تطور اسلحة الانتفاضة
بعد
عام من اندلاع الانتفاضة تبدو فصائل العمل
الفلسطيني أكثر إيماناً وعزيمة على استمرار
خيار المقاومة والعمل المسلح النوعي الذي وحد
القوى والجماهير في خندق واحد بخلاف
المفاوضات التي فرقتهم ومزقتهم على مدار سنين
طويلة. وبدا واضحاً أن الانتفاضة اتجهت نحو
العمل المسلح النوعي وغاب طابع العمل
الجماهيري الشعبي عن ساحات المواجهة
باستثناء مسيرات تنطلق يوم الجمعة في بعض
المدن الفلسطينية وبالتحديد غزة ورام الله.
فقد أيقن المجاهدون أن الهجوم أفضل وسيلة
للدفاع عن المقدسات والأرض فراحوا يضربون
الكيان الصهيوني في العمق وألحقوا به خسائر
فادحة وحطموا منظومته الأمنية وقهروا "جيشه
الذي لا يقهر".
في
رصد عام لتطور أداء الانتفاضة المسلح يتبين
أن الانتفاضة الأولى التي اندلعت في نهاية
عام 1987 قد تخللتها بعض الاعمال ذات الطابع
العسكري لا يمكن مقارنتها بالتطور الذي تشهده
الانتفاضة الثانية، "انتفاضة الأقصى"،
لا من حيث الكم من العمليات المسلحة، ولا من
حيث التجديد في الأساليب والوسائل المستخدمة
فيها. وأيضاً ليس من حيث الخسائر الفادحة
البشرية والمادية التي ألحقت بالعدو من جراء
التطور النوعي في العمل المقاوم .
وتعتبر
انتفاضة الأقصى طورا متقدما عن الانتفاضة
الأولى انتقلت فيه من مرحلة النضال الجماهيري
إلى النضال النوعي المنظم في المقاومة بكل
أشكالها .
حيث
من الملاحظ أن انتفاضة الأقصى منذ انطلاقتها
في 28/9/2001 أظهرت في شهرها الأول ميلاً لاستحضار
نفس الأساليب الجماهيرية الحاشدة للانتفاضة
الأولى قبل أن تضطر شيئاً فشيئاً إلى امتشاق
السلاح الفردي المتاح، بينما تراجعت للخلف
مظاهر المشاركة الجماهيرية الواسعة.
كما
انه بعكس "الهبة" الكبرى للمواجهة “الاسرائيلية”
- الفلسطينية المسلحة التي جرت من قبل فيما
عرف بـ "هبة الأقصى" عام 1996 عندما انفجرت
مواجهات عنيفة بسبب قرار حكومة بنيامين
نتنياهو فتح نفق أسفل المسجد الأقصى، وشاركت
قوات الأمن الوطني الفلسطيني حينها بالنصيب
الأوفر في هذه المواجهات التي قتل فيها 14
عسكرياً صهيونياً، واستشهد أكثر من مئة
فلسطيني فضلاً عن جرح ما يربو على الألف في
الجانب الفلسطيني. لكن هذه المواجهة المسلحة
كانت محدودة من حيث مداها الزمني أو من حيث
الأسلحة التي استخدمت فيها والتي اقتصرت
حينها على الأسلحة الفردية والرشاشات،
ونتيجةً للتدخل الأميركي المباشر تم تطويق
هذه الاشتباكات ووقفها.
وربما
أعطت هذه "الهبة" الحافز لاستعادة "السيناريو"
نفسه في انتفاضة الأقصى لكن ذلك لم يكن إلا
عاملاً ثانوياً فحسب في تطور الانتفاضة نحو
حمل السلاح، فثمة عوامل أخرى أكثر أهمية هي
التي عززت الميل الكامن والمكبوت لدى
الفلسطينيين للتحول صوب "الانتفاضة
المسلحة".
العامل الأول هو عدم جدوى المفاوضات بعد تجربة أوسلو التي استمرت سبع سنوات دون تقدم يذكر، وعززه العامل الثاني وهوانتصار المقاومة الإسلامية في لبنان وهزيمة قوات الاحتلال بحيث شكل هذا الانتصار مصدر إلهام للفلسطينيين، فيما تمثل العامل الثالث بتعاظم الخسائر البشرية في صفوف المواطنين الفلسطينيين (شهداء وجرحى ومعاقين، إنذار ايهود براك بوقف الانتفاضة خلال 48 ساعة، استخدام الرصاص الحي، قذائف الدبابات، والصواريخ الموجهة من طائرات الهيلوكبتر والاغتيالات .. الخ).اما العامل الرابع فكان فوز شارون في الانتخابات على قاعدة تفويض شعبي “إسرائيلي” باستخدام القوة المطلقة لإخماد الانتفاضة، ما وضع الانتفاضة أمام تحدّ لا يمكن الرجوع عنه أو الانكسار أمامه.
