الخارج ، بالإضافة لإتباعها سياسة قمعية منهجية تتراوح بين التضييق على الحريات العامة والخاصة وبين الإعتقالات الإدارية والتعذيب المنظَّم في السجون "الإسرائيلية" .
سياسية الإعتقــال "الإسرائيلية" :
لا زالت السلطات "الإسرائيلية" تتخذ من الإعتقالات سيفاً مسلطاً على رقاب أبناء الشعب الفلسطيني ونشطائه السياسيين الذين لا تجد هذه السلطات نقاطاً واضحة لإدانتهم أو لإحكام السيطرة عليهم إلاَّ من خلال هذه الإجراءات .
تنطوي إعتبارات الإعتقالات حسب المبرِّرات الصهيونية على المزاعم الأمنية ، حيث تقوم باعتقال المواطنين على اثر المواجهات بين رجال الجيش الإسرائيلي والمواطنين العرب ، كردٍّ تعسّفي على مظاهرات الأهالي مثلاً ، كما ويمكن أن تكون الإعتقالات إحترازية فيقوم الجنود باعتقال عدد من النشطاء الفلسطينيين تحت ذريعة منع هؤلاء من القيام بأعمال مشاغبة أو أعمال تخريب قد يتوقع حدوثها أثناء عرض عسكري مثلاً أو افتتاح منشأة ما . وربما يكون هذا الإعتقال ردَّاً على عمليات مقاومة من قِبَل الفلسطينيين ويقوم جنود الجيش الإسرائيلي باعتقال من له علاقة بالمقاومة ومن ليس له علاقة أيضاً . وإذا ما قامت الحكومة بإجراءات معينة كتقسيم الأراضي أو الإستيلاء على أراضي أخرى فإن هذه الإجراءات تسبقها مجموعة من الإعتقالات لضمان عدم المقاومة أو إثارة أعمال الشغب .
الإعتقــال الإداري :
يُعرف هذا النوع من الاعتقال بأنه عملية قيام السلطة باعتقال شخص ما دون توجيه تهم محددة إليه ودون تقديمه إلى المحاكمة وذلك عن طريق إستخدام إجراءات إدارية حيث عمدت السلطة "الإسرائيلية" في الآونة الأخيرة إلى تحويل أعداد كبيرة من المواطنين الفلسطينيين إلى الإعتقال الإداري وتجديد مدة الإعتقال لبعضهم لفترات متتالية وصلت في بعض الأحيان لثماني مرات متتالية متذرعة بوجود ملفات سرية ، ومتجاهلة بذلك كافة القوانين والأعراف الدولية ، إذ أن مثل هذه الإجراءات هي إجراءات تعسفية تلجأ إليها السلطات "الإسرائيلية" كإجراء عقابي ضد أشخاص لم تثبت ضدهم مخالفات أمنية في حين تدّعي السلطات "الإسرائيلية" أنه إجراء وقائي إحترازي لأسباب أمنية ( إعلان ذوقان ، نواف العلي ، عرض مؤسستي الضمير لرعاية السجين والتضامن الدولي لحقوق الإنسان ، القدس 19/10/96 ، ص 11).
في خلفيته التاريخية ، يعد الاعتقال الإداري سياسة قديمة حديثة ، ويعود تاريخ إستخدامه إلى أيام الإنتداب البريطاني وتطبيق أنظمة الدفاع ( الطوارئ ) لعام 1945. ولقد استخدمت السلطات "الإسرائيلية" سياسة الاعتقال الإداري منذ السنوات الأولى لاحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967. إلاَّ أن السلطات "الإسرائيلية" ، وإستجابة للضغوطات المحلية والخارجية ، قلّصت سياسة الاعتقال الإداري عام 1980 لكن سرعان ما عاودت الإعلان عن العودة لتطبيق سياسة الإعتقال الإداري بتاريخ 4/7/1985 وذلك ضمن تطبيق سياسة القبضة الحديدية في الأراضي الفلسطينية المحتلة . ومع دخول الإنتفاضة الفلسطينية في 8/12/1987 صعّدت السلطات "الإسرائيلية" من إستخدام سياسة الاعتقال الإداري ليرتفع بذلك عدد الفلسطينيين الذين تم تحويلهم للاعتقال الإداري ( إعلان ذوقان ، نواف العلي ، عرض مؤسستي الضمير ...المصدر السابق ذاته ).
