الاقتطاع "الاسرائيلي" للاراضي اللبنانية
محمد عطوي
باحث لبناني
مقدمة:
منذ اواخر القرن التاسع عشر، ومع بدايات الاستيطان اليهودي في فلسطين، راح اليهود يتطلعون إلى الحدود اللبنانية الجنوبية للسيطرة على اراض لبنانية بوسائل شتى، ولم يقتصر ذلك الاستيطان على اراض فلسطينية، وانما امتد إلى مساحات يملكها لبنانيون، وتقيم فيها عائلات لبنانية، وتتميز بوفرة مياهها، فضلا عن مواقعها الاستراتيجية.
وسرعان ما انشأ اليهود في العام 1896 مستعمرة "المطلة" فوق مساحات من قرية المطلة بعد تهجير اهلها اللبنانيين. وحتى العام 1912 كان يسكنها 310 يهودي (1) . كما سيطر المستوطنين اليهود على المنارة الواقعة بالقرب من القرى السبع الحدودية لاهميتها الاستراتيجية بسبب موقعها المرتفع في آخر سلسلة جبل عامل وقد اعطت السلطات العثمانية احدى العائلات اللبنانية امتيازا ينص على استصلاح ما مساحته 55 الف دونم من اراضي مستنقعات الحولة. لكن اليهود طردوا السكان العرب من قرى: خان الدوير، مداحل، المنشية، دفنة، حقاب، ثم دمروا هذه القرى لاحقا بعد اغتصاب واحتلال فلسطين عام 1948. اضافة إلى انه في بدايات الانتداب الفرنسي في لبنان والبريطاني في فلسطين، صادر اليهود نحو 65 الف دونما من اراضي سهل الحولة. ولم يبق للعرب سوى 45 الف دونما سيطر عليها المستوطنون اليهود عام 1948، ذلك ان مساحة سهل الحولة الاجمالية تقدر بنحو 165 الف دونما (2) .
كان من الطبيعي ان يؤثر اقتطاع اليهود لاراضي لبنانية على ترسيم الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين مع اعلان قيام دولة لبنان الكبير، خصوصا وان ذلك الترسيم خضع للمفاوضات البريطانية ـ الفرنسية خلال الحرب العالمية الاولى، فمنذ العام 1916، وتبادل المذكرات جار بين وزارتي الخارجية البريطانية والفرنسية لاقتسام السيطرة على منطقة المشرق العربي.
ان الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين المبينة في صك الانتداب البريطاني على فلسطين، وصك الانتداب الفرنسي على لبنان في العام 1920، تعرضت للتعديل بعد سنتين من خلال اتفاقية "بوليه ـ نيوكامب" ( Paulet-New Comb بتاريخ 3/2/1922) (3) التي كرست اتفاقا فرنسيا بريطانيا جديدا قضى بالحاق سبع قرى لبنانية بالانتداب البريطاني، الذي اعطاها بدوره للمستوطنين اليهود. ومنذ ذلك التاريخ ومشكلة "القرى السبع" مطروحة لبنانيا وعربيا، لما نشأ عنها من مشكلات عند سكانها الذين يحملون الجنسية اللبنانية. والقرى السبع هي: هونين، ابل القمح، قدس، المالكية، تربيخا، صلحا، النبي يوشع، وتمتد من الطرف الشرقي لجبل عامل حتى طريق راس الناقورة بالقرب من بلدة عيتاالشعب، أي انها تحاذي الحدود الدولية، وترتفع عن سطح البحر ما بين 360 مترا و690 مترا.
وتشتهر هذه القرى بمياهها واراضيها الزراعية، وحتى العام 1948، كان يسكنها نحو خمسة آلاف نسمة، معظمهم من اللبنانيين الذين تعرضوا للقتل والتشريد في حرب 1948 وذلك بعد تدمير قراهم، واقام "الاسرائيليون" مواقع عسكرية ونقاط استيطانية فوق اراضي هذه القرى (4) .