الإطار
الاستراتيجي للتطور المسلح للانتفاضة
لا
يبدو أن هناك إمكانية واقعية للعودة عن
الاستمرار في التطور المسلح للانتفاضة
الفلسطينية، واستعادة الطابع الاجتماعي
الجماهيري والشعبي للانتفاضة، نظراً
للتطورات الخطيرة في السياسة العسكرية
للحكومة “الاسرائيلية”:
ـ
على المستوى الاستراتيجي تؤمن هذه الحكومة،
على عكس الحكومات السابقة، بأن هناك حلا
عسكريا صرفا للانتفاضة، ولا يوجد أي مؤشر -
للآن - على تراجعها عن خطتها لتدمير السلطة
الفلسطينية وإلحاق هزيمة عسكرية حاسمة
بالانتفاضة.
ـ
على المستوى السياسي تستمر هذه الحكومة في
انتهاج سياسة عسكرية صرفة حتى مع التظاهرات
السلمية وأشكال الاحتجاج الفلسطينية غير
المسلحة.
ـ
على المستوى العملياتي طرأ تحول “إسرائيلي”
خطير بتفويض القيادات الميدانية حتى ضابط
الموقع، وليس رئيس الأركان أو قائد المنطقة
أو القطاع، حرية العمل العسكري المباشر ضد ما
يعتقد هذا المستوى الأدنى أنه يشكل تهديداً
أمنياً من الجانب الفلسطيني: "هذه سياسة
قوات الاحتلال في المناطق لفتح النار: لم يعد
هناك رصاص تحذيري، لا يوجد تعليمات حتى
لاعتقال مشتبه به، في المناطق يطلق الجيش
النار من أجل القتل".
لذلك
كله لم تعد هناك أي إمكانية واقعية للعودة إلى
الطابع الجماهيري الأول للانتفاضة، ولا حتى
للمزاوجة أو التبادل بين هذا الطابع وبين
التطور المسلح للانتفاضة.
بالمقابل
يصعب الاستدلال في الجانب الفلسطيني على رؤية
تتبنى التطور المسلح للانتفاضة، ولكن
استناداً إلى معطيات متفرقة يمكن القول بوجود
تيارين يقفان على أرضية واحدة هي: استمرار
الانتفاضة وعدم العودة عن الكفاح المسلح،
ولكنهما يتوزعان رغم ذلك إلى فرعين وهما:
الفرع
الأول، والذي تمثله حركة فتح، وخاصة التنظيم،
وما ينبثق عنه من مجموعات مسلحة تتخذ لنفسها
أسماء عدة، والتي تنهض بالعبء الأكبر من
المجهود العسكري اليومي للانتفاضة. هذا
الفرع، بحكم تربيته السياسية وعلاقته
بالسلطة يبدي تفهماً لوضع الانعطافة المسلحة
للانتفاضة في إطار استراتيجي أكثر شمولية
واتساعاً. لكنه مع ذلك يبدي معارضته وربما
عناده لمحاولة مسخ الانتفاضة بحصرها فقط في
إطار التكتيك التساومي مع الاحتلال “الاسرائيلي”،
ولذلك ربما كان هذا الفرع من "فتح" أقرب
إلى "فتنمة" الانتفاضة، والذي يعني
زيادة كلفة الاحتلال واستنزافه، والدمج ما
بين العمل السياسي والتفاوضي وخيار استمرار
المقاومة المسلحة.
والفرع
الثاني، الذي تمثله حركة حماس والجهاد
الإسلامي، والذي ينزع إلى تحويل تطور
الانتفاضة المسلح إلى استراتيجية بذاتها،
هذا على الأقل ما يمكن الاستدلال عليه من
الشعار الذي يتم تلقينه والإلحاح عليه: "المقاومة
هي خيار شعبنا الوحيد". ويضع هذا الفرع هذه
"المقاومة" ضد وفي مواجهة المفاوضات وكل
مسارات التسوية السياسية.
ويؤمن
هذا الاتجاه بمقولة جرت صياغتها في صورة تشبه
القانون ومفادها: أن تهديد الأمن القومي “الاسرائيلي”
يوحد الإسرائيليين بينما المس بالأمن الفردي
الشخصي يقسم "الإسرائيليين".
