لبنان ، التحول الذي ضاع
داني ريشف
مقدم احتياط في الاستخبارات العسكرية
هآرتس 7/1/1999 (نقلا عن جريدة السفير)
اقيم الحزام الامني ، كما هـو معروف اليوم، عام 1985 مع انسحاب الجيش "الاسرائيلي" من لبنان اثر عملية سلامة الجليل، بهدف حماية المستوطنات الشمالية من الخطر المركزي آنذاك: المنظمات الفلسطينية . وبالنسبة لتلك المنظمات ، فان هدفها الأساسي كان دولة "اسرائيل". وكان ينظر في الاصل للجيش "الاسرائيلي" في الحزام الامني كعامل اعاقة.
وقد اقيم الحزام الامني على ثلاثة اسس: الاول كان وجود عدو مشترك. فسكان الجنوب ، مثل جميع سكان لبنان، رأوا في الفلسطينيين المتهم الاساسي في الحرب الاهلية. والاساس الثاني تمثل في الامن النسبي. فقد سيطرت في لبنان اعداد لا تحصى من الميليشيات المتنازعة، ومنح التعاون مع "اسرائيل" سكان الجنوب استقرارا وامنا لم يتوافرا في باقي الاراضي اللبنانية. اما الاساس الثالث فهو الازدهار الاقتصادي في اعقاب فتح الحدود الدولية مع "اسرائيل" امام سكان الجنوب.
غير ان حرب الخليج غيرت امورا كثيرة في الشرق الاوسط. وبينها ايضا المعطيات الاساسية في لبنان. فقد حظي السوريون باذن اميركا لاعادة الاستقرار الى الحكم في لبنان. وجرى تجريد الميليشيات، وفي مقدمتها المنظمات الفلسطينية من سلاحها، واستأنف الجيش اللبناني والشرطة واجهزة الامن عملهم. فقط سمح لمنظمة حزب الله بان تحتفظ بميليشيا مسلحة شرط ان تحصر نفسها في ما سمي بـ حرب التحرير ضد "اسرائيل" وبذلك ارضى السوريون حلفاءهم الايرانيين وابقوا بايديهم امكانية ضرب "اسرائيل" وفق اغراضهم السياسية.
وادت سيطرة حزب الله على ميدان الصراع الى تغيير هذا الميدان من اساسه، في جميع خصائصه الهامة: نوعية قتال حزب الله . خصائص تهديده للجيش "الاسرائيلي". تعامله مع سكان الشمال وتهديده لاساس التعاون بيننا وبين سكان الجنوب. وحزب الله الذي تدرب على ايدي نشطاء حراس الثورة في ايران، اثبت صعوده امام الاختراقات الامنية "الاسرائيلية" وحقق انجازات خاصة في حربه السرية ضدنا وقد برهن على قدرة عملياتية اعلى بكثير من تلك التي كانت لدى الفلسطينيين ، بما في ذلك قدرته على الوصول الى السياج الامني وفق اعتبارات العملياتية.
وعلى رغم ان زعماء حزب الله اعلنوا ان الطريق الى القدس يمر عبر جنوب لبنان، فان هذه المنظمة لم تقم عمليا باي محاولة تسلل مباشر الى "اسرائيل"، وبالمقابل ، فانها طورت قدرة لقصف مدفعي طويل المدى، وهو تهديد لا يستطيع الحزام الامني احباطه كما ان الرد عليه يرتبط بمنظومة اعتبارات سياسية تفترض التصعيد دائما. ويجدر التشديد على ان حزب الله رأى في هذا التهديد مجرد سلاح ردع يستخدم ضد "اسرائيل" فقط عندما تضرب الاخيرة البنى التحتية والسكان.
ومحصلة ذلك كله ان قيودا فرضت على نشاطنا. وبشكل مفارقة، فانه في سياق الخطر الذي يتعرض له سكان "اسرائيل"، تحولت فعاليات الجيش "الاسرائيلي" في الحزام الامني من نشاطات تبعد الخطر الى نشاطات تنطوي بالضرورة على احتمال جوهري للمواجهة .
ومن الاسس الثلاثة التي اقيم وفقها الحزام الامني لم يبق سوى القليل جدا. فالعدو المشترك لم يعد قائما. ولبنان يحظى اليوم بامن عام مرتفع نسبيا. وفقط في الجنوب يستمر القتال، اما بخصوص الاساس الثالث، فالحزام الامني ما زال يتمتع بمستوى حياة مرتفع. لكن جزءا كبيرا من النشاط الاقتصادي في لبنان موجه تحديدا للجنوب. كوزن مضاد لنشاطات "اسرائيل".
وقد اضيف الى ذلك كله اساس جديد، فالحكم اللبناني يعمل بشدة ضد المتعاونين مع "اسرائيل" وايضا ضد أقربائهم. ولم يعد من يلتحق "بجيش لبنان الجنوبي" مجرد مقاتل في ميليشيا محلية يقاتل من اجل مصلحة محلية. كما كان الحال في لبنان، وانما خائن للشعب اللبناني.
وهذا يلحق الضرر بالمستوى الوسيط على وجه الخصوص - صغار الضباط، افراد اجهزة الامن وكل من ليس صاحب شأن يقتضي معالجة مؤسساتية "اسرائيلية" عندما تتطلب الحاجة ذلك. فالطريق شبه الوحيدة امام هؤلاء لضمان مستقبلهم هو التعاون مع الاستخبارات اللبنانية - السورية. وهكذا فان الجيش "الاسرائيلي" يعمل في محيط موبوء بالتسرب الاستخباري في كل مجال له ضلع "بالجيش الجنوبي". في ذات الوقت الذي لا يوجد فيه تقريبا أي احتمال بتنفيذ أي عملية من دون اطلاع هذا الجيش عليها بشكل من الاشكال، واذ لم يحصل ذلك، فان الجيشين "الاسرائيلي" و"الجنوبي" سوف يطلقان النار على بعضهما.
ويبدو ان الحكومة "الاسرائيلية" لم تدرس التغيير الاساسي الذي طرأ على لبنان باسره. ولم تضع تحت الاختبار نظرية الامن في الشمال اثر التحول الإستراتيجي في لبنان، ولم تدرس بجدية البدائل المختلفة، بما في ذلك الانسحاب من طرف واحد.