عودة بالذاكرة الى عدوان تموز 1993

ثبات المقاومة يبدل استراتيجية الحرب ويسقط اهدافها

امير قانصوه

العهد 23-7-1999


ان تعود بالذاكرة الى ست سنوات خلت ، حين قرر ايهود باراك ومن خلفه رئيس حكومة العدو اسحاق رابين "تصفية الحساب" مع لبنان - المقاومة، الشعب والدولة، يعني ان تعود الى عشرات الشهداء ومئات الجرحى وآلاف المنازل المدمرة والمتضررة باليد الصهيونية وبآلة الحرب والصواريخ الاميركية.

ومن يتذكر ذلك.. يتذكر لبنان الذي كان يخوض ملحمة الصمود.. والمواجهة والمجاهدين الذين صمدوا في الثغور والوديان والتلال ليحولوا "تصفية الحساب" الى لعنة على قيادة الاحتلال ترغمها على الرضوخ لتوازن الرعب وتفوق الارادة.. الذي اعطى المقاومة ولبنان لاول مرة في تاريخه حق الرد على المستعمرات الصهيونية عند أي اعتداء يطاول المدنيين.. ومن رحم ما سمي "تفاهم تموز" ولد تفاهم نيسان بالتوازن نفسه الذي كرس هذا الحق، وثبت للمقاومة دورها المشروع في مقاومة الاحتلال وحماية اهلها وشعبها.

هنا عودة بالذاكرة الى عدوان تموز 25-31-1993.

كنا في غرفة التحرير حين جاءنا الخبر، "طائرات العدو تغير على خراج مدينة بعلبك"، الخبر عادي في مسلسل الاعتداءات التي ينفذها العدو بين الحين والاخر.. لم يمر وقت طويل حتى عاود المتصل مرة ثانية "غارة ثانية استهدفت بلدة عين التينة في البقاع الغربي".. ومرة ثالثة" غارة على منطقة الناعمة - جنوبي بيروت"، وتوالت الانباء متسارعة عن طائرات العدو التي بدأت تلقي حممها في اكثر من موقع.

جميع المراسلين انطلقوا جنوبا وبقاعا - يعني الى ارض المعركة والمواجهة للاطلاع على مجريات الحرب على ارض الواقع - لم نكن نتوقع لهذه الحرب ان تطول.. ولم نر فيها تمهيدا لاجتياح بري، فالعدو عاجز عن البقاء في مواقعه المحصنة، فكيف به ينطلق لاحتلال منطقة جديدة. كان ذلك قبل ان يخرج قادة العدو وعلى رأسهم رئيس الاركان آنذاك ايهود باراك ليعلن "ان جيشه يواصل ضرب قواعد حزب الله وان أي خيار ليس مستبعدا لاتمام هذه العملية على افضل وجه". في حين كان رئيس حكومته المقبور اسحاق رابين يقول امام الكنيست الصهيوني "ان العملية ستكون في اقصر وقت ممكن".

اما الأهداف التي يجب ان تحققها هذه الحرب فعلى رأسها "نزع سلاح حزب الله" كما عبر ايهود باراك واضاف "حتى لا تفعل "اسرائيل" ذلك (النهار 27-7-1993 وحدد العدو لتحقيق الاهداف عدة مراحل من العدوان "ضرب الاهداف لحزب الله وتنظيمات فلسطينية، المرحلة الثانية غارات على قواعد للمقاومة، المرحلة الثالثة قصف عنيف لدفع سكان الجنوب الى النزوح"، وفي الوقت نفسه فرضت البحرية "الاسرائيلية"  حصارا على مرفأي صور وصيدا.

واوضح ذلك احد كبار ضباط سلاح المدفعية "الاسرائيلية" عندما قال "انه تلقى اوامر بتحويل نحو 30 قرية الى انقاض".

وفي مواجهة العدوان الواسع اعلن الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله من بعلبك التي تعرضت للغارات الاولى الاستنفار والتعبئة العامة لمواجهة كل الاحتمالات، وقال في مؤتمر صحفي "كنا نتوقع قيامه بعملية واسعة وان يلجأ الى عمليات القصف الجوي". اضاف "اننا نعتبر انفسنا في حالة حرب مفتوحة مع هذا العدو".

وقد انعكس موقف المقاومة حالة فريدة من الصمود في مواجهة آلة الحرب الصهيونية، الاهالي لم يغادروا منازلهم الى حين اطلق العدو المرحلة الثالثة لعدوانه وهي تهجير الاهالي من منازلهم الى بيروت للضغط على الحكومة اللبنانية، وبالتالي على المقاومة للرضوخ.. وحول ذلك ميدانيا إلى قصف مركز على المنازل والمنشآت المدنية ما ادى الى سقوط الكثير من الشهداء والجرحى من المدنيين، ودفع المواطنين الى النزوح نحو بيروت التي احتضنتهم.. حيث تحركت الهيئات الاهلية والرسمية ومنها مؤسسات حزب الله وفتحت ابواب المدارس والابنية لاستقبالهم ضيوفا مكرمين، فامنت لهم كل مستلزمات عيشهم، وهو ما امتص غاية العدو من ذلك.

