دور المياه في عملية تسوية الشرق الاوسط

د. حمد الطفيلي

استاذ في الجامعة اللبنانية كلية الآداب - الفرع الرابع


مقدمة

ان مطامع "اسرائيلية" جغرافية مرسومة الإستراتيجية شاملة تنفذ على مراحل وفقا لاعتبارات سياسية ودولية. فالمعلوم ان الجنوب اللبناني كان وما يزال هدفا لاطماع الصهيونية منذ مؤتمر "بال" في سويسرا 1897 الى مشروع "بن غوريون" لاستصلاح صحراء النقب وجر مياه الليطاني اليها في الخمسينات. وبعد انشاء سد القرعون ومعمل الكهرباء وقعت المنطقة تحت الاحتلال "الاسرائيلي" المباشر واصبحت الاخطار مضاعفة والواقع اشد اثارة لهذه المطامع التاريخية. وجميع المشاريع المائية التي وضعتها "اسرائيل" او حماتها من البعثات الاميركية. كان يندرج فيها حساب السيطرة على مياه الليطاني، او تقاسمه على الاقل مع لبنان مثل مشروع جونسون وكوتون وميلك الخ..

وقد نبه بعض السياسيين اللبنانيين المخلصين لبلدهم وجنوبهم مرارا الى النوايا التوسعية لدى "اسرائيل" تجاه الجنوب والبقاع الغربي ومياه الليطاني.

ان المطامع البارزة "لاسرائيل" هي مياه الليطاني ومنابع الاردن من الوزاني والحاصباني النهرين اللبنانيين في الجنوب اللبناني، وذلك ان ارض فلسطين صحراوية في جزء كبير منها وهي تحتاج الى الموارد المائية والطاقة الكهربائية ولا سبيل لسد هذه الحاجة الانمائية الا باغتصاب هذه الثروة المائية اللبنانية وترمي "اسرائيل" من اعتدائها اليومي ومن اجتياحها للجنوب اللبناني الى منع السلطة اللبنانية من استثمار مياه انهر الليطاني والاولي والحاصباني والوزاني استثمارا منظما مخططا تخطيطا علميا حتى تنقض عليها يوما ويصبح استثمارها لصالحها. ولنهر الليطاني بالنسبة "لاسرائيل" اهمية تتجاوز نطاقي الاستراتيجية والتوسع الجغرافي، فهو اغزر نهر في لبنان طوله 160 كلم وعليه ارتكزت السياسة الانمائية اللبنانية ليس فقط بالنسبة الى الجنوب والبقاع وحسب بل بالنسبة لكل لبنان على صعيد الري والطاقة الكهربائية، ولم يستطع لبنان تكملة خطته الانمائية التي انشأ لها مصلحة مستقلة في جهازه الاداري هي "مصلحة الليطاني" لان الاعتداءات "الاسرائيلية" المتواصلة حالت دون ذلك. كما تعمل ابواق "اسرائيل" الاعلامية الدعائية على اشاعة الاخبار التي مفادها ان مياه الليطاني يذهب منها هدرا الى البحر اكثر من 300 مليون متر مكعب سنويا ويكفي "اسرائيل" من هذه المياه الضائعة نصف الكمية لتحقيق مشاريعها الحيوية والانمائية.

 

حاجة "اسرائيل" للمياه (1):

ان انتاجها من الموارد المائية السطحية والجوفية قد قارب على النفاذ. فالاحصاءات الاستهلاكية للمياه قد بلغت سنة 1977 ما مجموعه 1670 مليون متر مكعب في حين ان الحد الاقصى للايراد السنوي المتوفر لا يزيد عن 1850 متر مكعب. اما حاجاتها حتى نهاية هذا القرن سواء للاستهلاك المنزلي او لتأمين حاجات التنمية الزراعية والصناعية فتكون بحدود 700 مليون متر مكعب عما تستهلكه اليوم (2).

