الراعي والحية!

الهدف: كسر شوكة عرب اللد

 ياسر العقبي

مجلة اخبار النقب الصادرة في فلسطين المحتلة عام 1948


يجلس نبيل حماده  ابن الـ39 واضعاً رجلاً على أخرى في مقهى ومطعم حمدوني، الواقعة بين الكنيسة والمسجد في اللد، ويشد نفساً آخر على شيشته العربية، في هذا الملتقى الذي يعتبر من الأماكن القليلة التي يجتمع فيها عرب اللد. أبو عمّار الذي وُلد في اللد، تكبّد قبل ثلاثة أسابيع معاناة هدم الكشك الذي كان يعيله هو وأبناء بيته. كان الكشك داخل البيت ولكن ذلك لم يعجب رئيس البلدية الجديد، الذي وعد في معركته الإنتخابية بـ "علاج العرب" - وقد يفهم هذا بالعبرية بمفهومين. استصدر هؤلاء العمال أمراً بهدم الكشك ليقطعوا رزق أبو عمار ورزق أولاده، ويبدو أنهم لا يعرفون أن "قطع الأرزاق كقطع الأعناق". أبو عمار وجّه عمال البلدية إلى ثمانية أكشاك بجوار بيته، ولكن هذه الأكشاك يديرها "يحزكيل" وليس "نبيل" وبالرغم من أنها جميعاً لم تبن بترخيص من بلدية اللد - إلاّ أن أقواله لم تلق آذاناً صاغية.. وسلّم أبو عمار بالأمر.

في ذلك المطعم المقهى يتسامر شباب اللد العرب. ويحكي أبو عمار بطريقته الفكاهية الخاصة قصة "الراعي والحيّة"، فيقول: "يحكى أن راعياً كان يجلس بجوار شجرة وكان يغني بنايه، وفي كل يوم كانت الحية تخرج من وكرها وفي فمها ليرة من ذهب، وتضعها أمام الراعي. كان الراعي يأخذ ليرة الذهب ويعود سعيداً إلى أهل بيته، وهكذا دواليك، حتى يأس الراعي من الانتظار فأراد أن يتلقى الذهب كاملاً. فأحضر ابنه وقال أنت تقوم بإطراب الحية فتخرج فأقتلها ومن ثم نخرج جميع ما في وكرها من ذهب. وفعلاً هذا ما حدث - حيث خرجت الحية فضربها الراعي بالسيف ولكنه نال من ذنبها فقفزت تجاه ابنه الصغير ولدغته لدغة الموت، ومن ثم هربت إلى وكرها في عمق الشجرة. حمل الرعي جثة ابنه على الحمار وعاد أدراجه إلى البيت. وبعد فترة ضاقت به سبل العيش فعاد وحاول أن يستدرج الحية "لتدفع" له ليرة ذهبية لقاء الغناء، فخرجت هذه الحية وقال لها أريد أن نعود إلى أيام زمان، إيش رايك نرجع أصحاب وحبايب؟ فأجابته الحية: أصحاب ما بنقدر نرجع، لأنه كل ما بتشوفني بتتذكر ابنك اللي قتلته وكل ما بشوفك بأتذكر ذنبي اللي قطعت لي إياه.. وهذا هو حال العرب واليهود".

عيدان جاء "لعلاج العرب"

مع تسلّم رئيس بلدية اللد بنحاس عيدان مهام منصبه، وضع لنفسه أولويات على رأسها علاج قضية العرب. ويظهر أن "علاج" هذه القضية، الذي وعد به ناخبيه في المعركة الانتخابية بدأ يتحقق على أرض الواقع وبالصورة التي "تضيع حقوق العرب" أبناء هذه المدينة الأصليين. وقد استعمل عيدان بعض العرب أثناء المعركة الانتخابية، هدفهم أن يفوتوا الفرصة على ممثل حزب العمل بالفوز في الانتخابات - خاصة وأنه أبقى وضع المباني غير المرخصة لعرب اللد - وعددها نحو 700 بيت بدون حل، محققاً القول "يبقى الوضع على ما هو عليه".

