مقدمة:
ليس
من هدفنا التوسع في تحديد مفهوم الحدود
واهميتها في المجالات كافة(1). حسبنا الاشارة
الى انها خطوط ترسم على الخرائط لتبين
الاراضي التي تمارس فيها الدولة سياستها او
التي تتمتع فيها هذه الدولة وحدها بحق
الانتفاع والاستغلال…
وعند هذه الخطوط تنتهي سيادة الدولة وتبدأ
سيادة دولة اخرى بما لها من نظم خاصة وقوانين
مختلفة. وتعتبر الحدود الدولية لاية دولة من
ابرز العناصر المشكلة لبنيتها، ولا يزال
العلم حتى اليوم يلهث لادراك طبيعتها
ومميزاتها والاجراءات المرتبطة بها. وتجد
الدول التي تعاني من نزاعات حدودية نفسها في
امس الحاجة للرجوع والاستناد الى "علم
الحدود".
لن
اتطرق في هذا البحث الى النظريات المتنوعة
حول الحدود (الطبيعية، والهندسية، والفلكية
والمصطنعة…)
وحول الحدود العرقية والحدود الاقتصادية
والحدود الاستراتيجية. وانما حسبي التذكير
بما نحا اليه بعض الجغرافيين ـ وخاصة الالمان
منهم ـ في بداية هذا القرن من اعتبار الحدود
ذات اهمية حيوية بالغة في كيان الدولة
ووجودها. وقد منحوها صفة عضو هام من اعضاء
الجسد يقوم بالعديد من المهام ذات التأثير
البالغ في حياة الدولة. حتى ان العالم
الجغرافي (هاوز هوفر) بلغ الى حد شبه فيه
الحدود كجلد الانسان الذي يلعب دورا
فسيولوجيا بالغ الاهمية في حياته ووجوده. لذا
فان اقتطاع جزء من الحدود لدولة ما يشبه
اقتطاع جزء من جلد الانسان بكل ما يمكن ان
يسببه هذا الاقتطاع من آلام ومضاعفات.
*
*
*
بالنسبة
للحدود بين لبنان وفلسطين، حسبي الاشارة الى
ان هذا الامر ارتبط، بالنسبة للاوساط الفاعلة
في الحركة الصهيونية والقوى المتأثرة بها،
بما ورد في التوراة حول حدود ارض “اسرائيل”.
فكتاب (المشنه) الديني يشير الى ان حدود ارض “اسرائيل”
الشمالية لمهاجري مصر تمتد (من النهر وحتى
امناه) والنهر هو نهر الليطاني. و(امناه) هي
راس جبل الشيخ.
والتقاليد
اليهودية تشير الى ان اسباط “اسرائيل”
(آشر، ايزاشر، زبولون، نفطالي) سكنوا جنوب
لبنان.
ولقد
اوضحت في كتابي "لبنان المياه والحدود"(2)
و "الحدود الجنوبية للبنان"(3) تطور مسألة
الحدود من المنظار التاريخي منذ ما قبل العام
1920. والصراعات الدولية وبخاصة بين فرنسا
وبريطانيا حول توزيع مناطق النفوذ وتمفصل
الحركات اللبنانية والعربية والصهيونية
ومطالبها الحدودية مع هذه الصراعات الدولية.
وحسبي التذكير، في ما يتعلق بموضع هذا الفصل،
ان اتفاق 23 كانون الاول 1920 كان حدا فاصلا بين
مرحلتين. وقد تم تحديد حدود لبنان مع فلسطين
بشكل واضح في هذا الاتفاق، في اطار تحديد حدود
مناطق الانتداب لكل من بريطانيا وفرنسا في كل
دول المشرق العربي.
لقد
تم تحديد الحدود، في اتفاق 23 كانون الاول 1920،
بين لبنان وفلسطين وارفق بخريطة توضيحية: من
بانياس تتجه الحدود غربا نحو المطلة وتبقى
الطريق الواصلة بين الجولان وصور وصيدا تحت
الانتداب الفرنسي، ومن ثم تسير الحدود غرب
المطلة فتمر على طول المنطقة المائية الفاصلة
بين حوض نهر الاردن، وحوض الليطاني، ومن ثم
على طول المنطقة المائية الفاصلة بين الوديان
الصغيرة التي تصب في البحر الابيض المتوسط
قادمة من جنوب راس الناقورة، وبين الوديان
التي تصب في البحر المتوسط من شمال الناقورة.