وازمة المياه مستمرة في "اسرائيل" ومتفاقمة بدوام سياستها المصرة على توطين المزيد من المهاجرين اليهود الذين قد يصل تعدادهم في نهاية هذا القرن الى 10 ملايين مستوطن وان معظم التدابير الداخلية والاجراءات التي تعتمدها للتخفيف من ازمة المياه لم تنجح ولم تكن كافية. وهذا الوضع يبين انه لم يعد من خيار امام "اسرائيل" سوى الاعتداء والاغتصاب لمصادر المياه في البلاد العربية المجاورة وخاصة مياه الليطاني ومنابع الجنوب اللبناني. ولا تخفى اطماع "اسرائيل" في مياه هذا النهر الجنوبي (الليطاني) وهي اطماع مزمنة تعود الى ما قبل سنة 1919 أي قبل رسم الحدود الدولية للبنان. وقد ظهرت في الخمسينات بصورة بارزة عبر مشروع كوتون الذي اقترحته كبديل لمشروع جونسون الخاص بالاستثمار الموحد للموارد المائية في حوض وادي الاردن.

ولقد اصرت في مشروع كوتون على نصيبها من مياه نهر الليطاني محددة حصتها بما لا يقل عن 400 مليون متر مكعب تاركة للبنان اقل من 200 مليون متر مكعب. ومما يؤكد مطامعها بمياه الجنوب اللبناني تصديها سنة 1966 للمشروع العربي القاضي بتحويل مياه ينابيع الحاصباني وشبعا والوزاني في كل لبنان وسوريا واعتبارها الاقدام على عمليات تحويل المياه عدوانا مباشرا عليها. وقد قامت لاحقا باحتلال مواقع المشروع في سوريا خلال حرب حزيران 1967.

وقد اقدمت على وضع يدها على مصادر المياه في الجنوب اللبناني من خلال اجتياحها للجنوب اللبناني في 14 آذار 1978 تحت اسم "حرب الليطاني"(3).

واخطر ما في سياسة العدوان "الاسرائيلي" على الشريط المحتل، اقدام "اسرائيل" على قضم الاراضي وتوسيع حدودها الشمالية وتغيير معالم الاراضي في العديد من مناطق الشريط مبررة ذلك ب"الضرورات الامنية" وفي هذا المجال، عمدت قوات الاحتلال الى نقل الشريط الشائك على امتداد الحدود اللبنانية ابتداء من كفركلا وصولا الى الناقورة والبياضة بعمق يتراوح بين خمسمائة متر والف متر. كما نقلت الشريط الشائك بين تل النحاس والوزاني حتى عمق يتراوح بين كيلومترين وخمسة كيلومترات بطول يبلغ خمسة عشر كيلومترا تقريبا كما تمثلت سياسة القضم بتحويل لمزارع شبعا الى مستوطنات يمكن ان تستوعب آلاف اليهود الجدد القادمين الى الكيان الصهيوني، وقد تم الاستيلاء على هذه المزارع على مرحلتين: الاولى عام 1967 والثانية ابتداء من العام 1988 (4).

كذلك اتضحت اطماع "اسرائيل" في المياه اللبنانية، وتأكد ذلك عبر اعتراف مسؤول "اسرائيلي" مؤخرا حينما قال: "اسرائيل" تستفيد من فائض مياه الحاصباني والوزاني.

كما تفيد التقارير ان "اسرائيل" تسرق قسما من مياه الليطاني عبر نفق يمتد من محيط دير ميماس حتى مجرى الوزاني في فلسطين المحتلة.