بعد أن فحص عيدان وضع الحارات العربية، خاصة حي المحطة وحي السكة (الملقب بالعبرية س.ح) وبيارة شنير، قرر أن يقوم بإعداد خارطة هيكلية يتمّ بموجبها تأهيل قانونية البيوت التي تمّ بناؤها حتى تلك الساعة، وإلى جانبها يتمّ بناء بيوت جديدة تمنح رخص بناء. هذا القرار حظي بمباركة جميع أعضاء المجلس البلدي. والهدف هو أن يتمّ بموجب هذه الخارطة الهيكلية، كما قال مسؤولون في البلدية، إنشاء بنى تحتية لشبكة المجاري والكهرباء والماء، والهدف الأسمى "وقف انتقال العرب في الحارات التي تفتقر لأية بنية تحتية - إلى الحارات اليهودية". ولا يخفى على القاصي والداني من عرب اللد قضية امتناع اليهود عن تأجيرهم لبيوتهم في الحارات اليهودية، حيث يقول صاحب البيت للمستأجر - الذي لا يعرف تحديد هويته - أن العمارة ممتازة "ولكن يجب الحذر هناك عائلة عربية في الطابق الثاني" - على سبيل المثال، كما يحكي أحد سكان اللد.

يعد ويخطط

وفي لقاء لعيدان قبل ثلاثة أسابيع مع سكان الحارات سالفة الذكر عرضت مهندسة البلدية الخطة المزمع تنفيذها. رئيس البلدية كان له رأي خاص في قضية المساواة التي يطالب بها عرب اللد: عليكم أن تدفعوا الأرنونا ليتسنى للبلدية تقديم الخدمات لكم!. ممثلو العرب أجابوا من جانبهم أنه خلال خمسين عاماً تمّ اضطهادهم، وإذا كانت نيّة رئيس البلدية مساواتهم باليهود، فإن عليه أولاً البدء بمساواتهم بالحقوق وبعد ذلك فقط فإنهم على استعداد لدفع مستحقاتهم. وكأنهم يقولون: أقم البنى التحتية واربط بيوتنا بالكهرباء وبعدها سنتحدث عن الأرنونا. طلب شرعي لغاية، ولكنه لم يعجب رئيس البلدية الذي يرى بالأرنونا حقاً على المواطنين العرب. وبصفته رئيس لجنة العاملين في البلدية سابقاً قال عيدان: "بأي حق تطالبون بالأجرة قبل أن تعملوا"!.

النقاش استمر لساعات، وفي النهاية ضاق رئيس البلدية ذرعاً بسكان مدينته قائلاً: "إذا كنتم تريدن الإصرار على مواقفكم ولا تريدون دفع الضرائب، فستبقون في الوضع السيء الذي تعيشون فيه". وفي نهاية المطاف تقرر المضي في المفاوضات.. وبعد أسبوعين من هذا اللقاء، قام رئيس البلدية "بعلاح العرب" حيث قام بهدم بيت علي أبو زايد (أبو شاهر).

 

22 نفراً في بيت صغير

نهاية "المفاوضات" كانت -كما قلنا سابقاً- بهدم بيت "غير مرخص" - حاله كحال جميع البيوت في الحارات الفقيرة في اللد. كانت تسكن في هذا البيت ثلاث عائلات هم علي الطوري وأبناؤه الـ11، بينهم ثلاثة متزوجين ولهم أولاد. 22 نفراً في هذا البيت. أبو شاهر ترك عشيرته في النقب في بداية سنوات السبعين، أسوة بالكثير من عرب النقب الذين نقلوا مكان سكناهم إلى مركز البلاد، للبحث عن مكان للعمل. بعد أن انتقل من مكان إلى آخر اشترى أبو شاهر بيتاً في حارة المحطة بجانب شارع يوسفطال - المجاور للشارع الرئيس الذي يربط اللد بالرملة من الناحية الشمالية الغربية. وبعد ذلك انتقل للسكن بجانب المحطة. هذا المبنى - الذي لا يحمل ترخيص البلدية - ابتيع في العام 1956 بمبلغ 30 ليرة فلسطينية. أبو شاهر يحتفظ حتى هذا اليوم بالإيصال. إلاّ أنه وبالرغم من ذلك، وبالرغم من المستندات التي يحملها - فقد قام هو و 16 من جيرانه بالتوجه إلى البلدية لطلب الترخيص - ولكن محاولاتهم باءت بالفشل. عمل أبو شاهر في البيارات وبمرور الوقت تحول إلى عامل بناء ليعيل أبناءه. كان يعمل في ثلاثة أماكن عمل: في البناء ونقل البلوكات إلى المباني، وفي الليل يقوم بحراسة المبنى. واليوم، يعاني أبو شاهر من وطأة المرض، ويعتاش من مخصصات التأمين الوطني.