وبذلك، ساهمت اتفاقية "بوليه ـ نيوكامب" بتعديل الحدود الدولية لصالح "اسرائيل" في وقت لاحق، غير ان التعديل المذكور لم يكن التعديل الاخير، اذ ان فرنسا تنازلت بعد فترة وجيزة (في حزيران 1923) عن مجمل المنطقة اللبنانية الواقعة في سهل الحولة الى الانتداب البريطاني. وبذلك تم تعديل الحدود مجددا، وخسر لبنان مساحة زراعية غنية بالمياه العذبة بلغت نحو 23 الف دونم، وتعود ملكيتها الخاصة للبنانيين (5). تتبع هذه المساحة قرى وبلدات : مرجعيون، كفركلا، ديرميماس، حاصبيا، القليعة، ومزارع عدة (6).
وبعد مجمل هذه التداعيات المتعلقة بالاستيطان اليهودي، وبتعديل الحدود الدولية، تم تدمير ما بقي من القرى اللبنانية (المذكورة بموجب احصار1921) خلال الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين. وهي تقع في معظمها داخل الحولة. ان القرى المذكورة هي : الناعمة ، الخالصة، الخصاص، دفنة، الدوارة، الزوق الفوقاني، الزوق التحتاني، الزوية، المنصورة، لزازة، الصالحية، خان الدوير، شوكة،حانوتا،اقرت، كفربرعم (7). ويمكن تقدير عدد سكان هذه القرى، حتى عقد الاربعينات من القرن العشرين، بنحو احد عشر الفا من المسلمين والمسيحيين (8) . وتشتهر باراضيها الزراعية التي سيطرت عليها "اسرائيل" منذ العام 1948.
اضافة الى كل هذه الاعمال، استغلت "اسرائيل" التطورات الامنية والعسكرية التي نتجت عن الحرب العربيةـ "الاسرائيلية" في سنة 1948 لتحتفظ بمساحات واسعة من الاراضي اللبنانية بما يخالف ابسط القواعد الدولية (9) . وعلى رغم توقيع لبنان لاتفاقية الهدنة بتاريخ 23/3/1949، توزعت هذه المساحات المقتطعة على قرى: يارون، رميش، عيترون، بليدا، ميس الجبل، حولا، عديسة، كفركلا. وهذا ادى الى احداث تعديل جديد للحدود الدولية لصالح "اسرائيل" بحيث اقتربت من مجرى نهر الليطاني الى نحو كيلومترين في ادنى نقطة جغرافية (10) كما قامت "اسرائيل" بممارسات عدوانية بالقوة المسلحة نتج عنها:
ـ اقامة مستعمرة "مسكاف عام" في خارج بلدة عديسة بالقرب من المنارة للسيطرة على مياه هذه المنطقة وجرها الى المستوطنات "الاسرائيلية" في منطقة الجليل (شمال فلسطين).
ـ السيطرة على طريق مرجعيون ـ بنت جبيل سيطرة امنية كاملة.
ـ الهيمنة على حركة المزارعين في اراضيهم القريبة من الحدود الدولية.
نلاحظ كيف استمرت التعديلات الحدودية في ايام الانتداب وبعد حرب 1948 لصالح "اسرائيل" (11). وقد حصلت هذه التعديلات المتكررة بفعل الاقتطاع اليهودي والاسرائيلي لاراض لبنانية ممتدة على طول الحدود، وخصوصا تلك الموازية لاراضي القرى السبع.
من المفارقات الدولية ان تعلن "اسرائيل" من جانب واحد سقوط اتفاقية الهدنة مع لبنان، وتخترق المجال الجوي اللبناني اثناء حرب حزيران 1967، على رغم عدم دخول لبنان هذه الحرب. ثم اقدم الجيش "الاسرائيلي" على اقتطاع 14 مزرعة في خارج بدلة شبعا اللبنانية الواقعة في منطقة العرقوب على السفح الغربي لجبل الشيخ، وتم ربطها بطريق معبدة ممتدة من سهل الحولة حتى مدخل شبعا مرورا برويسات كفرشوبا (12).
