إزاء
الدعوات الى
ترحيل
فلسطينيي
الأراضي
المحتلة عام 48،
والتي عاود
الصهاينة
إطلاقها بشدة
في الآونة
الأخيرة،
يثور تساؤل،
حول ما اذا
كانت مشاركة
الفلسطينيين
في
الانتفاضة،
وتقديمهم
الشهداء.. ثم
الاستشهاديين،
سبباً لتجدد
هذه الدعوات،
وبالشكل الذي
تطرح فيه، أم
انها تمثل
محطة في
سيرورة
النظرة
الصهيونية
التقليدية
اليهم؟
لعل
أولى الحقائق
التي تبرز لدى
مقاربة
الاجابة عن
هذا السؤال،
ان الوعي
الصهيوني،
وبعد ثلاثة
وخمسين عاماً
على قيام "اسرائيل"
لا يزال
يتعامل مع
فلسطينيي الـ48،
بوصفهم أشد
الأخطار على
هذا الكيان. إذ
عدا عن ان
وجودهم
المادي يمثل
خلخلة أساسية
لفكرة نقاء
الكيان “الاسرائيلي”،
فإن ازدياد
قوتهم
العددية،
وتزايد
قدرتهم على
التأثير،
والتطورات
التي لحقت
بأوضاعهم،
يجعلهم ـ من
وجهة النظر
الصهيونية ـ
أشبه بقنبلة
موقوتة،
قابلة
للانفجار في
أي لحظة.
لذلك
يمكن
الملاحظة انه
وبعيداً عن
تلك الدعاوى
العلنية،
والقبول
بالوضع
القانوني
الذي يجعل
منهم "مواطنين
في "اسرائيل"،
ثمة جهد دؤوب
للتخلص منهم.
وهو جهد يفصح
عن نفسه في
محطات معينة،
يظهر فيها
الفلسطينيون،
هناك،
تعبيراً عن
هويتهم
الوطنية
والقومية.
لقد
تجلى هذا
التعبير
بأوضح صوره
منذ انفجار
الانتفاضة
الفلسطينية
(28/9/2000) ففي أيامها
الأولى، قدم
الفلسطينيون
ثلاثة عشر
شهيداً
وألفاً
وخمسمئة
جريح، في
الناصرة
والمثلث
والنقب
وغيرها من
الأراضي
المحتلة عام 48..
ثم انتقلوا
الى متابعة
فعالياتهم
التضامنية مع
الانتفاضة،
ليدخلوا
اليها مرة
اخرى، عبر
تقديم أول
استشهادي من
بين صفوفهم،
منذ تفجر
الانتفاضة.
ربما يعكس كل ذلك، مساراً نمطياً، سواء في النظرة الصهيونية، أم في طابع مشاركة فلسطينيي الـ48 في انتفاضات الضفة والقطاع. ولكن وراء هذا المسار، تطورات في غاية الأهمية شهدتها السنة المنصرمة من عمر الانتفاضة.
من
التأثر الى
التفعيل
في
تقرير عرضه
أمام
الاجتماع نصف
السنوي للجنة
الخارجية
والأمن في
الكنيست “الاسرائيلي”،
حمّل "آفي
ديختر" رئيس
جهاز الأمن
العام “الاسرائيلي”
(الشاباك) "قيادات
الجمهور
العربي" في
أراضي الـ48،
المسؤولية عن
اندلاع
الانتفاضة.
وربما
أمكن احتساب
هذا الأمر، من
ضمن حملة
التحريض التي
أطلقتها
السلطات “الاسرائيلية”،
على الأطر
السياسية
والاجتماعية
لفلسطينيي
الـ48،
وبالتالي،
فإنه يقتصر
على تمهيد
لضرب هذه
الأطر. ولكن
تقرير ديختر
تضمن مسألة
هامة جداً،
عندما أشار
الى ما وصفه "بملاحظة
ميل مقلقة لدى
فلسطينيي الـ48
للانفصال على
أرضية دينية
وقومية"،
متهماً حزب "التجمع
الوطني
الديموقراطي"
(بزعامة د.
عزمي بشارة)
بقيادة هذه
النزعة
الانفصالية.