وبما أن أبناء أبي شاهر الذين تزوجوا يعيشون تحت كنفه، فقد اضطر إلى بناء غرفة إضافية، اعتبرت خطراً على "المكان الاستراتيجي الذي يعتبر قلب مدينة اللد" كما قال رئيس بلديتها. لم يطلب هذه المرة رخصة بناء، لأن جميع طلباته السابقة لم تتم الموافقة عليها. قالوا لهم على مدار السنوات الخمسين الأخيرة: "هذه الأماكن مؤقتة"- والمؤقت تحول إلى دائم بدون أي خدمات أو بنى تحتية. تحت ضغط التكاثر الطبيعي يضطر العرب إلى بناء إضافات لبيوتهم، لكي لا يتشرد أبناؤهم. وهم على استعداد لأن تتمّ محاكمتهم وأن يدفعوا الغرامات التي تصل إلى 40 ألف شيكل، وأن يعرّضوا أنفسهم لخطر هدم منازلهم، مفضّلين ذلك على الاستمرار في العيش في الضائقة السكنية.

في ليلة الأحد/الأثنين قبل أسبوعين حضر رجال الشرطة واعتقلوا أبناء أبي شاهر الكبار: ياسر وأسامة ومهدي. كان الثلاثة، كما قال أبو شاهر، سيشكلون خطراً على عملية الهدم المخطط لها فجر يوم الأثنين، حيث حضر رجال الشرطة الساعة الثالثة فجر الأثنين وأخبروه أنهم حضروا لتنفيذ أمر هدم - الأمر الذي أدّى إلى غضب جماهيري، وبالتالي إلى قرار لجنة المتابعة للسلطات المحلية العربية العمل على بناء البيت من جديد - حيث تمّ ذلك بالفعل فيما بعد، رغم تهديدات عيدان بأنه سيتم هدم البيت إذا أعيد بناؤه. كل ذلك بعد إصابة 16 من المتظاهرين برصاص الشرطة المطاطي - بينهم النائب عزمي بشارة. هذا الرصاص الذي لا يطلق - وهذا ما أثبته التاريخ - إلاّ على المتظاهرين العرب.

في أعقاب هدم البيت أعلن عضو البلدية العربي في الائتلاف، يوسف الشرايعة، عن استقالته.. ولكن "مستشاري الرئيس" العرب، كما يقول السكان، لم يستقيلوا من مناصبهم! الشرايعة يقول: "كنت أظن أن معسكر التعايش والتفاهم هو الذي سيسود في هذا البلد إلاّ أن الواضح أن معسكر التطرف هو الذي انتصر بهدم بيت الحاج علي أبو زايد وجرح 16 مواطن برصاص رجال "الأمن". غادرت الجلسة مع عضوي البلدية العربيين -عبد القادر والزبارقة - بعد أن وضعنا أيدينا في أيدي بعض أمام الجميع معلنين عن وحدتنا في هذه الظروف التي اجتاحت مدينتنا لنؤكد للجميع أننا عند المحن يد واحدة".

 

الهدف كسر شوكتنا

في خيمة الاعتصام كان يتوافد أبناء المدينة يوم الجمعة (قبل الأخيرة)، بعد الصلاة، ليجلسوا ويتباحثوا أوضاع السكان، ويتمنون أن تكون لجنة الأحياء العربية، التي يتحدث بلسانها الدكتور محمود محارب، لجنة مستمرة وليست للظروف الراهنة فقط. عضو البلدية عبد القادر، يؤكد أن هذه اللجنة ستستمر للدفاع عن حقوق العرب معاً. عضو البلدية كان قد واكب أعمال البناء لبيت الحاج أبو شاهر حتى منتصف ليلة الجمعة، ثم اجتمعوا للتشاور في المستقبل. على بعد 25 متراً من خيمة الاحتجاج هذه - حيث يفصل شارع رئيس وشجرة كينيا عمرها كعمر عرب اللد، يسكن سكان يوسفطال اليهود. البعد هو 25 متراً بالمسافة ولكن البعد في الظروف هو بعد السماء عن الأرض.