ويبلغ طول هذه المزارع نحو 25 كيلومترا، ويتراوح عرضها بين 7 و13 كيلومترا، فتناهز مساحتها 250 كيلومترا مربعا، وتملكها نحو الف عائلة لبنانية. وبلغ عدد سكانها نحو 3500 نسمة عندما تم طردهم في العام 1967. اما هذه المزارع فهي : المغبر، فشكول، زبدين، حارة افوة، برتعيا، الربعة، بيت البراق، برختا، كفردورة، جورة العقاب، رمتة، خلة الغزالة، وادي القرن، ومراح الملول (13).
وتتفاوت التقديرات لعدد منازل هذه المزارع، ولكنها تعد بالمئات (14). وجميعها فوق اراض زراعية خصبة، تغطي غابات الزيتون جزءا منها، اضافة الى توفر المياه العذبة فيها بكميات كبيرة.
كما تشرف مزارع شبعا على جزء من جبل عامل والجليل الأعلى، وعلى هضبة الجولان ومنطقة حوران في سورية مما يعطيها اهمية جيوستراتيجية.
لقد جرف "الاسرائيليون" حقول وبساتين هذه المزارع، فغيروا معالمها الجغرافية، ونسفوا مزارا دينيا يعرف باسم "مشهد الطير" وهو مقام سيدنا ابراهيم. كما تصرفوا باملاك وقفية تعود للاوقاف الاسلامية والكنيسة الارثوذكسية. ثم عمدوا منذ العام 1985 الى بناء المستوطنات بعد ان وضع حجر الاساس لها الحاخام مائير كاهانا (15) . وراح المستوطنون الجدد يعتدون على القرى والبلدات المجاورة في منطقة العرقوب.
وعلى صعيد آخر، اقتطعت "اسرائيل" مزيدا من الاراضي اللبنانية التابعة لبلدتي الهبارية وكفرشوبا (العرقوب) توخيا للاقتراب من قمة جبل الشيخ. وسيطرت من العام 1970 على مساحات في مناطق : النقار، الشمل، السواقي، وجورة العليق. واقامت عليها مواقع عسكرية ومرابض مدفعية بعيدة المدى، فضلا عن تنقل العسكريين فيها بصورة دائمة(16).
وبعد هذه الاعمال العسكرية "الاسرائيلية"، اقام الجيش "الاسرائيلي" مركزا للمراقبة في تلة السدانة قرب شبعا. ثم احتل جبل الشميس، وشرق كفرشوبا. واحاط هذه المناطق والمواقع بالاسلاك الشائكة.
كما عمد الى شق طرقات تصل بين مناطق الوزاني وتل الوزاني وتل النحاس على الحدود الدولية. ثم توسع في الاقتطاع واقامة مواقع عسكرية داخل الاراضي اللبنانية في عقد السبعينات ـ قبل اجتياح 1978ـ بحجة مواجهة الاعمال العسكرية التي تنفذها فصائل المقاومة الفلسطينية من الاراضي اللبنانية. والنتيجة هي تعديل الحدود ماديا على الارض في خراج بلدة عيترون على طول ثلاثة كيلومترات، وبعمق يصل الى 500 متر في مساحة مزروعة بالحبوب والتبغ (17) . كما حصل تعديل اخر في خراج بلدة الضهيرة، وتحريك الاسلاك الشائكة في العام 1976. هذا بالاضافة الى اقامة مواقع عسكرية "اسرائيلية" داخل الاراضي اللبنانية في اقضية صور وبنت جبيل ومرجعيون، ويمكن تحديد هذه المواقع على النحو الاتي (18):
ـ في قضاء صور، مواقع : الضهيرة، يارين، مروحين، رامية، الناقورة، البستان.