في
المادة الثانية من هذا الاتفاق ـ المؤلف من
تسع نقاط ـ كلفت لجنة لتضع خرائط ميدانية خلال
ثلاثة اشهر من تاريخ التوقيع. وتألفت هذه
اللجنة من اربعة اعضاء: اثنان من السلطات
الفرنسية والانجليزية واثنان من اهالي
المناطق المعنية.
كما
اشير الى ان الخلافات التي قد تنشأ عن اعمال
هذه اللجنة ترفع الى مجلس عصبة الامم بحيث
تكون قراراتها غير قابلة للاستئناف. وعن
موضوع المياه، جاء في الفقرة 8 من الاتفاقية:
"تم تعيين خبراء من قبل دوائر سوريا
وفلسطين لدرس مشترك، خلال ستة اشهر من توقيع
الاتفاقية، حول استعمال امكانيات الري
وانتاج الطاقة الكهربائية لمياه الاردن
الاعلى واليرموك وروافدهما، بعد تأمين حاجات
المناطق الخاضعة للانتداب الفرنسي.
بصدد
هذه الدراسة تمنح الدولة الفرنسية مندوبيها
تعليمات لجهة حرية التصرف باستعمال الفائض من
هذه المياه لصالح "فلسطين".
في
اوائل حزيران 1921، اجتمعت لجنة ترسيم الحدود
وبدأت اعمالها على الارض، وكان على رأسها من
الجانب البريطاني الكولونيل نيوكومب، ومن
الجانب الفرنسي الكولونيل بوليه.
في
3 شباط 1922، وقع الكولونيل نيوكومب والكولونيل
بوليه وثيقة ضمت العنوان التالي: "التقرير
الختامي لتثبت الحدود بين لبنان الكبير
وسوريا من جهة وفلسطين من جهة اخرى، ومن البحر
المتوسط حتى الحمة (وادي اليرموك السفلي)
تطبيقا لتوصيات البندين الاول والثاني من
اتفاقية باريس الموقعة في 23 كانون الاول
1920".
حول
سير اعمال اللجنة، يمكننا لحظ جملة امور:
ـ
اعطت سلطات بريطانيا وفرنسا اللجنة
الصلاحيات الكافية للتصرف تبعا للاوضاع
الجغرافية وبما يخرج، ربما، عن اتفاقية 1920.
ـ
كانت اللجنة تتوقف عن عملها بين الفينة
والاخرى في انتظار ورود توجيهات سلطات
الانتداب حول بعض المشاكل.
ـ
غالبية التعديلات اتت من جانب البريطانيين.
ـ
كانت الحركة الصهيونية تضغط على الجانب
البريطاني من اجل اجراء التعديل.
ـ
بعد 3/2/1922 حاول البريطانيون اجراء عملية
مساومة حول امكانية اجراء تعديلات جديدة.
واجلوا الاقراء النهائي على التقرير حتى
7/3/1923.
ـ
تم نقل منطقة مساحتها 192 كلم2 بجميع من فيها
وما فيها من قرى (حوالي 20 قرية) من اطار الحكم
الفرنسي الى اطار الحكم البريطاني، وقد شملت
هذه المساحة مستوطنات اصبع الجليل وتل دان
ومصادر مياه وادي دان(4).
ـ
لقد ادخلت تغييرات تكاد ان تكون جذرية على
الحدود التي تم الاتفاق عليها بين الفرنسيين
والانجليز في اتفاقية 1920.
ـ
وحرص نيوكومب في مخططاته على الحصول على اكبر
مزايا للبريطانيين، وخاصة الموارد المائية.
ـ
لقد عمدت اللجنة، في تخطيطها للحدود،
للاستناد الى المعالم الطبيعية البارزة،
كالانهار والجبال والوديان والجداول وعلى
وجه الخصوص في القطاع الواقع بين راس
الناقورة والمطلة.
ـ
ان اللجنة حرصت على ان تقع القرية وسكانها في
اطار دولة واحدة، الامر الذي اجبرها على
اجراء حوارات مع زعماء القرى الحدودية
القريبة ومطالبتهم بتحديد حدود اراضيهم
وخاصة الاراضي المستصلحة.
ـ
لم يكن لدى اللجنة خرائط دقيقة وذات مقاييس
رسم كبيرة، بل كانت الخرائط المستخدمة خرائط
عسكرية غير دقيقة وذات مقاييس رسم 100.000/1.