تقويم
عسكري
اعتماداً
على معطيات "إسرائيلية" إحصائية (يجب
التعامل معها بحذر وتحفظ) للأشهر الستة
الأولى من الانتفاضة فإنه يمكن إجراء تقويم
عسكري أولي للأداء العسكري للانتفاضة على
النحو التالي:
أولاً:
الأهداف
تركز
الجهد العسكري الأساسي للانتفاضة على هدفين:
1
ـ
قوات جيش الاحتلال “الاسرائيلي”
في الضفة والقطاع.
2
ـ
المستوطنون والمستوطنات اليهودية، بينما
ركزت حركتا حماس والجهاد الإسلامي بشكل خاص
جهدهما على العمليات الاستشهادية والعبوات
والسيارات المفخخة خلف الخط الأخضر (الاراضي
المحتلة عام 48) في داخل التجمعات “الاسرائيلية”
متخذة بذلك نموذج مقاتلي حزب الله في لبنان .
وبدءاً
من شهر آذار/ مارس الماضي بدأ الكيان الصهيوني
في الإعلان عن سقوط قذائف هاون على
المستوطنات والمدن خلف الخط الأخضر داخل
المستوطنات المقامة على اراضي الاهالي،
وحمّلت السلطة الفلسطينية وتنظيم فتح وحركة
حماس والجهاد الإسلامي المسؤولية عنها.
ثانياً:
الأساليب والتكتيكات القتالية
اعتمد
تطور الانتفاضة على الاساليب والتكتيكات
التالية:
1
ـ
إطلاق النار من الأسلحة الخفيفة والرشاشة،
ويتفرع هذا التكتيك كما يلي:
-
إطلاق
النار على المواقع العسكرية والمستوطنات (المواقع
والأهداف الثابتة).
-
إطلاق
النار من الكمائن على أهداف متحركة(عسكرية
ومستوطنين).
-
إطلاق
النار من سيارات متحركة.
-
القنص
والتصويب الدقيق.
-هجمات
بواسطة القنابل اليدوية.
-هجمات
بواسطة قاذفات مضادة للدروع.
وقد تحدثت الأوساط الأمنية “الاسرائيلية” عن استخدام محدود لقذائف مضادة للدروع تركب على فوهة الرشاشات، وهي في الغالب تشير إلى مقذوفات من نوع "الأنيرجا" وليس عن قذائف ب ـ7 التي تقول المصادر “الاسرائيلية” انها بحوزة الفلسطينيين دون أن تؤكد وقوع هجمات بها .
2
ـ
العبوات المتفجرة والألغام المضادة للدروع.
اعتمدت
المجموعات الفلسطينية في إعداد العبوات
المتفجرة على مواد مستخلصة من مخلفات ألغام
قوات الاحتلال القديمة وعلى مواد مصنعة
محلياً، وبمرور الوقت طرأ تحسن نوعي على
تصنيع واستخدام العبوات المتفجرة، وخاصة عن
طريق العبوات المسيطر عليها عن بعد،
والمؤقتة، وتحدثت مصادر العدو عن تطورين
بارزين في استخدام العبوات: الأول عن طريق
التحكم في تفجيرها عن بعد بواسطة الهواتف
الخلوية المحمولة، والثاني عن طريق استخدام
القذائف القديمة كعبوة متفجرة. واستخدمت
العبوات المتفجرة بشكل محدود في عمليات
عسكرية مركبة، مثل تفجير عبوات مضادة للأفراد
في إطار كمين منسق ومعد سلفاً.
من جهة أخرى جرى استخدام الألغام المضادة للمركبات والدروع، اعتماداً على الألغام القديمة أو المصنعة محلياً.
3
ـ
العمليات الاستشهادية والسيارات المفخخة.
وحسب
معلومات العدو فإنه في الأشهر الستة الأولى
من الانتفاضة وقعت داخل فلسطين المحتلة (. . .)
ويتوزع هذا الرقم على العمليات الاستشهاديه
والسيارات المفخخة وزرع العبوات المتفجرة .
فقد ارسلت حركتا حماس والجهاد الإسلامي (72) استشهاديا إلى داخل العمق الصهيوني، وتشير هذه الأرقام إلى معدل سنوي لم يتجاوز (9) عمليات في السنة، بينما جرت في الأشهر الثمانية الأولى من الانتفاضة الثانية (13) عملية استشهاديه.