ـ في قضاء بنت جبيل، مواقع: عيتاالشعب، بليدا.
ـ في قضاء مرجعيون، مواقع: ميس الجبل، تل النحاس، كفركلا، القليعة.
نلاحظ كيف ان هذه المواقع العسكرية امتدت على طول الحدود الدولية من القليعة شرقا الى الناقورة غربا، مع ما يرافقها من تحركات عسكرية "اسرائيلية"، باراض لبنانية على رغم عدم دخول لبنان الحرب، وحاولت فرض امر واقع بالقوة المسلحة على طول الحدود الدولية إلى ان حصل الاجتياح العسكري الواسع في العام 1978، ما اوجد معطيات جديدة تمثلت بمنطقة "الشريط الحدودي".
تحددت منطقة "الشريط الحدودي" او منطقة "الحزام الامني" بفعل الاجتياح "الاسرائيلي" لجنوب لبنان صبيحة يوم الخامس عشر من آذار (مارس) 1978. اذ قام الجيش "الاسرائيلي" بتنفيذ "عملية الليطاني" حيث بسط سيطرته حتى نهر الليطاني الذي يصل إلى شمال مدينة صور على شاطئ البحر الابيض المتوسط. ومما لا شك فيه ان احلام السيطرة على مياه هذا النهر لا تزال تراود قادة "اسرائيل" منذ امد بعيد.
وفي هذه العملية الواسعة التي امتدت جغرافيا من راشيا الفخار شرقا حتى راس البياضة على شاطئ البحر غربا، أي على جبهة طولها مئة كيلومتر وعرضها بين 7و17 كيلومترا. اشترك ثلاثون الف جندي "اسرائيلي" مدعومين بالدبابات والمدفعية والطائرات والبوارج الحربية.
وشملت العمليات الحربية 358 قرية في اقضية حاصبيا وبنت جبيل والنبطية وصور، بحيث سيطر الجيش "الاسرائيلي" على مساحة 1100 كيلومتر من الاراضي اللبنانية، مع تدمير آلاف المنازل والمدارس والمؤسسات ودور العبادة، واتلاف المساحات والمحاصيل الزراعية، وقتل وجرح مئات المدنيين (19).
ونتج عن "عملية الليطاني" الاعلان عن "الشريط الحدودي" (20) وهذا ما ساهم في منع تنفيذ قرار مجلس الامن الدولي رقم 425 القاضي بتحقيق الانسحاب "الاسرائيلي" من الاراضي اللبنانية، وتمكين السلطة الشرعية اللبنانية من بسط نفوذها حتى الحدود الدولية. ولم تتمكن قوات الطوارئ الدولية، وقوة من الجيش اللبناني من دخول الشريط الحدودي لتنفيذ القرار المذكور، وانما تفاعلت الاحداث والتطورات الامنية حتى بات هذا الشريط يضم 56 بلدة وقرية في اقضية حاصبيا ومرجعيون وبنت جبيل وصور، حسب التوزيع الاتي (21).
ـ في قضاء حاصبيا: الماري، كفرشوبا، حلتا، السلامية، المجيدية.
ـ في قضاء مرجعيون: بليدا، محيبيب، الخيام، خربة الدوير، الوزاني، القليعة، برج الملوك، كفركلا، ديرميماس، عديسة، مركبا، بني حيان، طلوسة، رب ثلاثين، الطيبة.
ـ في قضاء بنت جبيل: بنت جبيل، بيت ياحون،عيترون، عيناتا، القوزح، عين ابل، دبل، رميش، رشاف، مارون الراس، يارون، رامية، بيت ليف، صربين، حانين.
ـ في قضاء صور: علماالشعب، الناقورة، مراح البياضة، بيوت السياد، الضهيرة، يارين زلوطية، مروحين، ام التوت، طيرحرفا، شمع، شيحين، الجبين، البستان.