إن ما تقوم به السلطات "الإسرائيلية" مما يسمَّى بسياسة الاعتقال الإداري هو اعتقال تعسفي غير قانوني يتنافى وأبسط المعايير الدولية لحقوق الإنسان . فالمادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على ما يلي :" لكل إنسان الحق على قدم المساواة التامة مع الآخرين في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه". فيما تنص المادة الحادية عشرة على ما يلي :" كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحكمة علنية تؤمَّن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه ". وتنص المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على ما يلي :"
1 - لكل فرد الحق في الحرية والأمان على شخصه ولا يجوز توقيف أحد أو إعتقاله تعسفاً ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلاّ لأسباب ينص عليها القانون وطبقاً للإجراء المقرر فيه .
2 - يتوجب إبلاغ أي شخص بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه كما يتوجب إبلاغه سريعاً بأية تهمة توجه إليه .
3 - لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكي تعمل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية إعتقاله وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني ".( إعلان ذوقان ، نواف العلي ، المصدر السابق ذاته ).
وبالرغم من توقيع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة "الإسرائيلية" على إتفاقية السلام المبرمة بين الطرفين ، إلاّ أن عمليات الاعتقال والتحويل إلى الاعتقال الإداري ضد المواطنين الفلسطينيين لم تتوقف ، حيث مارست السلطات "الإسرائيلية" الاعتقال وبالرغم من توقيع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة "الإسرائيلية" على إتفاقية السلام المبرمة بين الطرفين ، إلاّ أن عمليات الاعتقال والتحويل إلى الاعتقال الإداري ضد المواطنين الفلسطينيين لم تتوقف ، حيث مارست السلطات "الإسرائيلية" الاعتقال عبر المناطق الواقعة تحت سيطرتها والمسماة بالمناطق (ب،ج) في حين إستمرت باعتقال المواطنين من سكان مناطق (أ) الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية عبر الحواجز بين المدن والقرى والمعابر الحدودية . ( إعلان ذوقان ، نواف العلي ، المصدر السابق ذاته ) .
إحصائيات لأعداد المعتقلين :
قدَّرت أوساط حقوقية موثوقة عدد السجناء الفلسطينيين في السجون "الإسرائيلية" في منتصف عام 1995 بـ 6 آلاف معتقل ، أعتُقل ما يقرب من نصفهم عقب التوقيع على إتفاقية الحكم الذاتي بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة "الإسرائيلية" ، وتشير الإحصائية التي نشرتها وكالة "قدس برس" إلى أعداد المحتجزين وأماكن إعتقالهم حتى تاريخ الخامس من تموز لعام 1995 ( محمد قداح ، تشرين السورية 13/5/97 ص 10 ).
|
السجن |
عدد المعتقلين |
|
مجـدو |
600 معتقل يشاركون في الإضراب المفتوح عن الطعام ، بينهم 48 معتقلاً يعانون من أمراض صعبة و13 آخرين يعانون من تردِّي حالتهم الصحِّية . |
|
تلموند |
يضم 83 معتقلاً من بينهم 6 معتقلات يعانين من حالات مرضية مزمنة ، ومن بينهم 49 معتقلاً من أهالي ألـ48 ، 330 معتقلاً بينهم 40 فتىً فلسطينياً كما أن بينهم 30 حالة مرضية صعبة . |
|
بئر السبع |
120 معتقلاً |
|
الدامون |
83 معتقلاً |
|
نفحة |