وفي المقابل كانت المقاومة الاسلامية مستعدة لمواجهة العدوان عسكريا، فبدأت فورا بدك مستعمرات العدو في شمال فلسطين المحتلة بعشرات صواريخ الكاتيوشا محققة توازنا بالخسائر قتلى، جرحى ونزوح كثيف.

وهناك في احد ثغور المقاومة قال احد قادة المجاهدين لنا: "نحن جاهزون لاي احتمال وصواريخ الكاتيوشا ستستمر باحراق المستوطنات حتى رضوخ العدو وايقاف عدوانه على الآمنين".

كان ذلك في اليوم الثاني من العدوان. وبالفعل فان المقاومة الاسلامية وبالرغم من حجم الكتلة النارية للعدو واصلت عملياتها ضد مواقع الاحتلال  بالوتيرة نفسها، كما واصلت دك المستعمرات حتى اللحظة الاخيرة من العدوان. لا بل كان كلما صعد العدو عدوانه، دفعت بمزيد من صليات الكاتيوشا الى اهداف داخل المستعمرات حتى كادت تقتل رئيس الكيان الغاصب عايزر وايزمن عندما كان يجول برفقة زوجته متفقدا مستعمرة كريات شمونة.

ثبات المقاومة والاحتضان الشعبي الكبير لها والرسمي ايضا انعكس تراجعا في استراتيجية الحرب عند العدو، ففي حين كان الهدف كما قال وقتها باراك "نزع سلاح حزب الله" تحول الهدف الى ان ""اسرائيل" تريد ضمانات لوقف الهجمات بصواريخ الكاتيوشا". اما رابين فقد حاول تبرير فشل العملية مسبقا حين قال "ان العملية اضرت بقدرة حزب الله على اطلاق صواريخ الكاتيوشا (…) لكن ليس بالقدر الذي يمنع اطلاقها في الايام المقبلة".

وابلغ رد رابين وباراك وفشلهما كان من احد المستوطنين الصهاينة في كريات شمونة عندما قال لاحدى وسائل الاعلام "انها كارثة فعلا، فالمدينة لم تشهد مثل هذا القصف من قبل، لقد اوقع القصف اضرارا جسيمة وفرق الانقاذ تجوب الشوارع في حال ذعر قصوى". (جريدة النهار 26-7-1993).

وخلال العدوان قتل ما يزيد عن ثلاثة جنود صهاينة في عمليات للمقاومة الاسلامية استهدفت مواقع العدو وجرح اكثر من 25 جنديا ومستوطنا.

اما خسائر المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة فقد قدرت بحوالى 35 مليون دولار.

وذكرت تقارير العدو ان اضرارا لحقت بثمانين مصنعا في القطاع العام والخاص كانت هدفا لقذائف الكاتيوشا (النهار 11-8-1993).

وعن التكاليف المادية لعملية اعلن المسؤول المالي في وزارة الحرب الصهيونية الجنرال ميخائيل نافون ان عمليات القصف على جنوب لبنان كلفت "اسرائيل" 29 مليون دولار (النهار 14-8-1993).

اما تضحيات الشعب اللبناني فقد كانت في منطقة الجنوب: 63 شهيدا و 536  جريحا، 1508 منازل دمرت كليا و 1832 منزلا دمرت بشكل جزئي.

وفي منطقة البقاع 15 شهيدا، 25 جريحا، تدمير 6 منازل كليا، وتضرر 71 منزلا.

جبل لبنان: 15 شهيدا، وعشرة جرحى.

وفي الشمال: 15 شهيدا و 26 جريحا، ووقعت اضرار بالغة في مخيم البداوي ، كما دمر بشكل كلي معمل للزجاج قرب المخيم.

وارتفع للمقاومة الاسلامية عشرون شهيدا خلال التصدي للعدوان.

سبعة ايام من الحرب بين الاحتلال ، بكل ما يملك من قوة النار، والمقاومة الاسلامية ، بكل ما تملك من قوة الارادة وعزيمة المواجهة والثبات، حتى اسقطت اهداف العدوان وجعلت العدو يرضخ مجددا لتوازن الرعب.

وبعد ايام قليلة صفت حسابها مع العدو على طريقتها المختلفة وفي حرب قصيرة للغاية.. فقد مزقت عبوة ناسفة في شيحين اكثر من عشرة جنود صهاينة والحقتها باخرى عصر اليوم نفسه (19-8-1993) حتى اضطر رابين للقول "لقد اتغلب علينا حزب الله". وهو القول الذي ظل يلاحقه حتى مقتله.