الاتفاقيات النهائية بشأن تعديل الحدود

 

أ ـ الاتفاق الاولي في 23 كانون الاول 1920:

اتخذت الحدود التفصيلية الشمالية لفلسطين مع لبنان ـ بموجب هذا الاتفاق ـ الشكل التالي:

خط يبدأ من راس الناقورة على ساحل البحر المتوسط، ثم يتجه شرقا بالقرب من لبونة ويارين ورامية ويارون في الجنوب اللبناني، ثم تتابع شمالا مع ميل طفيف نحو الشرق مارا بقرى الحقت بفلسطين مثل: صالحة (صلحا) المالكية، قدس، المنارة، حتى المطلة في اقصى الحدود الشمالية تقريبا. ثم يتجه نحو الجنوب الشرقي مارا بالقرب من آبل القمح والسنديانة وتل القاضي ودان. ليتجه بعدها جنوبا مارا وسط بحيرة طبريا(1).

 

ب ـ الاتفاقات اللاحقة والتعديلات في الحدود:

طرأت تعديلات متتالية على الاتفاق آنف الذكر ـ بما عنى لبنان وفلسطين الا انها لم تتم بمشاركة مندوبين محليين عن البلدين.

اولى هذه التعديلات كانت بموجب اتفاقية بولية ـ نيوكامب الموقعة بين ممثلين عن سلطات الانتداب الفرنسي والبريطاني بتاريخ 3 شباط 1922 وقد سلخ عن لبنان الكبير بموجب هذه الاتفاقية عدة قرى عاملية لبنانية والحقت بفلسطين وهي قرى: هونين، صلحا، طيربيخا، قدس، المالكية، آبل القمح، النبي يوشع، غير ان سكان هذه القرى ظلوا يحملون جنسيتهم اللبنانية منذ ولادة لبنان الكبير وحتى دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ في 30 آب 1924 عندما تم ضمهم رسميا الى اراضي فلسطين(2).

الا انه من الثابت عمليا ان هذه القرى ـ المشار اليها اعلاه ـ لم تسلخ عن لبنان الا بموجب اتفاق القدس المنعقد بتاريخ 2 شباط 1926 بين بريطانيا وفرنسا.

تعديل حدودي آخر، تم بموجب اتفاق 23 حزيران 1923 دعي باتفاق "حسن الجوار" تنازلت السلطات الفرنسية المنتدبة عما يقارب كامل المنطقة اللبنانية من الحولة لصالح الانتداب البريطاني في فلسطين وبالتالي لصالح الحركة الصهيونية. هذا وقد تم التعديل المشار اليه بعد عقد معاهدة سيفر (Sevres) التي نصت على تثبيت الحدود النهائية بين الانتدابين الفرنسي والانكليزي بواسطة لجنة ثلاثية من فرنسا وبريطانيا وايطاليا(3). وذلك مقابل منح شركة فرنسية امتياز التجفيف لمناطق المستنقعات(4).

وبموجب هذه الاتفاق انتقلت ثلاث وعشرون قرية لبنانية الى منطقة الانتداب البريطاني، يذكر منها سلام الراسي سبع عشر قرية هي النخيلة، الصالحية، الناعمة، الخالصة، الزوية، المنصورة، الذوق التحتاني، الذوق الفوقاني، خان الدوير، الدوارة الخصاص، العباسية، دفنة، اللزازة، هونين، آبل القمح(5).

كما يذكر الملازم نعمان ابوشقرا وكان آنذاك مسؤولا عن الامن الى جانب ضابط فرنسي بان هذه المناطق والقرى كانت لبنانية بكاملها. وقد حملت تلك القرى الجنسية اللبنانية في الاحصاء العام لسنة 1921(6). ويضيف الملازم ابوشقرا الى القرى الانفة الذكر، القرى التالية:

شوكة، اقرت، حانوتة، معسولة، دحرجة، مالكية، حردبة، كفربرعم، غير ان هناك عدة قرى حدودية ظلت لبنانية بعد هذه الاتفاقات، ولكن قسما من اراضيها او ممتلكاتها في منطقة الحولة، لبعض سكانها، سلخت والحقت بفلسطين، وحسب معلومات استقاها سلام الراسي من اصحاب العلاقة ومن سندات الطابو الرسمية، فان ماسحة هذه الاراضي تبلغ 22345 دونما.

موزعة كما يلي:

 

ـ 14221 دونم  لسكان من مرجعيون.

ـ 2007 دونم لسكان من كفركلا.

ـ 1087 دونم لسكان من ديرميماس.

ـ 4441 دونم لسكان من حاصبيا.

ـ 210 دونم لسكان من القليعة.

ـ 419 دونم لسكان من الطيبة.

ـ 200 دونم لسكان من قرى متفرقة(7).

 

مهما يكن من امر فان تسليم هذه القرى اللبنانية الى السلطات الانتدابية البريطانية استمر حتى نيسان او آب 1924(8) رغم احتجاج سكانها بوفود شعبية الى السلطات الانتدابية الفرنسية يطلبون البقاء ضمن دولة الكبير، ولكن رغبتهم هذه لم تلق آذان صاغية(9).