250 معتقلاً |
|
الفارعة |
620 معتقلاً |
|
طولكرم |
60 معتقلاً |
|
رام الله |
96 معتقلاً |
|
كفاريونا |
72 معتقلاً |
|
جنين |
290 معتقلاً |
|
مشفى الرملة |
30 معتقلاً |
|
النقب |
635 معتقلاً |
وقالت صحيفة "الإتحاد" الحيفاوية ( 20/3/97، الملحق ) أن عدد الأسرى الفلسطينيين والعرب الآخرين في السجون "الإسرائيلية" بلغ حتى كانون الثاني لعام 1997 أكثر من 3000 أسير ، منهم 228 معتقلاً إدارياً و184 أسيراً من البلدان العربية : 11 من الجولان السوري المحتل ، 67 من داخل الخط الأخضر ، 12 من القدس المحتلة ، إضافة إلى المعتقلين في أقسام التحقيق وأعدادهم غير ثابتة ، وهم موزعون بشكل رئيسي كما يلي :
|
السجن |
عدد المعتقلين |
|
عسقلان |
650 أحكام عادية + عدد آخر غير ثابت في قسم التحقيق . |
|
بئر السبع |
220 في القسم الرئيسي و113 في قسم البركسات و56 في العزل و88 في قسم أوهالي كيدار |
|
مجــدو |
275 في أقسام الخيام للإداريين ، 650 في قسم الموقوفين والمحكومين و96 معتقلاً حتى تاريخ 29/9/1996 |
|
الرملة |
88 معتقلاً في قسم نيتسان حتى تاريخ 18/10/96، وفي المشفى 22 معتقلاً والعدد متغير بإستمرار |
|
شطة |
120 في قسم ألـ11 ، 130 في قسم الخيام |
|
نفحة |
280 معتقلاً |
|
تلموند |
قسم الشباب 33 من الأشبال و44 آخرين |
|
المسكوبية |
في مراكز التحقيق حوالي 20 معتقلاً بحملة من 30-60 والأرقام متغيرة |
وحسب عرض قدمه رئيس نادي الأسير مستنداً إلى إحصائيات الصليب الأحمر ، بلغ عدد المعتقلين الفلسطينيين الذين اعتقلوا منذ عام 1967 بلغ 600 ألف معتقل . ومنذ انطلاقة الانتفاضة وحتى صيف 1997 اعتقل 3 آلاف فلسطيني ، وهم موزعون بشكل رئيسي : عسقلان 644 ، تلموند 110 ، الدامون ، نفحة 460 ، شطة 250 ، مجدو 94 ، بئر السبع 226 ، سجن مشفى الرملة 70 ، سجن النساء 8 ، المسكوبية 30 ( القدس 9/7/97، ص 1 ).
المعتقلــون الأشبــال :
يتم إعتقال القاصر بطريقة إرهابية ، بقوات معززة من الجيش بصحبة المخابرات ويتم ذلك ليلاً ، حيث يتم إقتحام المنزل بعد محاصرته والعبث بمحتوياته ، ويقومون أيضاً بضرب من يعترض طريقهم وبعد اعتقال القاصر يتم اقتياده من قبل ضباط المخابرات المرافقين للقوة العسكرية ويتم ربط يدي المعتقل إلى الخلف وعصب العينين ، وأحياناً يتم وضع كيس على رأس المعتقل بدل الربط وهذا الكيس ذو رائحة كريهة ، ومباشرة يرسل المعتقل إلى جولات تحقيق متواصلة ، ويرافق التعذيب عمليات التعذيب النفسي والجسدي والشبح بكافة أشكاله ، دون أية مراعاة لخصوصيته كطفل ، بل يتم التحقيق معه من نفس طاقم تحقيق الكبار ويعيش نفس الظروف . وفي حال عدم تجاوبه يرسل إلى ما يسمى "غرفة العصافير" حيث يوجد في هذه الغرفة عدد من المتعاونين الكبار ويطلب منه كتابة إعترافاته وإذا رفض يتهم بأنه عميل ويهدد بالضرب والحرق ، وفي بعض الحالات ينفذ هؤلاء المتعاونين تهديدهم ، حيث سبق وأن تم حرق صدر أحد القاصرين بأعقاب السجائر . والإعترافات التي تؤخذ يتم إعتمادها أمام المخابرات "الإسرائيلية" والمحكمة العسكرية . ينتقل المعتقل إلى المخابرات ثانية إذا اعترف ويتم تأكيده ثانية على هذه الاعترافات وبعدها ينظر في وضعه ، إما أن يتم إخلاء سبيله بكفالة وهذا نادر أو يتم تحويله إلى المحكمة بناء على إعترافاته أو إعترافات بعض زملائه أو بعض العملاء .