ماذا
عن خط بوله ـ نيوكومب بين لبنان وفلسطين؟
ينطلق
الخط الحدودي من الناقورة ليصل الى رأس
السلسلة الصخرية ويسير فوقها حتى يصل الى قرب
قرية لبونة اللبنانية. ويسير ملتويا من هناك
حتى يصل الى قرب قرية زرعيت، موازيا لبعض
المعالم الطبيعية البارزة، ثم يسير بمحاذاة
اراضي القرويين المتصلة.
وفي
هذه المنطقة بالضبط حدث الانحراف في اتفاقية
عام 1920 لصالح فلسطين في الجنوب (في راس
الناقورة)، وبالقرب من قرية علما الشعب لصالح
لبنان.
وحصل
انحراف في القطاع اللاحق جنوب رميش ويارون
لمصلحة فلسطين. كان طول الحدود بين لبنان
وفلسطين التي جرى ترسيمها 78 كلم. قد وضع فيها 39
تلا حجريا ارتفاع الواحد متر ونصف المتر
تقريبا. وقد نصبت تلك التلال الحجرية في اماكن
بارزة على طول الخط الحدودي وبشكل يمكن
الناضر من احد التلال رؤية التلين الآخرين
المجاورين له عن اليسار وعن اليمين. ويبعد كل
تل عن الاخر حوالي كيلومترين تقريبا باستثناء
المنطق التي كانت هناك ضرورة لجعلها اقل.
ترتفع
الحدود التي ترتكز في بدايتها على الساحل،
على الصخور والمنحدرات القريبة للصور، حتى
تصل الى 356م. ثم تتجه نحو الشرق، صاعدة هابطة
حتى تصل الى ارتفاع مئة متر، ثم ترتفع الى 874م
ثم تصل الى علو 902 في اسفل حرمون، ثم تنحرف
شمال غرب المطلة نازلة نحو منخفض نهر الاردن.
يجدر
بنا ان نشير الى جملة امور حصلت بعد الاتفاق:
1ـ
لم يجر تنفيذ الاتفاقية الا في نيسان 1924.
2ـ
تالف لجنة فرنسية بريطانية لدراسة نتائج هذه
الاتفاقية وتم على اثرها توقيع اتفاق حسن
الجوار (2/2/1926).
3ـ
اقرت عصبة الامم اتفاق بوله نيو كومب عام 1934.
وبذلك اصبحت هذه الحدود تحمل صفة الحدود
المعترف بها دوليا(5).
في
المؤتمر الصهيوني الثاني عشر (1-14 ايلول 1921)،
تم اتخاذ قرار جاء فيه: "يجد المؤتمر نفسه
ملزما بالاعراب عن اسفه لكون مسالة الحدود
الشمالية لارض “اسرائيل”
لم تجد سبيلها الى حل مرضٍ حتى الان".
وفي
ضوء هذا القرار عاودت الحركة الصهيونية
مطالبتها ببعض المناطق اللبنانية في الجنوب.
وقد اعتبرت ان ترسيم الحدود، كما حصل، قد
افقدها نهر الليطاني والاردن الاعلى وجبل
الشيخ وحوران. من هنا سعيها للقيام
بالاستيطان في هذه المناطق الامر الذي عارضته
السلطات الفرنسية بتشدد واضح. فالجنرال ويغان
تحفظ ازاء زيارة احد اعضاء اللجنة التنفيذية
في فلسطين الى بيروت، وكان يدعى Kisch
(تموز
1924)، كما شجب أي تعاون بين الحركة الصهيونية
ويهود سوريا. وفي احد تقاريره الى الخارجية
الفرنسية قال: "لن اذهب الى حد عرض الخريطة
المطبوعة عام 1917 من قبل الصهاينة حيث نلاحظ ان
الحدود الشمالية للدولة الصهيونية تصل الى خط
سكة حديد بيروت ـ دمشق، أي انها تضم صور وصيدا
وقسما كبيرا من لبنان الجنوبي. وبمناسبة
تخلينا الاخير عن اراضي المطلة لفلسطين ـ
يضيف التقرير ـ تصاعدت في الاوساط الصهيونية
مطالب بضم حرمون وجنوب البقاع"، وعليه بادر
ويغان بمنع شراء الاجانب عقارات في بعض
المناطق الحدودية(6).
اما
القنصل الفرنسي Gaston
Maugras فقد
كتب الى رئيس الوزراء الفرنسي عام 1925: "ان
لدى الصهاينة ارادة عميقة للمطالبة بصور
وضواحيها. ثم انهم ولا شك طامعون بمياه
الليطاني …
انه يجب عدم القيام باي عمل من شانه تشجيع مثل
هذه المطامع".