فعلى
هذا النحو،
أراد ديختر
القول، أمام
لجنة تلعب
دوراً كبيراً
في صياغة
سياسات "اسرائيل":
ان فلسطينيي
الـ48، الذين
حرضوا على
الانتفاضة في
الضفة
والقطاع،
إنما قاموا
بذلك، على
خلفية تعزيز
الميل الى
الانفصال
لديهم، الأمر
الذي يمكن ان
يقرأ من زوايا
مختلفة، اذ
يمكن وصفه
بأنه يعكس "واقعاً
قائماً"،
فيما يستبطن
في الوقت ذاته
ايجاد ذريعة
مسبقة،
لتسويغ القمع
الشديد
لفلسطينيي
الـ48، وحتى
لتسويغ
الدعوات الى
ترحيلهم،
التي يطلقها
عدد من
المسؤولين
الصهاينة،
وفي طليعتهم "رحبعام
زئيفي" و"افيغدور
ليبرمان"
وهما وزيران
في حكومة
شارون.
وبالتالي
يصبح الأمر
كله ملخصاً في
فكرة صهيونية
أساسية، ترى
الحل في
الترحيل..
مثلما كان
الحال دوماً.
ولعل المعطى الأساسي الذي يستند اليه الصهاينة، في اعادة الاعتبار بقوة الى فكرتهم القائمة والمتجددة، هو انتقال الفلسطينيين في الاراضي المحتلة عام 48، من مرحلة "التأثر" الى مرحلة"التأثير والتفعيل" على نحو ما جاء في تقرير ديختر.
مؤشرات
لقد
شارك
الفلسطينيون
الذين بقوا في
أرضهم عام
النكبة في
مراحل النضال
الوطني
الفلسطيني
كافة، ومع
صعود منظمة
التحرير
الفلسطينية
رأوا في
أنفسهم جزءاً
من شعب يناضل
من أجل حريته،
وإذ اختاروا
شكلاً يناسب
ظرفهم
الموضوعي، في
الحركة
الوطنية
الفلسطينية،
فقد اعتمدوا
منذ
الانتفاضة
الأولى،
الشكل الذي
عزز لديهم
الاحساس،
بأنهم يشبهون
كثيراً،
اخوتهم في
الضفة
والقطاع، فقد
رجموا جنود
الاحتلال
بالحجارة،
وأطلق عليهم
الرصاص، وسقط
منهم شهداء
وجرحى،
وحوصرت مدنهم
وقراهم. لكن
وصف هذه
الفعالية
الكفاحية، ظل
مندرجاً
دوماً تحت
عنوان "التأثر"
ودُرِسَ ضمن
تأثيرات
انتفاضة
الضفة
والقطاع، دون
احتساب من ضمن
نسيج
الانتفاضة،
حتى وإن اندفع
بعض الخطاب
الفلسطيني،
ليظهر من
خلاله حقائق
تتعلق بوحدة
الشعب، ووحدة
الأرض،
وبالتالي
وحدة النضال
الفلسطيني.
خلال
مرحلة التأثر
تلك، اكتشف
الفلسطينيون،
الذي يوصفون
بأنهم من "مواطني
اسرائيل"،
حجم التمييز
الممارس
ضدهم،
وحرمانهم،
وهم أصحاب
الأرض
الاصليون من
حقهم في العيش
في وطنهم
بكرامة، كما
ازداد
التفافهم حول
هويتهم
الوطنية
والقومية،
ولاقت أفكار د.
عزمي بشارة
الداعية الى
المطالبة
بمساواة
حقيقية، يجري
التعامل معهم
في تحقيقها
على
اعتبارهم،
أبناء "اقلية
قومية"
وليسوا مجرد
جماعات
وطوائف، وهم
الى ذلك،
أصحاب الأرض،
قبولاً
واسعاً
لديهم، وظهرت
تجليات وعيهم
الجديد في
الذكرى
الخمسين
لنكبة
فلسطين،
ليبدأ منذ ذلك
الوقت مسار
جديد، في
رؤيتهم
لدورهم كجزء
من الشعب
الفلسطيني
والأمة
العربية، فلم
يعودوا
يقبلون "بمسايرة
المحتل" كي
يضمنوا أمناً
شخصياً
زائفاً، ولا
عادت تنطلي
على الغالبية
الكبرى منهم،
لعبة "التلفيق
المساواتي".
فاندفعوا في
التعبير عن
هويتهم
مساندين
لنضال اخوتهم
في الضفة
والقطاع،
ومبتهجين
بانتصارات
المقاومة في
لبنان.