الإتفاقية الدولية لحقوق الطفل والحالة "الإسرائيلية" :
تنص الإتفاقية الدولية لحقوق الطفل على ضرورة الفصل بين المعتقلين الأحداث والمعتقلين الكبار والإستثناء الوارد في الفقرة الثالثة من المادة -37- من هذه المادة هو الذي ينطبق على الطفل الفلسطيني لخصوصية وضعه . وذلك لتفادي تمكين سلطات السجون في إسرائيل التحكم في هؤلاء الأشبال من خلال زرع العملاء بينهم أو افتعال المشاكل بينهم . وفي المقابل ، يكيف المعتقلون الكبار المسألة باتجاه حماية الأشبال ورعايتهم وتحسين ظروف الحياة والنظام والاستمرار بينهم وتقديم التعليم لهم . ولهذا طالبوا بدمجهم مع زملائهم السجناء الأمنيين الكبار . وطالب الأشبال من جهتهم أن يبقوا معهم في نفس الأقسام ، و هذا عرف تم التوصّل إليه بعد عدة لقاءات مع معتقلين كبار وصغار تم تحريرهم من الأسر وأجمعوا على هذا الموقف . ( تقرير الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال ، القدس 6/4/97، ص 12 ).
العـزل فـي السجون "الإسرائيلية" :
بلغ عدد الأشخاص الذين وُضعوا في العزل داخل السجون "الإسرائيلية" دون أية علاقة بالعالم الخارجي 170 شخصاً بتاريخ 29/10/1995، حيث يجيز القانون الإسرائيلي وضع المعتقل في سجن إنفرادي لفترات محدودة حتى 14 يوماً . والإنفراد ليس إلاَّ إسماً آخر للعزل التام المستمر ، ويحق لمدير السجن إصدار أمر بعزل السجين لمدة أقصاها -8- أشهر دون إعطاء السجين حق الدفاع ، ويجيز القانون تجديد هذه الفترات لمدة غير محددة ، لا يعطى المعتقل فرصة دعوى نقض لأن القانون لا يجبر السجن على إبلاغه بأمر العزل قبل تنفيذه وحتى إنقضاء فترة العزل بعد 8 أشهر فإن حق السجين بالنقض مقتصر على إرسال رسالة ولا يحق قراءة الوثائق أو الظهور أمام المحكمة أو الدفاع عن نفسه شخصياً . والتبرير الرسمي والأساسي لسياسة العزل هو " أمن الدولة " . تحت هذا الشعار يضعون العديد من السجناء في عزل تام وهذه الفئة تشمل العشرات من الفلسطينيين المعزولين تماماً عن العالم الخارجي الذين ليس لهم "لوبي" يعمل في الخارج لإطلاق سراحهم ( الإتحاد _ حيفا - 20/3/97، ص10).
عمليــات التعذيـــب :
جاء في تقرير "أمنيستي " الخاص الذي نشر يوم 29/7/1997 في لندن ، أنه قد أدين عشرات الفلسطينيين على أساس إعترافات أخذت منهم تحت التعذيب وأنه منذ إندلاع الإنتفاضة في كانون الأول 1987 تمّت محاكمة 30,000 مواطن من المناطق "الإسرائيلية" العسكرية ، وأن أغلب الذين تمت محاكمتهم أُدينوا بأعمال عنف ضد جنود أو مستوطنين إسرائيليين وكانت هناك مجموعة كبيرة من الفلسطينيين قدمت للمحاكمة بسبب إعرابهم وإحتجاجهم السياسي بطريقة غير عنيفة ويوجد في التقرير أنه يوجد فجوة كبيرة بين المحاكمات العسكرية "الإسرائيلية" وبين المحاكمات الجنائية "الإسرائيلية" ومن ذلك عدم إبلاغ السلطات أقرباء المعتقلين في سجونهم إلاَّ بعد عدة أسابيع ( هآرتس 30/7/1997).