ولم يقتصر تأثير "الشريط الحدودي" على الوضع الداخلي اللبناني لجهة تعقيد الوفاق الوطني، والازمة اللبنانية الداخلية، وانما وصل إلى مرحلة اقتطاع اراض لبنانية جديدة داخل هذا الشريط المحتل. وحتى العام 1980، كانت خريطة الاقتطاع الجديدة موزعة على البلدات آلاتية: (22).
ـ عديسة (1800 دونم).
ـ علماالشعب (150 دونما).
ـ عيتا الشعب (50 دونما).
ـ رميش (15 دونما).
ـ عيترون (500 دونم).
هذا، بالاضافة إلى اقتطاع مساحات اضافية من مزرعة الميات وخراج بلدتي حولا وميس الجبل حيث تمت السيطرة "الاسرائيلية" على مناطق : الملوك، العباد، الخانوق، الخلة الفوقا، مرج القعقور، الاطلية، عريض النمل، خلة الذيبة، خلة علي سعيد، البردوشة (23) . وتقع هذه المناطق بين حولا وميس الجبل على طول ثلاثة كيلومترات بعرض 500 متر بالقرب من الحدود الدولية.
إلى هذه المساحات المقتطعة، اقامت سلطات الاحتلال مواقع عسكرية ثابتة ومتنقلة في نقاط عدة : مرجعيون الخيام، عديسة، يارين، علماالشعب(24). وشقت طرقات بين عديسة والخيام، وانشأت مدرجات خاصة لطائرات الهليكوبتر العسكرية في شبعا وجبل حانين (25) . هذا بالاضافة إلى وضع اليد على مواقع اثرية تاريخية، وتدمير الغابات والبساتين الزراعية، حتى ليمكن القول ان سلطات الاحتلال "الاسرائيلية" تصرفت في منطقة الشريط الحدودي بما ينسجم مع تحركاتها العسكرية ضد اللبنانيين والجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية، وبما يخالف القواعد الدولية التي تنظم اعمال سلطات الاحتلال اثناء المعارك الحربية وبعد توقفها. لقد طاولت الاعتداءات المسلحة محافظة الجنوب، وطاولت بعض مناطق العاصمة والشمال، وشملت اطلاق النار على قوات الطوارئ الدولية. وقد بلغ المعدل الوسطي لعدد الاعتداءات اكثر من 500 اعتداء في السنة (26).
وشهد العام 1981 تصعيدا امنيا في مناطق صور والنبطية الزهراني وحاصبيا وراشيا الوادي واقليم الخروب والشوف وصولا الى بيروت. هذا ما ساهم في تفاقم الاوضاع الداخلية اللبنانية، بالتزامن مع التحركات المسلحة للمقاومة الفلسطينية، ومع بروز العوامل الاقليمية والدولية المحركة للازمة اللبنانية. فاتى الغزو "الاسرائيلي" للبنان في صيف العام 1982، وليصل إلى العاصمة تحت عنوان "سلامة الجليل"، وليشمل ثلثي الاراضي اللبنانية تدميرا وقتلا. وقد قدرت اضرار هذا الغزو بـ 7 مليارات ليرة لبنانية (نحو 3 مليار دولار اميركي) ودمرت 23 مدينة وقرية و16 مخيما فلسطينيا، وسقط 73 الف ضحية وجريح من اللبنانيين والفلسطينيين (27).
وقد نتج عن هذا الغزو خروج المقاومة الفلسطينية المسلحة من لبنان، وانطلاق المقاومة اللبنانية للاحتلال "الاسرائيلي"، بحيث ادت إلى انسحابه على ثلاث مراحل بدءا من شباط (فبراير) 1985 إلى داخل الشريط الحدودي. لكن سلطات الاحتلال عمدت إلى توسيع هذا الشريط، وضم قرى وبلدات جديدة اليه على النحو الاتي: (28).