هنا،
بدا واضحاً
للجميع انهم
قد تجاوزوا
مرحلة
التأثر، الى
فعالية من نوع
جديد،
فالتحديد
الواضح
للهوية أملى
شكلاً
مختلفاً من
السلوك، تمثل
بداية في
الاعتراض
الحاد على
التمييز، ثم
في المطالبة
بتقويض كل
أشكاله، عبر
تظاهرات
اتخذت طابعاً
عنيفاً، في
الدفاع عن
ابناء القرى
المهجرة، وضد
سياسة هدم
البيوت. ثم في
التحرك
لعمارة
المسجد
الأقصى
وحمايته مما
يتهدده من
أخطار. وفي
كثير من
الأوقات ـ
خاصة في ظروف
قيام سلطات
الاحتلال
بإغلاق القدس
أمام مواطني
الضفة
والقطاع ـ بدا
ان أمر حماية
المسجد منوط
بفلسطينيي
الأراضي
المحتلة عام 48.
وعشية
انتفاضة
الأقصى، عقد
مؤتمر كبير في
مدينة "أم
الفحم"
استقطب حشداً
كبيراً من
الفلسطينيين،
وكان عنوانه: "الأقصى
في خطر"، والى
هذه الواقعة
بالذات يستند
الصهاينة في
الحديث عن
التحريض الذي
مارسته "قيادات
الجمهور
العربي" وأدى
الى اندلاع
الانتفاضة.
كما الى واقعة
احساسهم بأن
الفلسطينيين،
تجاوزوا "مرحلة
الخوف"، ولم
يعد من السهل
تطبيق "سياسات
الأسرلة"
عليهم.
بطبيعة
الحال، فإن
لانتفاضة
الأقصى،
عوامل
متعددة، وهي
ليست محصلة
لما يتحدث عنه
الصهاينة من "تحريض".
كما ان هذا لا
يحتسب "عاملاً"
وانما عنصر
مشاركة، أظهر
وحدة الشعب
الفلسطيني،
خاصة عندما
اندفع
فلسطينيو الـ48،
للمشاركة
الفورية في
الانتفاضة،
ما عنى ترجمة
ملموسة لوحدة
الشعب والأرض.
وهذا هو مصدر
الخشية
الصهيونية،
لا ما يحكى عن "التحريض".
لقد
تبلور منذ تلك
اللحظة، شكل
انتقال
فلسطينيي الـ48
من مرحلة
التأثير الى
المرحلة
الفاعلة
والتفعيل،
والمقصود
بالكلمة
الأخيرة
اعادة
الاعتبار
لبدهيات
النضال
الوطني
الفلسطيني،
وفق حقائقه
الاساسية.
لم تدم المشاركة في المواجهات لوقت طويل، ولكنها آذنت بانطلاق المرحلة الجديدة، إذ استمر التفاعل اليومي مع الانتفاضة معبراً عنه بأشكال مختلفة، ومن دون اتاحة الفرصة للعدو باعتماد أنماطٍ من القمع القاسي لهم، رغم ان "عامل الخوف" قد اندحر مرة والى الأبد.
ومن
خلال متابعة
حركية
التفاعل
اليومي مع
الانتفاضة،
يمكن اكتشاف
وجود منسوب
مرتفع لهذا
التفاعل (الذي
يأخذ أحياناً
شكلاً
نضالياً في
مدن وبلدات
وقرى الـ48
بالذات) كلما
ازداد القمع
الصهيوني
لانتفاضة
الأقصى،
وصولاً الى
قيام
استشهادي من
قرية أبو سنان
بتنفيذ عملية
جريئة، عادت
لتشعل ضوءاً
أحمر لدى
الأوساط
الصهيونية،
التي أشاعت
بأنها تمكنت
من قهر
الانتفاضة "داخل
الخط الأخضر"،
فيما كانت
تهمس في ما
بينها
بعبارة،
تسربت الى
الصحف
الصهيونية
ومفادها: "ان
الأسوأ لم
يحدث بعد..
وربما تنفجر
مراجل الضغط
في أي لحظة".
ان
ما قام به
الاستشهادي
من قرية "أبو
سنان" يمكن ان
يتكرر. وهو ليس
مستغرباً،
فالمرحلة
الجديدة
مفتوحة على
احتمالات
عدة، قد يكون
الاستشهاد
أحد أشكالها،
أو حتى شكلها
الأساسي. ولكل
ذلك يجري
استحضار
الأفكار
القديمة، من
الادراج،
ويدور الحديث
عن خطة
للترحيل. ولكن
مثل هذه الخطة
كانت موجودة
دائماً، كما
كان الشعور
الجمعي
لفلسطينيي
الـ48، بأنهم
شعب واقع تحت
الاحتلال،
ووصفه "بمواطن
في الدولة
المحتلة، هو
تزييف كبير،
وإذ يتبلور
العزم على رفض
هذا الواقع،
فإن من بين
أشكال
المواجهة ـ
بالضرورة ـ
مواجهة خطط
الترحيل.