اما على الصعيد الواقع الذي لا يترك مجالا لاي شك فقد قامت "اسرائيل" عند بدء الاجتياح للمنطقة، باحضار فريق من الاختصاصيين لدراسة الثروة المائية في المنطقة ووضع يدها على الدراسات والخرائط المائية الموجودة في المصلحة الوطنية لنهر الليطاني. وخلال المؤتمر الوطني لدعم تحرير الجنوب (5) سلطت الابحاث الاقتصادية الصادرة عنه، الاضواء القوية على هذا الخطر كاشفة النقاب عن معلومات جديدة مقلقة: فبعد ان اظهر المؤتمر حاجة "اسرائيل" الماسة الى المياه واوضح انها تطمح في تنفيذ مشروع يقضي بضخ 150 مليون متر مكعب سنويا من نهر الليطاني في اتجاه اراضيها عن طريق اقامة محطات قرب جسر الخردلي لضخ المياه الى بحيرة طبريا كما ذكر ان "اسرائيل" انجزت لهذه الغاية معظم المنشآت (حفر نفق يصل الخردلي بتل النحاس ومنه الى بحيرة طبريا)، ولم يبق امامها سوى فتح شباك النفق قرب الخردلي.. على ان يستكمل هذا المشروع بانشاء سد تجميعي لحصر المياه، خصوصا في فصل الشتاء (سعة السد نحو 120 مليون متر مكعب… وتكون نتيجة ذلك قطع المياه كليا او جزئيا عن السهل الساحلي الجنوبي الذي يروي منه حاليا 50 الف هكتار وعن محطات الضخ في مصلحة مياه جبل عامل التي تؤمن مياه الشفة الى 60 قرية جنوبية ووقف تنفيذ مشروع ري الجنوب.. هذا مع العلم ان مياه الليطاني باتت تشكل الافق شبه الوحيد امام البقاعيين والجنوبيين لاعادة تكوين مصادر دخلهم المنهار..

ان الاطماع التاريخية التي تتعلق بالاستيلاء على المناطق والمياه والمواقع الاستراتيجية معروفة. ويعمل ارشيف الحركة "الاسرائيلية" من خلال الوثائق والبرامج والمخططات ومع المعلومات الى وضع سياسة عملية تكون خلال عام 1999 موضع التنفيذ بحيث تلائم الظروف المستجدة من خلال قدوم اعداد المهاجرين الجدد وتشييد مستوطنات لهم ستكون موزعة خرائطيا على بقع جغرافية صالحة حيويا واستراتيجيا لاستمرارية تخدم مصالح "اسرائيل" القريبة والبعيدة المدى من خلال قبولها المنسق مع اميركا لمشروع السلام العربي - "الاسرائيلي" والسير به تحت شعار الارض مقابل السلام.(6).

وباعتقاد "اسرائيل" ان الصلح مع العرب اهم من قسم كبير من الاراضي والدليل السابق تمثل بخروج "اسرائيل" من قسم كبير من اراضي سيناء (اتفاقية كامب ديفيد). على هذا الاساس فان كل حدود تصل اليها من خلال التسوية القائمة ستكون حدودا عربية وخطرها قائم مهما ضاقت مساحة الارض التي تحتلها.

ان الحل بنظر "اسرائيل" هو الصلح الدائم الذي يضمن استسلام الدول العربية لنظام امر واقع دولي جديد (7).

ولقد نشرت منذ سنوات مضت اشاعة واسعة مفادها انها تمتلك الخبرة والتكنولوجيا المتقدمة اما العرب فيمتلكون المال والثروات الطبيعية والمياه. فالخبرة والمال والثروات المائية والطبيعية تكمل بعضها البعض لخلق حالة اقتصادية نامية ومتقدمة لصالح العرب و "اسرائيل" معا.

ان هذه الاشاعة المبطنة تضمر للعرب سواء على اعتبار انهم يفتقرون للعلم والاختصاص، وهذا متوفر لديها، وان العرب لا يمكنهم استخدام مواردهم الطبيعية وثرواتهم المائية والنفطية في الوجهة السليمة دون التعامل مع "اسرائيل" فالتعامل وتطبيع العلاقات واقامة سلام ينهي حالة الحرب واقامة علاقات طبيعية مضمونة بينها وبين جيرانها وهنا يكمن بيت القصيد أي وقوع العرب تحت رحمة "اسرائيل" واميركا عرابة هذا السلام المنشود.