من
جهة اخرى، ارسل القنصل Maugras
الى وزارة الخارجية تقريرا اخر اشار فيه الى
ان البروفيسور Brower
قد وضع خريطة للطلاب اليهود ادخل فيها
المناطق الواقعة جنوب خط صيدا ـ دمشق في
فلسطين التاريخية.
مجلة
Palestine
Weekly
نشرت مقالا هاما بعنوان "تصحيح الحدود" Adjusting
the frontiers
بتاريخ 27 تشرين الثاني 1925. هذا المقال حاول ان
يشدد على الاسافين الاستراتيجي لنقض اتفاق
بوله نيو كومب من اجل ادخال الليطاني ضمن نطاق
فلسطين.
عام
1934تمت مصادقة عصبة الامم على اتفاق بوله ـ
نيوكومب، لكن الحركة الصهيونية لم تتخل عن
الامل بتغيير هذا الوضع. وقد تم اصدار عدة
دراسات في الثلاثينات والاربعينات من القرن
العشرين حول امكانية استفادة فلسطين من مياه
الليطاني على صعيدي الري والكهرباء. ومن
الجدير بالملاحظة ان مشروع المعاهدة بين
لبنان وفرنسا عام 1936 كان يرمي الى تثبيت حدود
لبنان والحيلولة دون العادة النظر فيها برغم
بعض المحاولات، من قبل بعض السياسيين ورجال
الدين، في طرح اقتراحات باعادة النظر بحدود
الدولة التي تم تكريسها في دستور 1926(7). ويبدو
ان نهاية العام 1936 وبداية العام 1937 شكلتا نقطة
تحول هامة في موقف اغلبية النخب الاسلامية في
لبنان الكبير. فبعد ان كان هناك تحفظ على
لبنان الدولة والحدود على امتداد العشرينات
ومنتصف الثلاثينات (من خلال ما سمي مؤتمرات
الساحل) ارسل المجلس الاسلامي الذي كان يرأسه
سليم علي سلام مذكرة الى وزير الخارجية
الفرنسية اشاد فيها بمبدأ 6 و 6 مكرر المشار
اليه في ملاحق معاهدة 1936. وفي ضوء تحقيق
المساواة فالمسلمون يعتبرون ان بالامكان
التكيف مع النظام السياسي الجديد. وبدل
الاستمرار في رفع شعار الوحدة مع سوريا اصبح
المطلب الاسلامي التنسيق مع الاشقاء العرب من
ضمن لبنان في حدوده المعترف بها في الدستور.
وقد
تأكد هذا الموقف في نص الميثاق الوطني
اللبناني المكتوب والذي وقع في منزل يوسف
السودا عام 1938(8).
في
عام 1941 طلبت الوكالة اليهودية رسميا من
الحكومة البريطانية اطلاق يد اليهود في
فلسطين كلها وضم جنوب لبنان اليها حتى نهر
الليطاني في مقابل دعمهم للمجهود الحربي
البريطاني. وقد رفض تشرشل هذا العرض في بيان
رسمي القاه في مجلس العموم.
وقد
نشرت صحيفة معاريف رسالة بن غوريون الى
الخارجية البريطانية عام 1941 ويقول فيها: "علينا
ان نتذكر انه من اجل ابقاء الدولة اليهودية …،
يجب ان تكون اراضي النقب، وكذلك مياه الاردن
والليطاني داخل حدودنا".
في
النصف الاول من الاربعينات حصل تحول اخر على
صعيد السياسة السورية من مسالة حدود لبنان
بما فيها حدوده الجنوبية:
أ
ـ عام 1942 صرح جميل مردم بك وزير خارجية سوريا:
"نحن مستعدون لان نتنازل عن كل مطلب في
لبنان، بل ان نوسع اراضي لبنان اذا لزم".
ب
ـ الحكومة الاستقلالية المدعومة سوريا
وعربيا صرحت بلسان الرئيس رياض الصلح انها
ستقيم العلاقات مع الدول العربية بما فيها
سوريا على اسس متينة تكفل احترام الدول
العربية لاستقلال لبنان وسيادته التامة
وسلامة حدوده الحاضرة. وصرح الزعيم الوطني
رياض الصلح في هذه الاثناء: "دعوا لبنان
وشانه، فلبنان السيد المستقل يخدم القضية
العربية الف مرة اكثر من لبنان الذائب في بلد
عربي آخر".
