الجنوب اللبناني في الخطة "الاسرائيلية"

  د. ساسين عساف


منذ بدء المفاوضات "الاسرائيلية" - العربية الثنائية والمتعددة  عام 1991 وبعد اتفاق "غزة -اريحا اولا"، والحديث عن نظام إقليمي جديد يقوم على ترتيبات جغرافية- سياسية، تستوجب اعادة النظر في حدود عدد من دول المنطقة بهدف احلال "السلام" فيها على قاعدة تأمين حدود آمنة لدولة "اسرائيل"، وايجاد حل لمشكلة الشعب الفلسطيني، يطرح السؤال:

الجنوب اللبناني الى اين؟

الاجابة عن هذا السؤال في ظل التعقيدات المحلية والاقليمية وفي حدود ما هو قائم فوق ارض الجنوب تدفع في اتجاه البحث، اساسا، عن الجنوب اللبناني في الخطة "الاسرائيلية"، وهي خطة متعددة الجوانب، نكتفي بالتوقف عند جانب واحد منها هو الجانب الجغرافي-السياسي في ثلاث نقاط:

اولا: مسألة الحدود من وجهة نظر "اسرائيلية".

ثانيا: مسألة الجنوب من خلال مفاوضات "السلام".

ثالثا: مسألة توطين الفلسطينيين.

 

اولاً: مسألة الحدود من وجهة نظر "اسرائيلية"

الميثاق اليهوي-الابرامي يشكل الاصل الغيبي للادعاء التاريخي القائل بحق اليهود في امتلاك ارض كنعان، والجنوب واحد منها.. حقهم في ارض كنعان هو حق توارتي "ان احتلال الجنوب هو مسألة تحرير واسترجاع لا مسألة احتلال واستيلاء.. فهو ليس الاراضي المحتلة كما نحن نراه، انما هو من الاراضي المتنازع عليها كما يطيب "لاسرائيل" ان تدعي وترى..

ان مسألة الارض الجنوبية المحتلة من وجهة نظرنا، او مسألة الارض المتنازع عليها من وجهة نظرها، تطرح في العمق مسألة حدود الكيان "الاسرائيلي" ومسألة حدود  الكيان اللبناني.

أ - حدود الكيان "الاسرائيلي"

يقول رئيس الوزراء "الاسرائيلي" السابق بن غوريون: ".. بعد الاحتلال البريطاني قسمت البلاد الى اربعة اقسام: القسم الشمالي - الغربي المكون من الحدود الشمالية للانتداب حتى نهر الليطاني تم الحاقه بلبنان.."

فالجنوب حتى الليطاني، اذا، ارض ملحقة بلبنان وليست لبنانية، ويعتبر في كتابه "ارض "اسرائيل" ان متصرفية جبل لبنان هي الحدود الشمالية للدولة اليهودية.

في 3 آذار 1919 نشرت صحيفة نيويورك تايمز تصريحا لحاييم وايزمن حول حدود فلسطين جاء فيه :

"ان فلسطين كلها من متصرفية جبل لبنان المستقل الى الحدود المصرية.. يجب ان تفتح ابوابها امام الاستيطان..".

وفي 3 شباط من السنة نفسها رفع الوفد الصهيوني الى مؤتمر الصلح في باريس مذكرة بعنوان:

"اعلان المنظمة الصهيونية بصدد فلسطين".

جاء فيها:

"حدود فلسطين ستكون كالآتي: شمالا، خط وهمي ينطلق منطقة قرب مدينة صيدا ويتجه شرقا الى جسر القرعون، ثم ينحدر جنوب عبر قمم حرمون، فيمر غرب درعا وعمان ويسير بمحاذاة الخط الحديدي الحجازي حتى خليج العقبة، وجنوبا من خليج العقبة الى العريش على البحر المتوسط".

وتضيف المذكرة:

" جبل الشيخ (حرمون) هو "اب المياه"الحقيقي لفلسطين".

من هذه المذكرة تبين ان حدود فلسطين، حدود الكيان "الاسرائيلي" العتيد، في تصور القيادة الصهيونية، تضم فضلا عن فلسطين - الانتداب، الاردن بضفتيه الشرقية والغربية، الجنوب اللبناني بما في ذلك مدينة صيدا، وجنوب غرب سوريا، مرتفعات الجولان، بما في ذلك مدينة القنيطرة.

ان حدود دولة "اسرائيل" الحالية ليست هي حدود "اسرائيل" كما تريدها الصهيونية، وعليه، تبقى مسألة حدود الكيان "الاسرائيلي" غير محسومة.