نحو 700 بيت عربي في اللد مهددة بالهدم. كل بيوت أحياء بيارة شنير وحي السكة وحي المحطة بدون ترخيص. يقول عبد المعطي أبو قطيفان: "حتى حارة "وردة" التي بنتها البلدية كيفما شاءت حيث رفض الناس السكن فيها تحولت إلى حي للمتعاونين. أما بالنسبة للحي الجديد -واحة السلام- فإنهم قاموا ببناء بضعة بيوت وبعد أن سمع الأهالي بأنه سيتم منحهم بيتاً مقابل كل بيت سيهدمونه في الحارات غير المعترف بها، طلب الأهالي أن يتمّ إسكان أبناء العائلة الواحدة في مبنى واحد - وفقاً للعادات والتقاليد العربية - ولكنهم رفضوا ذلك. هناك بيوت لا يوجد فيها كهرباء - بحجة أنها غير مرخصة".

جمعان شعبان (42 عاماً) يعيش مع أبنائه العشرة في حي السكة الذي سمته البلدية بالرقم العبري "س.ح". 500 عائلة يعيشون هناك، أي أكثر من 6000 نسمة. في العام 1964 كان اليهود يعيشون بجوار العرب، ومنذ ذلك الحين بدأ اليهود بالهجرة من الحي، ويتغير رؤساء البلدية فيقوم السكان بإنشاء لجان محلية - وهكذا دواليك بدون أن يتمّ حل مشكلتهم. رؤساء البلدية المتعاقبون يردون على توجهات السكان بالقول: المنطقة مؤقتة وهي للإخلاء. يقول جمعان: "حتى جمع النفايات وشق الطرق يتمّ بتبرع من السكان، بالرغم من أننا ندفع الضرائب". وجمعان يعيش في الحي، وله 18 أخاً ولدوا في المنطقة وترعرعوا وأنجبوا الأولاد - وهم تحت تعريف "مؤقتين"!!.

المحامي حسام محارب (30 عاماً)، هو بين المتعلمين القلائل في اللد التي لا يتعدى عدد المتخرجين من مدرستها المشتركة مع الرملة الحاصلين على شهادة البجروت والمستمرين في تعليمهم الأكاديمي عدد الأصابع. حسام نفسه أنهى تعليمه في حيفا، والعديد من سكان المدينة - الذين يريدون بناء مستقبل لأبنائهم - يرسلونهم إلى مدارس أهلية في الرملة - الأرثذوكسية أو تراسنطا. ويؤكد المحامي محارب أن "إطلاق النار الذي حدث هو رغبة في الإثبات لليهود أنهم يسيطرون على العرب، لأن اليهود يشعرون بحالة من عدم الثقة بالنفس - غير مفهومة. إننا العرب لا نمسّ أحداً. إطلاق النار جاء ليس بسبب هدم البيت، إنما ليكسروا شوكة العرب حيث يشعر العربي في اللد بأنه سيّد المكان، وهم يريدون تغيير هذا الوضع"، ويضيف: "هناك هجرة داخلية من يهود اللد إلى موديعين وشوهام، وإدارة البلدية تريد إيقاف هذه الهجرة. العرب في اللد يشكلون اليوم 25% من السكان -أي 18.000 من أصل 70 ألف، وهم يرون أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى مشكلة ديمغرافية خلال العقود القليلة القادمة.

النتيجة: إطلاق النار قوّى عرب اللد وأدّى إلى نتيجة عكسية، فلا ترى يهودياً يتجول في الشوارع في ساعات الليل - بالرغم من أنك ترى الفرحة في عيونهم، حين يتحدثون عن إطلاق العيارات النارية وعلاج العرب الذي وعدنا به عيدان أثناء وبعد المعركة الإنتخابية".