ج
ـ في اثناء مباحثات الاسكندرية (1944) حول قيام
الجامعة العربية، اقر المجتمعون اقتراحا
طرحه جميل مردم بك بالاجماع: "ان الدول
العربية المتمثلة في اللجنة التحضيرية تؤيد
مجتمعة احترامها لاستقلال لبنان وسيادته
بحدوده الحاضرة …".
د
ـ وافق مجلس النواب اللبناني على بروتوكول
الجامعة العربية وشكر الرئيس رياض الصلح على
الجهد الذي بذله في سبيل المحافظة على
استقلال لبنان بحدوده.
في
29 تشرين الثاني 1947، اتخذت الجمعية العامة
للامم المتحدة القرار رقم 181، وهو ما سمي
بالتوصية، "بخطة لتقسيم فلسطين". ويهمنا
من هذا القرار التوقف عند عدة نقاط:
1ـ
تنشأ في فلسطين الدولتان المستقلتان العربية
واليهودية.
2ـ
يحد منطقة الدولة العربية في الجليل الغربي
من الغرب البحر الابيض المتوسط ومن الشمال
حدود لبنان من رأس الناقورة الى نقطة شمالي
الصالحة …".
3ـ
تحد القطاع الشمالي الشرقي من الدولة
اليهودية (الجليل الشرقي) من الشمال والغرب
الحدود اللبنانية. بعد هذا القرار اندلعت
المعارك بين القوات “الاسرائيلية”
وجيوش الدول العربية. وبادرت القوات
الصهيونية الى احتلال مساحة طويلة وضيقة من
الاراضي اللبنانية، ودمرت عدة قرى لبنانية
وبنت على انقاضها مستعمرات لها. في 11 ايار 1949
تمت الموافقة على انضمام “اسرائيل”
الى الامم المتحدة وعلى نحو استثنائي. فقد
ربطت عضويتها بشروط وردت في مقدمة القرار،
منها التعهد بتنفيذ قرارات الامم المتحدة
ومنها القرار المتعلق بالحدود (29 تشرين
الثاني 1949).
يهمنا
في هذا السياق التوقف عن جملة امور:
1ـ
اثار مندوبو “اسرائيل”
اثناء اجتماعات لجنة التوفيق الدولية عام 1949
مسألة مياه الليطاني، مما حدا باللجنة ان
توصي في تقريرها الصادر في كانون الاول
باستثناء سبعة اثمان مياه الليطاني في “اسرائيل”،
وذلك بتحويله الى وادي الاردن.
2ـ
نص اتفاق الهدنة الموقع في 23 آذار 1949 في
المادة الخامسة: "يجب ان يتبع خط الهدنة
الدائمة الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين …".
3ـ
الزم الاتفاق “الاسرائيليين”
بالانسحاب من عدة مناطق شمال الحدود كانوا قد
احتلوها ابان معارك 1948.
4ـ
تطبيقا لروحية الاتفاق، قامت لجنة الهدنة
اللبنانية ـ “الاسرائيلية”،
وباشراف الامم المتحدة، بعملية مسح جديدة
للحدود وتثبتت نقاط الحدود. وقد بدأ هذا المسح
في 5/12/1949، وانتهى في 15 من الشهر ذاته.
5ـ
تقاسم لبنان واسرائيل تكاليف اقامة العلامات
الحدودية (من فئتي A
وB
).
والعلامات اللبنانية تكون زرقاء اما “الاسرائيلية”
فتكون حمراء.
6ـ
مثل الجانب “الاسرائيلي”
غوزنسكي وسيجال، ومثل الجانب اللبناني
الكابيتان
غانم والكابيتان ناصيف، والسيدان مسره
وبتيفور كتقنيين.
7ـ
تم الاتفاق على ما يلي:
أ
ـ الترسم يتم على قاعدة اتفاق بوله نيو كومب.
ب
ـ العمل سيتم على اساس خريطة، 1/20.000
Palestine
والخريطة
1/50.000
Levant .
ج
ـ اعمال ترسيم الحدود واعادة احياء الاشارات
التي كانت موضوعة سابقا تبدأ انطلاقا من
الشرق.
د
ـ توضع نقاط اساسية (38 نقطة) ونقاط ثانوية.
هـ
ـ العمل يجب ان يتم بسرية.
و
ـ الاعباء المالية يتحملها لبنان واسرائيل.