وحول أساليب التعذيب تبيّن دراسة أعدّها الباحث الأمريكي "جون فايكنز" أن 92% من العينة الإستطلاعية التي أجراها على 500 معتقل فلسطيني قالوا أنهم وضعوا داخل ثلاجات ضمن درجة منخفضة للغاية فيما وضع 77% من المعتقلين داخل أفران خاصة معرضة لدرجة حرارة مرتفعة إلى ما هنالك من ضرب ، ووخز بالإبر ، والحرمان من استخدام دورات المياه لفترات طويلة ، والصدمات الكهربائية واستعمال الغازات المسيلة للدموع والمهيجة للجلد والأعصاب إلى آخر ما ابتدعته العقلية العنصرية الصهيونية من ضروب وابتكارات في وسائل التعذيب ، هذا عدا أسلوب "القنبلة الموقوتة" وهو صرعة جديدة في أساليب التعذيب بحيث يؤدي هذا الأسلوب إلى انهيار عصبي أو وفاة أو عاهة دائمة . ومن بين أساليب التعذيب ثمة أسلوب مبتكر يسمى بالعبرية "ويتلتوليم" أي الهز بعنف أو الخض كخض القربة وقد وصفه الإختصاصي بعلم الأمراض الاسكتلندي "ديريك باوندر" بقوله :" ان المعتقل يربط إما بملابسه أو حول كتفيه ويهز بعنف شديد ويؤدي ذلك إلى ألم حاد في العمود الفقري وإلى فقدان الوعي وفي بعض الحالات إلى تلف الدماغ"، وهذه الطريقة قتلت أحد المعتقلين ربيع عام 1995 وهو عبد الصمد حريزات . ( القاضي محمد قداح ، تشرين 13/5/1997).
إستشهــاد المعتقلين :
أعلن نادي الأسير الفلسطيني في مطلع العام الحالي 1997 أن 100 أسير استشهدوا في السجون "الإسرائيلية" منذ بداية الاحتلال عام 1967، وأرجع النادي إستشهاد الأسرى إلى التعذيب أو المرض أو تردِّي الأوضاع الصحية . وطالب النادي بإغلاق ملف السجون وإنهاء المعاناة الطويلة التي يمر بها خمسة آلاف فلسطيني . كما ندّد بحكومة إسرائيل التي تحتجز جثث الشهداء والأسرى في مقابرها العسكرية . وترفض تسليم رفاتهم إلى أهاليهم ، ونادى بفضح سياسة إسرائيل التي تعاقب الشهداء وأطفالهم وذويهم وتحرمهم حتى من رؤية قبورهم .(الإتحاد 8/1/1997، ص4).
مناهضة التعذيب في الوثائق الدولية :
نصَّت المادة -15- من إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرّض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المعتمد بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3452(د-30) ، المؤرَّخ في 9/12/1975 على تعريف التعذيب بما يلي :" يقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه ألم وعناء شديد ، جسدياً كان أو عقلياً يتم إلحاقه عمداً بشخص ما بفعل أحد الموظفين العموميين ، أو بتحريض منه لأغراض مثل الحصول من هذا الشخص أو من شخص آخر على معلومات أو اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه أو تخويفه أو تخويف أشخاص آخرين وإنطلاقاً من تعزيز احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية كانت إتفاقية مناهضة التعذيب التي اعتمدتها الجمعية العامة بالقرار 39 - 46 تاريخ 10/12/1984 النافذ بتاريخ 26/6/1997 لتحظر التعذيب بكل أشكاله المادي والجسدي والمعنوي مهما كان حجمه ونوعه تأكيداً على الكرامة المتأصِّلة في الإنسان ( القاضي محمد قداح ، تشرين 13/5/1997).
هذا وقد دعت منظمة "أمنيستي " الدولية الحكومة إسرائيل إلى القيام بمحاكمات سريعة وعادلة لكل المعتقلين أو الإفراج عنهم ومنع التعذيب الذي تمارسه السلطات "الإسرائيلية" . وجاء في تقرير المنظمة السنوي لعام 1996 أن الجهات "الإسرائيلية" أعطت رداً في عدة حالات ذكروا أن الإجراءات التي إتبعت هي رد على "الهجمات الإرهابية " ونفوا أن طريقة التحقيق "الإسرائيلية" تتضمن التعذيب حسب ادعائهم ( يوسف الغازي ، تقرير أمنيستي لعام 95 ، هآرتس 8/6/96 ، ص7).