ان المطامع الاستراتيجية "الاسرائيلية" تسعى للاستفادة من مردود قناة السويس والحصول على حصة من مياه نهر النيل والليطاني والوصول الى الضفة الغربية لنهر الفرات وامساك الطرق التجارية بين الشرق والغرب (8) وتطمح ايضا لتجعل من نفسها مركزا اساسيا للصناعة والخدمات (مواصلات - سياحة - ترانزيت - سوق مالية) ومهيمنة بذلك على المنطقة باسرها، مستفيدة من وجودها في قلب البلدان العربية وموقعها الجغرافي الذي قطع اوصال هذه البلدان عن بعضها البعض في قارتي اسيا وافريقيا وشل كليا حركة المواصلات والنقل والتجارة (9).

وتنتظر "اسرائيل" بفارغ الصبر تحطيم المقاطعة العربية في حقلي الصناعة والتجارة لتغزو الاسواق العربية وتقضي على الصناعات العربية الناشئة. كما ان الموانئ والمطارات "الاسرائيلية" تشكل منافسا خطرا للموانئ والمطارات العربية بالنسبة للسائحين الاجانب والتجارة الداخلية والمسافرين عبر القارات ولحركة نقل النفط ومشتقاته (10).

ان مشاريع مشتركة بين اميركا و "اسرائيل" مرسومة للتنفيذ في الشرق الاوسط اشار اليها عالم الاقتصاد الدكتور ايغور بليايف في ابحاثه عام 1979 بعنوان "دور رأس المال "الاسرائيلي" في التغلغل الاقتصادي في العالم العربي" واحد مجالات فرض النظام العالمي الجديد في المنطقة العربية هو المجال الاقتصادي. ويبدو ان شعارا جديدا ظهر الى الوجود بعد حرب الخليج هو انشاء سوق مشتركة للشرق الاوسط تمتد معالمها الى العام 2000م..

في ضوء ذلك، كيف تتوزع الادوار في السوق المشتركة للشرق الاوسط؟

هذا السؤال بدأت مؤشرات الاجابة عليه واضحة المعطيات: يضع العرب ثرواتهم، ولا سيما النفط والمياه والثروات الطبيعية الحديثة في مجال الاستخدام، وتفرض "اسرائيل" سيطرتها السلمية بغطاء اميركي.

ويبدو ان احتلال "اسرائيل" للشريط الحدودي في الجنوب اللبناني هو الادارة التي ستستغل لتحقيق سلامها القائم للاستفادة من المياه الجنوبية كخطوة اولى مرسومة في ضوء معطيات انشودة السلام المزروع في الشرق الاوسط على ضوء ما ترسمه لفصل المسارين السوري واللبناني وطرح مشروع لبنان اولا والتلويح بالتهديد العسكري والتنصل من اتفاق مدريد ثم اوسلو وغيرهما.


هوامش

1- هآرتس ومعاريف 22-9-1989 نقلا عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية - السنة التاسعة عشر ص 8-16.

2- شملت هذه التدابير مشاريع اعادة استعمال مياه المجاري والمعامل بعد تصفيتها ومحاولة وقف التبخر من بحيرة طبريا واستمطار الغيوم وتحلية المياه المالحة والتخزين الجوفي والاعتماد على جميع مياه السيول والاقتصاد في استعمال المياه المنزلية.

3- راجع اوري افنيري: "حرب الليطاني القذرة" م.س. ص 125.

4- تاريخ الجنوب اللبناني تأليف محمد ياسين - دار الغد العربي- بيروت ص 35.

5- اعتمدنا الابحاث الاقتصادية التي تضمنتها الدارسات اللبنانية في وزارة الاعلام اللبنانية وارشيفها الخاص عن موضوع الجنوب اللبناني واطماع "اسرائيل" في المياه وتصريح للدكتور سليم الحص في السفير 5-4-1986 "جنوب العرب".

6- نورمان بنوتش "فلسطين اليهودية" عن نجيب صدقة 325-327.

7- د. مروان عبدو "القضية الفلسطينية" ص 128-130.

8- شيمون بيريز "حروبنا مع العرب" ص 19.

9- انظر: كما ورد في البحوث ضمن كتاب التنشئة الوطنية.

10- ناحام غولدمان: "اسرائيل" الى اين؟ دار المشرق العربي الكبير - دمشق 1985 ص 154-158.