 

خاتمة: مزايا القرى السبع وخصائصها:

لم يأت امر تعديل الحدود بالنسبة للقرى السبع ـ موضوع الدراسة ـ صدفة لذا فان مواصفات عديدة امنية واقتصادية واثرية قد شكلت بمجموعها القيمة الاستراتيجية لهذه القرى. ان دراسة تحليلية "للخريطة الكنتورية للقرى السبع تظهر ان هذه القرى قد احتلت بمواقعها مظاهر تضاريسية هامة، تمثلت بسلسلة من التلال المترابطة، يفصل بينها موقع المنارة، وهو اعلاها ارتفاعا وقد اشترته “اسرائيل” لقيمته الاستراتيجية في مطلع هذا القرن، فهذا الموقع يطل على معظم قرى جبل عامل وحتى البحر، وتأتي المالكية الى الجنوب من المنارة ثانية في الارتفاع، وهي التي خاض فيها الجيش اللبناني معركته الاولى ضد العصابات “الاسرائيلية” في العام 1948 وسقط له الشهيد النقيب محمد زغيب وجرح الشهيد المناضل معروف سعد، وقد شارك فيها العقيد فؤاد لحود والمرحوم الامير مجيد ارسلان وغيرهم من الضباط المعروفين.

كما وان النبي يوشع ذو قيمة دينية اثرية وفيه موقع عسكري عرف بكامب النبي يوشع ومثله صلحا وطيربيخا. فالبريطانيون اقاموا مواقع عسكرية، يفصل بين الواحد والاخر منها 5 كيلومترات فوق معظم مرتفعات القرى السبع. وتوكيدا لقيمتها الاستراتيجية، فقد ربطوها بطريق مواز للطريق الحدودية اليوم.

بناء على ما تقدم، فان نظرة الصهيونية الى القيمة الاستراتيجية لمواقع القرى السبع، كانت كفيلة بالتخطيط للسيطرة في مراحل لاحقة، فهي من ناحية لن تسمح لهذه القرى بتهديد خاصرتي المنارة والمطلة، ومن ناحية اخرى لن تسمح بتهديد المستعمرات “الاسرائيلية” التي تطل عليها القرى السبع.

واذا كان للطريق الفضل في بناء المدينة ـ حسب العلم الجغرافي ـ فان له ايضا الفضل في ربح معركة او خسارتها. ومن هنا يمكن ان نفهم اهمية السيطرة على المالكية كموقع له مزايا اثنين:

ـ موقع مرتفع.

ـ تحكمه بعقدة طرق هامة سواء بالنسبة لجبل عامل او بالنسبة للجليل.

وبالمقابل فان مزايا اخرى قد اعطت للقرى السبع قيمتها، اذا لا يخفى ما لاثار قدس ومرجها المعرف كاحد اهم مروج جبل عامل من قيمة ثم قلعة هونين ومسجدها وموقعها الاستراتيجي الذي يطل على سهل الحولة وجبل هونين الذي ورد على السنة الكثير من المؤرخين والادباء بانه كان احد المقاطعات الجنوبية الاربع في جبل عامل واثار طيربيخا الرومانية والفينيقية اكثر من ان تحصى ايضا.

كل هذه الخصائص اعطت مواقع القرى السبع اهميتها الاستراتيجية، ولا يمكن فصلها باي من الاحوال عن دائرة التفكير الصهيوني بتعديل الحدود، وامعانا في التزوير التاريخي، فقد عمد الصهاينة الى "ابدال" اسماء هذه القرى باخرى عبرية، على الشكل التالي:

 

الاسم بالعبرية

اسم القرية

مرجليوت

هونين

شومرة

طيربيخا

يرؤون

صلحا

مالكية

المالكية

تل قدش

قدس

متسودت يشع

النبي يوشع

يوفال

آبل القمح

 

واذا كانت الصهيونية قد استغلت وهن البنية اللبنانية، واستطاعت النفاذ الى واقع حياتنا اللبنانية سياسيا واقتصاديا لتأمين مزعوم لسلامة الجليل املا في تعديلات جديدة للحدود، فان علينا دائما ان نتنبه لمخاطر التوسع الصهيوني التي يلخصها الكابتن بنتويتش وهو الذي صدر كتابه "فلسطين اليهود" بخريطة لفلسطين تتخطى الحدود التاريخية ـ المزعومة ـ مستعيرا من حاخامات الزمن القديم تشبيههم لفلسطين بذلك "الغزال الذي ينتفخ جلده كلما حسنت تغذيته". ثم انتهى الى القول "لا حاجة بفلسطين المستقبل ان تبقى محصورة ضمن حدودها التاريخية، فالاستعمار الاستيطاني يمكنه ان يمتد حتى يشمل تلك الرقعة بأكملها التي تضمنها الوعد (من الفرات الى النيل) من البحر الابيض المتوسط، الى نهر الفرات ومن جبال لبنان الى نهر مصر، هذه هي الارض التي اعطيت للشعب المختار"(10).

 

الهوامش:

1 ـ عبدالفتاح ابوعلبة، مرجع مذكور سابقا، ص 19. نقلا عن محمد بسام، مرجع سابق 201.

2 ـ محسن سليم، لبنانيون حرموا من الجنسية نص برقية رفقت الى رئيس الجمهورية في 24 نيسان 1974.

3 ـ Ayoub, Charles, “les mandats orientaux” Sirey, Paris, 1924.

4 ـ مسعود ضاهر. تاريخ لبنان الاجتماعي (1914ـ 1926) بيروت 1974، ص 86.

5 ـ سلام الراسي، لئلا تضيع، بيروت 1973، ص 62.

 6 ـ مسعود ضاهر، مرجع سابق، ص 86.

7 ـ سلام الراسي، لئلا تضيع، بيروت 1973 ص 65.

8 ـ البرق، 10 نيسان 1920 نقلا عن محمد بسام، مرجع سابق، ص 203.

9 ـ البرق، 22 نيسان 1920 نقلا عن محمد بسام، مرجع سابق، ص 203.

10 ـ Norman Bentwich (Egyptian Expeditionary Force): Palestine of the Jews, Past, present, and Future. (London) 1919 pp 203-204