ـ في قضاء حاصبيا: حاصبيا، شبعا، الهبارية، كفرحمام، الفرديس، كوكبا، راشيا الفخار، ابوقمحة، شويا، عين جزما، عين قنيا.
ـ في قضاء مرجعيون: ابل السقي، بلاط، الخربة، القنطرة، ديرسريان.
ـ في قضاء بنت جبيل، كونين، الطيري، عيتاالشعب.
ـ في قضاء صيدا: بعليا.
ـ في قضاء جزين: عازور، صيدون، كفرفالوس، العيشية، عرمتى، كفرحونة، الجرمق، الريحان، قيتولة، بكاسين، انان، بسري، روم، داريا، حيطورة، حيداب، بتدين اللقش، الحمصية، صباح، صفارية، بنواتي، قتالة، زحلتا، وادي جزين، سجد، الميدان، المكنونية، عارية، عين مجدلين، السريري، الغباطية، سنية، الميدان، مزرعة المطحنة، مشموشة، بحنين، القطراني، اليابا، الحرف، حيتولة.
اضافة إلى هذه البلدات والقرى، سيطر الجيش "الاسرائيلي" على مزارع صغيرة، إلى جانب سيطرته منذ العام 1978 على بلدات وقرى الشريط الحدودي الاول، والنتيجة هي ان الشريط الحدودي الثاني، الذي توسع من جراء غزو 1982، بات يضم 167 قرية وبلدة ومزرعة، ويغطي مساحة 850 كيلومترا مربعا، أي ما يقارب 9 في المئة من اجمالي مساحة لبنان (29).
ومع تفاقم ممارسات الاحتلال "الاسرائيلي"، انخفض عدد السكان اللبنانيين المقيمين في الشريط الحدودي من 400 الف إلى 200 الف نسمة بسبب عمليات التهجير والابعاد وتضررت الاراضي والمحاصيل الزراعية. وكذلك النشاطات التربوية والتعليمية والادارية داخل هذه المنطقة، التي شهدت وما تزال عمليات "اسرائيلية" عسكرية بالتعاون مع ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" الذي يتزعمه انطوان لحد. إلى ذلك ثمة تقييد لحركة الدخول والخروج إلى الشريط الحدودي ومنه، على صعيدي الافراد والسلع، من خلال معابر محددة تفرض رسوما وتصريحات محددة وهي (30):
ـ معبر راس البياضة، على الساحل في قضاء صور.
ـ معبر بيت ياحون، يصل بين بنت جبيل وصور.
ـ معبر كفرتبنيت، يصل مرجعيون مع النبطية.
ـ معبر زمريا، يصل حاصبيا مع البقاع.
ـ معبر باتر، يصل جزين مع جبل لبنان.
ـ معبر كفرفالوس، اقفل لسنوات ويصل جزين مع صيدا(31).
لقد تحركت قوات الاحتلال داخل الشريط الحدودي، بالتعاون مع الميليشيا الحدودية، لتراقب حركة الناس، وتقوم باعمال ونشاطات عسكرية داخل الاراضي اللبنانية المحررة. وهي لذلك، اقامت قواعد ونقاط عسكرية على طول الحدود الدولية وبالقرب منها، نذكر منها (32):
قلعة الشقيف، بيت ياحون، تلة القنطرة، مارون الراس، جبل حميد، علمان، الشومرية، سجد، بئركلاب، السويداء، الزفاتة، الدبشة، زمريا، موقع المرصد في جبل الشيخ، الطهرة، تلة رشاف، تلة شمع، برعشية (33). اضافة إلى ذلك، تم انشاء مطارات ومهابط عسكرية في الخيام، وانان (جزين)، ومعسكرات للجنود في سهل مرجعيون والمجيدية، وسهل ابل السقي… عدا عن شق الطرقات داخل الاراضي الزراعية بطول عشرات الكيلومترات من اجل تسهيل حركة جيش الاحتلال.
