التطبيع ··والفكر السياسي العربي
الاتحاد الإماراتية 12/9/2000
طيب تيزيني
تسفر الدراسات العلمية السياسية، بكيفية مطردة ومتصاعدة، عن ملامح أيديولوجيا التطبيع في الفكر الصهيوني الإسرائيلي· فهذه الأخيرة تعلن عن نفسها جهاراً ودون غمغمة وبكثير من الاستفزاز، وكذلك- وهذا ذو أهمية لافتة- في سياق الممارسة السياسية المباشرة داخل فلسطين وخارجها· والملاحظ أن هذه الممارسة تفصح عن نفسها بصيغة خطاب ردعي يدعو الى هيمنة اسرائيل ليس على فلسطين كاملة فحسب، بل كذلك على الوطن العربي برمّته· وإذا كان هذا الخطاب الردعي قد استبدل آلياته ووسائله من عسكرية حربية الى أخرى جيوبوليتيكية واقتصادية (وهذا نفسه قد لا يكون دقيقا إلا بقدر جزئي في ضوء سياسة الاستيطان الاسرائيلية ذات الطابع الإجرامي الإرهابي)، فإنه ظل مصراً على استراتيجية ابتلاع الوطن العربي· إذ بحسب ذلك، ليس هذا الأخير أكثر من أرض بدون شعب حقيقي · من هنا، تتضح واقعة خطيرة هي أن السلطات الاسرائيلية المتعاقبة لم تضع خريطة بحدود اسرائيل· وإذا عدنا الى الخطاب الصهيوني الاسرائيلي في نصوصه التأسيسية اللاحقة، وجدنا بعد نصّ دايان: (أنا أحارب، إذاً أنا موجود)، نصّ بيرس الذي قد يبدو مناقضاً لذاك، وهو غير ذلك لأنه متمم له: أنا أهيمن على الأرض والاقتصاد والمياه، إذاً أنا موجود · من هذين النصّين - المبدأين، استنبط نتانياهو أطروحة ربما تمثل راهناً التطبيع في الفكر الصهيوني، وهي: أنا أحارب مهيمناً وأهيمن محارباً، إذاً أنا موجود · ومن الطريف أن نستعيد عناوين الكتب، التي ضمنها أولئك أفكارهم المذكورة الثورة، الشرق الأوسط الجديد، مكان تحت الشمس لنضع يدنا على الدلالات الدقيقة التي تحملها·
في ضوء ذلك، يمكن تحديد الصهيونية بالفكرة المركزية الحاسمة التالية: إنها ما يحدد ويعرّف بذاته إيجاباً، وبغيره سلباً، بحيث لا يغدو الآخر أكثر من كونه لا صهيونياً - غويتم · إن هوية الآخر ، والحال كذلك، هوية سلبية، ينبغي في سبيل قيادة سلبيتها الى حدودها المنطقية القصوى، أن يجري تجاوزها تدميراً، لكن بشرط أن تبقى بمعنى سلبي ما، كي يتسنى لها للصهيونية أن تراهن دائماً وأبداً على إيجاد توازن ما بين شتات من الإثنيات واللغات والتواريخ والتراثات المتحدرة من فيض كبير من المرجعيات في العام·
إن سلاماً فعلياً، والحال كذلك، لا يمكن أن تحتمله اسرائيل، لأنه يمثل مدخلاً استراتيجياً إلى تفككها وتشظّيها ديموجرافياً وثقافياً واجتماعياً، على الأقل ولا شك أن مثل هذا السلام الفعلي من شأنه أن يجلب ثمار الندّية والكرامة والمثاقفة وحق تقرير الشعوب والأمم في تقرير مصائرها· وهذا ما لا يمكن احتماله هاهنا· ومن ثم، ما الذي يتبقى للعرب من خارج هذه الدائرة؟ إن المبدأ الكوجيتو الذي طرحه منظّرو الفكر الصهيوني والذي أتينا على بعض تجلياته، لا سبيل الى مواجهته، في هذه الحال إلا عبر مبدأ عربي يركّز على ما هو مناهض ومناقض لذلك، ونعني به: أنا أقاوم، إذاً أنا موجود!
أما الصيغة التطبيقية المحتملة لتحقيق ذلك، فلعلها لا تخرج عما يمكن أن يكون أهم جامع عربي الآن، في عصر العولمة الأميركية الصهيونية، إنه جامع التطبيع العربي - العربي · إنه تطبيع ذو شقين اثنين، بين النظم العربية وشعوبها، وبين النظم العربية ذاتها، وفي هذه الحال يمكن اكتشاف حدود دنيا لهذا التطبيع، الذي غدا ضرورة قصوى أمام العرب، كي لا يفقدوا هويتهم ويخرجوا من التاريخ، بصيغة أو بأخرى منها صيغة التأديب الكوسوفي وصيغة الابتلاع العولمي ، إضافة إلى صيغ أخرى تتولد في سياق الحدث·
أكاديمي ومفكر - جامعة دمشق