هــدم البيـــوت :
يرجع تاريخ هدم بيوت الفلسطينيين في الضفة والقطاع إلى بداية الاحتلال وفي الأعوام الأخيرة ، صار يُهدم البيت في اثر اتهام فرد من أهله بقذف حجر . فسياسة هدم المنازل التي تقوم الحكومة "الإسرائيلية" بتطبيقها ضمن خططها الإستيطانية في الأرض المحتلَّة والتي تهدف من ورائها إلى تضييق الخناق على الأهالي من الناحية الإقتصادية والإجتماعية وبالتالي إبعادهم عن المقاومة المستمرة . وقد أعلنت مؤسسة حقوقية تحمل إسم "مانديلا" أن السلطات "الإسرائيلية" هدمت منذ إحتلالها للأراضي الفلسطينية وحتى الآن آلاف المنازل لمواطنين فلسطينيين ، وقسَّم تقرير أصدره "مجلس أمناء مؤسسة مانديلا" عمليات هدم المنازل إلى نوعين : هدم أمني ، وهدم بحجة عدم وجود ترخيص ، مشيراً إلى أن إسرائيل هدمت لأسباب أمنية منذ إحتلال الضفة والقطاع وحتى الآن ما يزيد عن 2400 منزل هدماً كلياً وحوالي 3500 منزل هدماً جزئياً . وفي ظل الإنتفاضة هدمت بالصواريخ والقذائف أكثر من 130 منزلاً هدماً كاملاً . وأوضح التقرير أن السلطات "الإسرائيلية" هدمت في الفترة من 1986-1989 بحجة عدم الترخيص أكثر من 160 منزلاً فلسطينياً . وحول سياسة إغلاق المنازل يعتبر الإغلاق خطوة تمهيدية أوّلية للهدم ريثما تستكمل الإجراءات الإدارية . وتُصدر المحكمة العسكرية مثلاً قرارها بهدم بيت معيّن . ويمكن القول أن جميع الإغلاقات جاءت تحت ذرائع أمنية ، وأن عدد المنازل التي أغلقت تمهيداً للهدم خلال الإنتفاضة بلغ 152 منزلاً . ومن جانب آخر ، وحسب إحصائيات مؤسسة "مانديلا" فإن ما تتراوح نسبته 63% إلى 67% من الإراضي الفلسطينية المحتلَّة في عام 1967 صودِرت أو أُغلقت عسكرياً أو مُنع إستخدامها من قِبَل الفلسطينيين (القدس 14/5/97،ص1).
وقد تفاقمت مشكلة هدم منازل الفلسطينيين في الضفة والقطاع خلال السنوات الأخيرة . وقالت مؤسسة حقوقية فلسطينية أن لا قيمة موضوعية للنفي الذي أصدرته الحكومة "الإسرائيلية" حول نيتها هدم (500) منزل تعود لمواطنين يقطنون في مناطق (ج) الخاضعة للسيطرة "الإسرائيلية" لأن ما يجري على أرض الواقع مختلف تماماً . وأكَّدت الجمعية الفلسطينية لحماية حقوق الإنسان والبيئة "القانون" في بيان لها أن سياسة الهدم ليست جديدة بل إنها قديمة قِدَم الإحتلال نفسه ، حيث هدمت هذه السلطة خلال السنوات الثلاثين الماضية ما يزيد عن ستة آلاف منزل تحت ذريعتيْ الأمن والبناء بدون ترخيص ، منها ما يزيد عن ألف وستمائة منزل خلال السنوات الثلاث الأولى من الإنتفاضة . ولاحظت الجمعية أيضاً أن عمليات هدم البيوت أخذت في حالات عديدة طابع الهدم الجماعي كما حدث في 5/5/97 ، عندما هدمت السلطات خمسة منازل لمواطنين من عائلة واحدة في منطقة الخليل ، وتوجيه إنذارات لسبعة عشر مواطناً من عناتا وتسعة من الضاحية العليا في نابلس وعشرة في قرية قصرة وثلاثة عشر في برقين .
وأكدت المؤسسة تصاعد حملة هدم المنازل مؤخراً مشيرة إلى أن ما يزيد عن 2500 مواطن لجئوا إليها خلال الثلاثين شهراً الماضية طالبين مساعدتها القانونية ، منهم 125 تبنَّت المؤسسة قضاياهم في العام 1996 وحده ، ممَّا يؤكِّد أن عدد البيوت المُهدَّدة بالهدم كبير جداً ويفوق رقم الخمسمائة الذي ورد في الخبر الذي نفته الحكومة "الإسرائيلية" .
ورأت المؤسسة أن المنازل التي هدمت أو أخْطِرَ أصحابها بالهدم تقع في المناطق القريبة من المستوطنات والشوارع الإلتفافية ومعسكرات الجيش ، مشيرة إلى أن هذه الحملة تندرج ضمن حملات التطهير العرقي التي تهدف حكومة إسرائيل من خلالها إلى الإبقاء على المناطق التي تستهدفها عمليات الهدم مناطق يهودية خالصة ( القدس 20/5/97، ص16).