وتحت وطأة الاحتلال "الاسرائيلي" للشريط الحدودي، واثناء اضطراب الوضع الداخلي اللبناني، نشطت سلطات الاحتلال للاقتراب من مصادر المياه العذبة في الجنوب، فسيطرت على نحو ثلاثين كيلومترا من مجرى نهر الليطاني، وحفرت نفقا لسحب المياه يربط سد الخردلي بدير ميماس عبر تل النحاس (34) . وكان الناطق باسم الامم المتحدة تيمور غوكسيل قد اعلن منذ العام 1984 ان الحكومة "الاسرائيلية" رفضت السماح لمراقبي الامم المتحدة بتفقد المنطقة المذكورة ـ القريبة من ديرميماس ـ ومنعتهم من دخولها (35).
اضافة إلى ذلك، جرت سلطات الاحتلال جزءا من المياه الجوفية لنهري دان والحاصباني، كما سيطرت على مياه نبع الوزاني البالغة 50 مليون متر مكعب، وقد كشف احد التقارير الدولية الذي قدم إلى الاجتماع الوزاري للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الاسكوا) ـ التابعة للامم المتحدة ـ الذي انعقد في عمان خلال شهر ايار (مايو) 1994 ان "اسرائيل" استخدمت 2150 مليون متر مكعب من المياه من العام 1991، استولت على معظمها من انهار الاردن واليرموك والليطاني والوزاني. (الاحتلال "الاسرائيلي" ، وقائع واثار، مصدر سابق ص 19).
هذا ما يفسر جانبا من الاهداف "الاسرائيلية" من خلال السيطرة على جنوب لبنان، المتعلقة بمسألة المياه المطروحة على طاولة المفاوضات المتعددة الطرف، التي انبثقت عن مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط في العام 1991.
وعلى الرغم من بعض التصريحات "الاسرائيلية" الرسمية التي تعلن عن رغبتها بالانسحاب من الاراضي اللبنانية، فان مسلسل الاقتطاع لم يتوقف. وقد استمر ذلك منذ غزو 1982 بالتزامن مع الحديث عن التسوية السلمية في الشرق الاوسط. فقد تم نقل الشريط الشائك على الحدود الدولية من مستعمرة "المطلة" إلى مسافة 600 متر شمالا وبطول يصل إلى خمسة كيلومترات، وقد تم شق طريق على الضفة الجنوبية لنهر الوزاني بطول 12 كيلومترا بعد مصادرة 7 آلاف دونم بالقرب من نبع الوزاني في شهر آب (اغسطس) 1984، ومنع مراقبي الامم المتحدة من تفقد تلك المنطقة. كما جرى ضم مساحات من سهل الخيام واراضي عيتاالشعب وراميا ومروحين والضهيرة وعلماالشعب تقدر بتسعة آلاف دونم.
وقد استمرت عمليات تحريك الاسلاك الشائكة الحدودية في القطاع الغربي من الشريط الحدودي، وبالقرب من قرية يارين، وقبالة مستوطنة "برعام" الصناعية في منطقة الجليل، وهذا ما يبقي مسلسل الاقتطاع مفتوحا على اضافات وتعديلات قسرية للحدود الدولية تحت ضغط قوات الاحتلال "الاسرائيلي".
والاقتطاع لا يستهدف فقط ضم اراض لبنانية جديدة إلى "اسرائيل"، وانما للسيطرة عليها، او على جزء منها على الاقل. هذا الاستهداف "الاسرائيلي" بات معلنا، وليس مخفيا، وهو مدار بحث على هامش المفاوضات المتعددة الطرف.
واما الذريعة "الاسرائيلية" الجاهزة فهي "ضمان امن الجليل" او "ضمان امن شمال "اسرائيل""، حتى ولو اتى هذا الامن على حساب اراضي دولة مستقلة وذات سيادة، على ان مضمون هذا الامن تحدده سلطات الاحتلال "الاسرائيلي"، خارج اطار المواثيق والقواعد الدولية. هذا نموذج عن التوسعية "الاسرائيلية" من خلال اقتطاع جزء من الاراضي اللبنانية، واهمال القرارات الدولية الداعية إلى انسحاب قوات الاحتلال "الاسرائيلية" من جنوب لبنان وبقاعه الغربي.