محمود حبشة (38 عاماً) - عضو لجنة حي شنير - يقول إن مشكلة عرب اللد أنهم مهمشون في جميع النواحي، ابتداءً من محاولة السلطات إخراجهم من قلب المدينة إلى حواشيها، واستمراراً بإعلان رئيس البدية الجديد إقامة مجلس محلي لهم لأنه لا يستطيع -حسب أقواله- مواجهة المشاكل التي تعاني منها الأحياء العربية: مجارٍ تصب في كل مكان، وانعدام النوادي التربوية الأمر الذي يؤدي إلى وجود شباب جانحين بكثرة.

ويؤكد حبشة أنه خلال السنوات الأربع الأخيرة تمّ إقامة ثلاث أحياء جديدة لليهود: غاني أفيف (حدائق الربيع) غاني ياعار (حدائق الغابة) و"ابن بيتك" - والمشكلة أنّ العرب يمنعون من شراء بيوت في هذه الحارات - على خلفية عنصرية. ويقول: "لا توجد لدينا مجارٍ ونحن نشعر أننا نعيش في مخيم لاجئين"، ويضيف: "أما بصدد التعليم فإنها مشكلة عويصة جداً، حيث لا توجد بنايات بالمستوى المطلوب وحتى حنفيات للشرب في المدارس غير موجودة. قسم من خريجي الإعدادية تجار سموم أو سارقو سيارات. الأكاديميون هم حالات شاذة فقط من ثانوية اللد-الرملة المشتركة".

المحامي محارب - المتخصص في المجال الجنائي - يقول إن "اليهود يضغطون على الشرطة لإيقاف العرب عند حدهم. هم يشعرون بأننا سرطان بحاجة إلى اجتثاث. إطلاق النار جاء لإرضاء السكان اليهود الذين غالبيتهم من اليمينيين المتطرفين المحسوبين على الليكود والمفدال".

سكان مدينة اللد العرب يعرفون أن هناك من يرقص على الدماء بين اليهود - الذين يفصلهم عنهم شارع واحد فقط. كالقرش الذي يشمّ رائحة الدم فينقضّ على فريسته، ولكنهم يؤكدون أنهم بتكاتفهم سيحصلون على حقوقهم في نهاية المطاف، رغماً عن أنوف كل العنصريين وكل الحاقدين من اليهود. هم يعرفون أن التعايش في نظر إدارة البلدية الجديدة هو "التمييز العنصري". يقول المحامي محارب: "سنشعر ببعض المساواة حين يتمّ تجهيز البنى التحتية للحارات التي أعلن عن تخطيطها لنا، قبل أن ننتقل إليها - بالضبط كالقادمين الجدد الذين يحضرون إلى هذه المدينة، ويتمّ تجهيز العمارة التي يسكنون فيها بكل ما يلزمها، قبل أن تطأها أقدامهم"، ويضيف: "بالنسبة لعيدان - فإن التعايش هو الفصل العنصري، وتضييق الخناق الواضح لتشريد العرب - يؤكد هذه المقولة".

وطالما تتجاهل البلدية القيادات الحقيقية للسكان - بتنفيذها لمبدأ "فرّق تسد" - وتتعامل مع أشخاص لا يمثلون إلاّ أنفسهم - فإن الخطة بحل مشاكلهم، حتى لو كانت النوايا سليمة - سترمى في قاع بئر عميقة ليبقى الوضع على ما هو عليه، ولتبقى الجرذان تأكل وجوه الأطفال الذين يشمون رائحة المجاري ويلتحفون يومياً بلسعات الباعوض، ويترعرع جيل من "شبه الأميين" - كما يقول السكان في هذه المدينة التي اختار التاريخ أن تكون مختلطة، لتؤكّد الفجوة الحقيقية وازدواجية السياسة والمواقف في التعامل بين العرب واليهود.

* اشارة الى ان هذا المقال يتميز بالجرأة الشديدة والشجاعة في التعبير اذا اخذنا بعين الاعتبار ان المجلة التي نشرته تصدر في الاراضي المحتلة عام ثمانية واربعين أي تحت الاحتلال الصهيوني المباشر.