4
ـ
القصف بمدافع الهاون
انتقل
التطور المسلح للانتفاضة نوعياً إلى إقحام
أسلوب جديد باستخدام قذائف "المورتر" أو
الهاون نتيجة عوامل عدة ابرزها الزيادة
المتسارعة في الخسائر الفلسطينية البشرية
والمادية مع محدودية تأثير الرد بالأسلحة
الفردية المتوافرة. وجاء الهاون ليرسي معادلة
جديدة لم يكن الاحتلال يتوقعها وهي هز
الاحساس بالامن لدى الصهاينة، خصوصا في
المستوطنات وشل قدرتهم على الحركة حتى في
داخل الحصون الامنية المسيجة التي يحيط
المستوطنون انفسهم بها. وهذه هي الميزة
الاساسية لسلاح الهاون السهل الاستخدام
والسريع الحركة والتنقل والذي تكفي قذيفة
واحدة منه ـ دون خسائر بشرية ـ لاجبار "الاسرائيليين"
على البقاء بين الجدران. وكان مصدر القلق
الآخر للعدو هو كيفية حصول المجاهدين على
مدافع الهاون وقذائفها، وامكانية تصنيعها
محليا بحيث يجعلها متوافرة رغم كل الاجراءات
الامنية.
التطور
المسلح للانتفاضة إلى أين؟
كانت
تقديرات أجهزة الأمن والاستخبارات “الاسرائيلية”
قد أخطأت أكثر من مرة في تقديرها لوضع
الانتفاضة، واستخدمت تعبيرات عديدة مثل "الانتفاضة
تخبو"، "علامات إنهاك على الانتفاضة"..
الخ، ورغم التفوق العسكري الساحق للعدو
الصهيوني فقد اتضح من الانتفاضة الأولى ومن
الشهور الثمانية الأولى من الانتفاضة
الثانية، أن "اسرائيل" تفتقد إلى "نظرية
عسكرية" للانتصار على هذا النوع من
المواجهات شبه الحربية، رغم ان الأغلبية في
حكومة شارون تؤمن وتدعو إلى "الحسم العسكري".
كما
ان سياسة شارون في مواجهة الانتفاضة، حتى
الآن، استخدمت التكتيكات التالية:
-
سياسة
العقاب الجماعي للمواطنين (تقسيم وعزل
الأراضي والمواطنين في 62 قسماً، تجريف
الأراضي الزراعية، وتدمير المنازل.. الخ).
-
سياسة
الفصل بين السلطة والمواطنين وتركيز القصف
على مواقع الأمن الوطني ومؤسسات السلطة، ومنع
وصول العمال والتجار لاماكن عملهم.
-
سياسة
الاغتيالات المعلنة والصامتة (نفذ العدو حتى
الآن عمليات اغتيال ما يقارب من 65 كادراً من
القيادات الميدانية للانتفاضة بالاضافة الى
قيادات سياسية).
-
استخدام
مفرط للقوة العسكرية (هجمات بصواريخ موجهة من
طائرات الأباتشي، قصف جوي بطائرات F.16/
استخدام صواريخ أرض أرض،الهجوم بالدبابات،
استخدام القذائف الفوسفورية وصواريخ بحر -
أرض.. الخ).
حتى
الآن لم تحقق هذه التكتيكات أهدافها الأساسية:
الحسم العسكري، أو وقف الانتفاضة عن طريق
تعظيم "صورة وقدرة الردع"، وعلى المستوى
السياسي ايضا، لا يبدو أن هذه التكتيكات قد
حقّقت هي الأخرى أهدافها المتمثلة بإسقاط
السلطة والإيقاع بينها وبين المواطنين
وانقلاب الجماهير على الانتفاضة.. الخ.
وبالمقابل
فإن الانتفاضة تبدو بحاجة في كل مرحلة إلى
إعادة تقويم أوضاعها، في هذا المجال ربما كان
من المفيد هنا الإشارة إلى محاذير ومخاطر:
سيادة مفاهيم العسكرتارية، الانفصال عن
الواقع، إهمال ترقية الجانب الفني والمهني
للتكتيك العسكري، الانحراف إلى أهداف ثانوية
أو إلى الصراعات الداخلية،الإفراط المخل
لاستخدام السلاح، ارتكاب أي إساءات
للمواطنين والإفراط دون مبررات ضرورية في
تعريض ممتلكاتهم ومصادر رزقهم للخطر.. الخ.
في
الختام نستطيع القول ان الانتفاضة تجاوزت
مرحلة طمسها أو اغتيالها في ظل وعي أبنائها
الذين أدركوا أن البندقية وحدها هي التي تكفل
النصر والتحرير وان وعد الله بالنصر قريب وأن
التفريط في المقاومة هو خيانة لدماء آلاف
الشهداء والجرحى الذين سقطوا على الدرب.