سحب هـويـات عـرب مقدسيين :
في نطاق خطة التهويد التي تنفّذها السلطات "الإسرائيلية" يتم سحب هويات العرب المقدسيين بصورة إعتباطية ويبلغ حجم هذه الظاهرة عشرات الآلاف ( القدس 10/5/97،ص)).
وغالباَ ما يقوم قسم التحقيقات في مؤسسة التأمين الوطني "الإسرائيلية" بنقل معطيات لا تكون دائماً دقيقة إلى وزارة الداخلية ، فالمعطيات التي نشرتها وزارة الداخلية "الإسرائيلية" تؤكِّد أن الوزارة أعادت هويات 200 فلسطيني من القدس العربية بعد استئنافهم على قراراتها وإثباتهم أنهم ما زالوا يعيشون في القدس . وتبحث الوزارة على إستئنافات تقدم بها حوالي 400 فلسطيني آخر ممن سحبت هوياتهم بشكل إعتباطي . وهكذا لا تعترف إسرائيل إلاّ بجزء محدود جداً من حالات سحب الهويات.
إطـلاق النـار على سيارات الفلسطينيين :
بناء على معطيات تقرير " المنظمة "الإسرائيلية" لحقوق الإنسان بتسيلم " وقعت منذ بداية الإنتفاضة وحتى نهاية عام 1993 في المناطق الفلسطينية 24 حالة على الأقل مسافرين داخل سيارات كنتيجة لإطلاق النار من جانب عناصر الجيش الإسرائيلي ، وقد قتل في هذه الحوادث 31 شخصاً . وبناء على المعطيات تم في 11 حالة من الحالات إطلاق النار على سيارة لم تتوقف على الحاجز ، أو توقّفت بعده من دون أن يحاول ركاب السيارة إلحاق الضرر بجنود الحاجز .
وحسب التقرير ، فإن 16 حالة من أصل الحوادث المذكورة وقعت في عام 1993 وقتل فيها 23 شخصاً ، وفي 9 من الحوادث في عام 1993 لم يكن هناك خطر متوقَّع على حياة عناصر الجيش الإسرائيلي . ومع ذلك قتل فيها 12 شخصاً من بينهم طفلة في الرابعة من عمرها . وحسب تقرير "بتسيلم " فإنه في أوامر فتح النار على سيارة مشتبه بها على الحاجز فإن السيارة محددة في حالة كهذه كسيارة لم تتوقف على حاجز الجيش الإسرائيلي أو أنها حاولت تجاوزه وحسب الأوامر المنقولة هنا ، فإنه لا ينبغي إطلاق النار في حالة كهذه إلاَّ إذا كان هناك اشتباه محتمل بأن هذا العمل يتعلَّق بجريمة خطيرة ، وهذا فقط عندما يتوقع خطر تهديد حياة الجنود المتمركزين عند النقاط الحدودية ( يوسي تور فشتاين ، هآرتس 21/2/94، ص ). لكن ما يحدث في الواقع أن إطلاق النار على سيارات الفلسطينيين يفتقر إلى المسوغات والمبرِّرات .
حـظْـر التجـوّل والإغـلاقـات :
" ليس هناك ما هو أفضل من منع التجوّل ، فعندما يفرض منع التجول يصبح الطريق لنا وحدنا " هذا ما قاله أحد المستوطنين لمراسل صحيفة "هآرتس" . فلم يكد الجيش الإسرائيلي يحتل الضفة الغربية حتى أعلن فيها منع التجول وجرى رفعه بالتدريج ، بينما كان الجيش يكمل سيطرته على السكان ( رجا شحادة : كتاب قانون المحتل ، ص 138). وخلال السنوات الأخيرة كان حظر التجول يترافق مع مجموعة من الاغلاقات التي تنعكس سلباً على الفلسطينيين الذين يعيشون من جراء ذلك أزمات خانقة خاصة بعد فرض الحصار البشري على القطاع ، بلغ عدد المرات التي فرض فيها الطوق الأمني والإغلاق على قطاع غزة خلال عامين ونصف من توقيع إتفاق إعلان المبادئ بين إسرائيل ومنظمة التحرير 25 مرة لأسباب مختلفة ، منها الأعياد اليهودية وعمليات عسكرية وأسباب أمنية كان الإغلاق في كل مرة يستمر عدة أيام ، علماً أن اليوم الواحد يكلِّف الإقتصاد الفلسطيني خسائر تقدر بـ6 ملايين دولار . ( عماد الافرنجي ، القدس 31/3/96 ، ص4).