ـ المصادر:
1ـ الموسوعة الفلسطينية، المجلد الثالث، دمشق 1984، ص 564.
2ـ الموسوعة الفلسطينية، مصر سابق، المجلد الثالث، ص 561.
3ـ Frederic Hof, Galilee Divided, The Israel - Lebanon Frontier, 1916-1984, West View Press, United States of America, 1985.
4 ـ د. عدنان السيد حسين، الاحتلال "الاسرائيلي" في لبنان، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، بيروت 1998، ص 8.
5ـ من اجل الجنوب، من اجل لبنان، المجلس الثقافي للبناني الجنوبي، بيروت 1979، ص 43.
6ـ القرى الجنوبية السبع، مصدر سابق، ص 77.
7ـ سلام الراسي، لئلا تضيع بيروت، 1973، ص 62.
8ـ د. عدنان السيد حسين، مصدر سابق، ص 9.
9ـ مصطفى بزي، جبل عامل في محيطه العربي، المجلس الشيعي الاعلى ، بيروت 1993، ص 10.
10ـ جنوب لبنان، مأساة وصمود، بيروت 1981 ص 33.
11ـ عصام خليفة ـ لبنان: المياه والحدود 1916، 1975، بيروت، 1996، ص 86.
12ـ د.عدنان السيد حسين، مصدر سابق، ص 10.
13ـ المصدر نفسه ص 10.
14ـ المصدر نفسه ص 10.
15ـ انشأ "الاسرائيليون" ثلاث مستوطنات في : رويسة القرن وزبدين ومراح الملول وذلك لاسكان مجموعة من يهود "الفلاشا" المستقدمين من الحبشة.
16ـ صحيفة اللواء، بيروت 14/10/1986.
17ـ لبنان 1949ـ 1985، الاعتداءات "الاسرائيلية"، المركز العربي للمعلومات، بيروت 1862، ص91.
18ـ لبنان 1949ـ 1985، الاعتداءات "الاسرائيلية"، مصدر سابق، ص 124.
19ـ الاحتلال "الاسرائيلي" وقائع وآثار، مجلس الجنوب، بيروت 1995، ص 10ـ12.
20ـ اعلن الرائد سعد حداد بتاريخ 19/4/1979 ومن مستعمرة المطلة قيام "دولة لبنان الحر" بدعم "اسرائيلي".
21ـ د.عدنان السيد حسين، مصدر سابق، ص 13.
22ـ المصدر السابق ، ص 13.
23ـ صحيفة "الشرق" بيروت، 4/2/1982.
24ـ د.عدنان السيد حسين، مصدر سابق، ص 13.
25ـ وكالة مختارات الاخبار العربية والعالمية، بيروت، الملف السنوي، 1978، ص 55.
26ـ لبنان 1949ـ 1985: الاعتداءات "الاسرائيلية"، مصدر سابق.
27ـ "الاحتلال "الاسرائيلي"" وقائع وآثار مصدر سابق ص 17.
28ـ د. عدنان السيد حسين، مصدر سابق، ص 14.
29ـ المصدر نفسه، ص 14.
30ـ المصدر نفسه ، ص 14.
31ـ اعيد فتح هذا المعبر في شهر كانون الاول 1997.
32ـ د. عدنان السيد حسين، مصدر سابق ، ص 15.
33ـ أنظر: 14 آذار، اليوم اللبناني ـ العالمي من اجل الجنوب والبقاع الغربي (المديرية العامة للدراسات والابحاث في المجلس النيابي، بيروت، 1995، ص 66و67.
34ـ المصدر السابق ص 68.
35ـ لبنان 1949 ـ 1985 مصدر سابق، ص 426 و438و442.