8
ـ حصلت تباينات وخلافات في تفسير اتفاق بوله
نيو كومب خاصة شرق المطلة وحتى ضفة نهر
الحاصباني.
في
المرحلة اللاحقة، وبخاصة بعد 1967، علقت “اسرائيل”
العمل بلجنة الهدنة وقامت باحتلال جنوب لبنان
عام 1978. هكذا يتبين ان هناك خطا ثابتا لدى “اسرائيل”
تسعى لتغيير الحدود. وفي هذا السياق يمكن ان
نتفهم ما ذكره احد الباحثين الاميركيين (برنارد
راش)، حيث قال:
"ان
الاتجاهات السياسية “الاسرائيلية”
والرأي العام “الاسرائيلي”
كان منقسما بالنسبة لتحديد الرقعة او الحدود
التي يريدونها ومن ثم اتفقوا على شيء واحد،
وهو عدم التكلم عن هذا الموضوع وتركه للوقت
والظروف التي ستحدد مقدار الرقعة التي يمكن
ان تضمها. “اسرائيل”
تبدو وكأنها آخذة بمفهوم راتزل للحدود
السياسية. هذا المفهوم البيولوجي الذي يركز
على التوسع والاستيلاء على المناطق
والاقاليم العامة في اطار اعلان سلطان الدولة
وقوتها".
الهوامش:
1
ـ يمكن العودة الى عدة مراجع، ابرزها:
Michel
Foucher: Fronts et frontieres, Fayard, 1988
2ـ
عصام خليفة : لبنان المياه والحدود، بيروت،
1996.
3ـ
عصام خليفة : الحدود الجنوبية للبنان بين
مواقف نخب الطوائف والصراع الدولي 1908ـ 1936،
بيروت، 1985.
4ـ
دان او اللدان : هو من روافد نهر الاردن.
5ـ
تجدر الاشارة الى ان هذه الاتفاقية اودعت في
عصبة الامم منذ العام 1924 واقرت في شباط من
العام نفسه. لكن عام 1932 تم استكمال ترسيم
الحدود السورية الفلسطينية بين الحمة
واليرموك. ويبدو ان هذا السبب كان في اساس
تكرار ايداع هذا الاتفاق مجددا، عام 1934، في
عصبة الامم.
6ـ
القرار رقم 2700 اصدره حاكم لبنان الكبير
فندنبرغ، وصدق عليه المفوض السامي ويغان، وهو
يختص بمنع الاشخاص المعنويين من تملك
العقارات في الاقضية الواقعة على الحدود، وهي
حاصبيا وراشيا ومرجعيون صور:
المادة
الاولى: لا يجوز للاشخاص المعنويين المنصوص
عليهم في المادة الثانية من القرار رقم 2547
المتقدم ذكره ان يشرتوا او يمتلكوا عقارات
ولا ان يتصرفوا بها في الاقضية الواقعة على
الحدود، وهي حاصبيا وراشيا ومرجعيون وصور،
الا اذا حصلوا على ترخيص صريح في ذلك من حاكم
لبنان الكبير.
المادة
الثانية: على سكرتير الحكومة العام تنفيذ هذا
القرار.
بيروت
في 17 ايلول سنة 1927
حاكم لبنان الكبير
الامضاء
: فندنبرغ
صدق
تحت رقم 2856.
عاليه
في 19 ايلول سنة 1924.
الجنرال
المفوض السامي للجمهورية الفرنسوية في سوريا
ولبنان.
الامضاء
: ويغان.
7ـ
ورد في المادة الاولى من دستور 1926: "لبنان
الكبير دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ. اما
حدوده فهي المعترف له بها رسميا من قبل حكومة
الجمهورية الفرنسوية المنتدبة ومن لدن جمعية
عصبة الامم، وهي التي تحده حاليا.
مجموعة
قوانين ومراسيم حكومة الجمهورية اللبنانية،
مجلد 1، بيروت 1930، مطبعة الادب، ص 2.
8
ـ نصت المادة الاولى من الميثاق الوطني
اللبناني الذي وقع في منزل يوسف السودا عام
1938:
اولا:
استقلال لبنان التام في حدوده الحاضرة وكيانه
الجمهوري وحكمه الوطني".
د.
عصام خليفة : من الميثقا الوطني اللبناني الى
الجلاء 1938ـ1946، بيروت 1998، ص 34.
9ـ
يمكن العودة الى المحاضرة المتعلقة بلجنة
الهدنة.