ضمن إحصاءات وزارة العمل منذ بداية الإنتفاضة وحتى نهاية 1993 بلغت الاغلاقات 17 إغلاقاً ، بمجموع أيام وهو 145 يوماً منها 102 ( مائة ويومان ) إغلاق شامل للضفة والقطاع ، و 41 يوماً لغزة ويومان للضفة ، وكان الاغلاقات إستباقية تحسّباً للقيام بعمليات أو نتيجة عمليات ( القدس28/2/96، ص1-23).
وحسب معلومات "مركز غزّة للحقوق والقانون" ، عضو لجنة الحقوقيين الدولية بجنيف ، أن السلطات "الإسرائيلية" أغلقت مناطق السلطة الفلسطينية 14 مرة بلغت حصيلتها 108 أيام خلال عام 96 متذرعة بأعياد يهودي - إجراءات أمنية إحترازية . وأدَّى إلى فقدان مواد البناء وقيام مئات من المزارعين بإتلاف منتوجاتهم الزراعية بسبب طول مدة الإنتظار عند المعابر ( القدس 29/10/96،ص4).
وذكر تقرير صدر في نيسان 1997 عن الإدارة والتخطيط والمعلومات في وزارة العمل الفلسطينية حول الحصار والإغلاق الإسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة العام الماضي أن مجموع أيام الإغلاق الشامل على المناطق الفلسطينية منذ بداية العام 96 وصلت إلى 99 يوماً كان من ضمنها 39 يوماً تضمّنت فرضاً شاملاً على جميع التجمّعات السكانية في الضفة الغربية وتقطيع أوصالها ومنع الحركة والإنتقال فيما بينها ( حياة عياد ، القدس 25/4/1997،ص11).
الإبـعــاد أو الطــرد :
مارست إسرائيل عمليات الطرد الجماعي سواء أيام الحرب أو بعدها مستندة للتشريعات المعتمدة على قوانين الطوارئ البريطانية التي تم سنّها في عهد الإنتداب . وأجرت عليها إسرائيل التعديلات الجماعية والفردية كعقاب للمواطنين ، وكانت البداية إبعادات عشوائية هدفها إرهاب الشعب وتفريغ الأرض من مواطنيها . وبعد المقاومة الشعبية والإحتجاج والرفض الدولي والعربي إضطرّت سلطات الإحتلال إلى التخفيف من هذه الظاهرة وإتباع أسلوب جديد هو أسلوب الإنتقائية في الإبعاد . وفيما يلي جدول بأرقام المبعدين ما بين عام 1967-1993( القدس 5/2/97،ص7).
|
السنة |
العدد |
المنطقة التي تمّ الإبعاد إليها |
|
1967 |
25 |
الأردن |
|
1968 |
69 |
الأردن |
|
1969 |
234 |
الأردن |
|
1970 |
406 |
الأردن |
|
1971 |
306 |
الأردن |
|
1972 |
91 |
الأردن |
|
1973 |
10 |
الأردن |
|
1974 |
11 |
الأردن |
|
1975 |
13 |
الأردن |
|
1976 |
2 |
الأردن |
|
1977 |
6 |
الأردن |
|
1978 |
9 |
الأردن |
|
1980 |
3 |
الأردن |
|
1985 |
10 |
الأردن |
|
1987 |
8 |
لبنان |
|
1988 |
32 |
لبنان |
|
1991 |
8 |
لبنان |
|
1992 |
12 |
(أُلغيَ القرار) |
|
1993 |
385 |
مرج الزهور |
إستخلاصـــات :
إن الممارسة القمعية التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة تندرج في نطاق يرمي إلى إتمام شروع التهويد والتوسّع . وتستمر إسرائيل في العمل على قلب الحقائق لمصلحتها ، متجاهلة المناشدات الدولية ومطالبات المنظمات العالمية لحقوق الإنسان بالكف عن تلك الممارسات ، وما يدفع الأمور إلى مزيد من التفاعلات التي تنعكس بصورة استفحال المعاناة المأساوية التي يعيشها الفلسطينيون تحت الإحتلال الإسرائيلي .