يقول بن غوريون في كتابه (بعث "اسرائيل" ومصيرها)، نيويورك 1954 ما يلي:

"ليست المسألة مسألة احتفاظ بالوضع الراهن، فعلينا ان نقيم دولة غير متجمدة، دولة ديناميكية تتجه الى التوسع".

لقد ميز بن غوريون، بقوله هذا، بين "اسرائيل" - الوسيلة و"اسرائيل" - الهدف.. في ضوء هذا التمييز، نرى الى قبول الحكومات "الاسرائيلية" بالحدود-الوسيلة او الحدود المرحلية والمؤقتة.

كذلك ميز وايزمن بدقة بين حدود الدولة - الوسيلة وحدود الدولة-الهدف. يقول في "الكتاب السنوي" لحكومة "اسرائيل" عام 1955 ما يلي:

"ان خلق الدولة الجديدة لا ينقص بحال من الاحوال اطار الحدود التاريخية لارض "اسرائيل".

وهذا ما يؤكده ليفي اشكول رئيس وزراء "اسرائيل" السابق عام 1964 بقوله:

"ان الارض التي تملكها دولة "اسرائيل" لا تغطي في الحقيقة سوى 20 بالمئة من فلسطين التاريخية".

"اسرائيل"، اذا، هي دولة ذات حدود متبدلة ومفتوحة على مزيد من الضم والالحاق  او التوسع.

هناك الدولة - الكيان المرحلي، وهناك الامة-الكيان التاريخي. كيان الدولة الراهنة ليس هو كيان الامة التاريخية.

وعليه،

ان مسألة الحدود المفتوحة على التوسع او الكيان المتحرك هي التي افشلت وتفشل كل محاولات "السلام" العادل في المنطقة.. "فاسرائيل" هي دولة بدون حدود، او هي دولة حدودها مفتوحة على حدود  "الامة".

وبين الحدود الممكنة والحدود  الدائمة مساحة تسمح للحكومات "الاسرائيلية" بالتفاوض مع الحكومات العربية لتثبيت الممكن في ظل الوقائع، اما التفاوض على الدائم فهو من حق الامة وليس من حق الحكومات.. هكذا نفهم اعلان رئيس وزراء "اسرائيل" السابق اسحق رابين، انه سيجري استفتاء بشأن الانسحاب من الجولان، لان الجولان هو من الحدود الدائمة، قرر ضمه الكنيست "الاسرائيلي"، والكنيست هو مجلس الامة.

ان نظرية الحدود الممكنة في خدمة الحدود الدائمة يؤكدها فلاديمير جابوتنسكي استاذ مناحيم بيغن (رئيس وزراء "اسرائيلي" سابق) الذي يقول:

"ان كل معاهدة يوقعها زعماء "اسرائيليون"  على اساس قرار التقسيم هي غير شرعية ومن حق الشعب (أي الامة) وواجبه ان يعمل على الغائها".

وعلى قاعدة النظرية نفسها التي تجيز التفاوض على الحدود الممكنة فقط، لا يمكن تكون خطوط الهدنة التي وضعت عام 1949 حدودا دائمة. المبدأ هو ادخال تعديلات على الحدود لجعل حدود "اسرائيل" الراهنة حدودا آمنة ومفتوحة على التوسع. هذا المبدأ يؤكده كلام ليفي اشكول:

"ان خطوط الهدنة قد جرى الاتفاق عليها عام 1949 بناء على اعتبارات عسكرية فقط، وان هذه الخطوط ليست حدودا طبيعية".

والهدف كما يحدده اشكول هو "عيين حدود قومية آمنة ومتفق عليها في اطار معاهدات الصلح".

ان معاهدات الصلح الناتجة عن مفاوضات بين العرب و"اسرائيل" حول الحدود الآمنة مسألة مطلوبة من وجهة نظر "اسرائيلية".. فالمفاوضات في المنطق "الاسرائيلي" تسعى الى تنظيم الحدود الممكنة والقابلة للدفاع عنها في ظروف معينة، وهذا هو منطق بيريز منذ العام 1971 ومنطق رابين منذ العام 1974.

يقول الاول:

"يجب عند المفاوضات تنظيم الحدود في مناطق قابلة للدفاع عنها..ان الحدود في رأيي اكثر اهمية من الضمانات"..

ويقول الثاني:

"ان المفاوضات في المرحلة المقبلة ستكون حول "السلام". اما مشكلة الحدود فهي جزء من المفاوضات حول "السلام".

وفي المفاوضات الجارية اليوم، تسعى "اسرائيل" الى التفاهم مع الحكومات العربية المعنية بالحدود على حدود لها آمنة غير تلك التي تم التفاهم عليها في اتفاقيات الهدنة او حدود  ما قبل العام 1967.. وهذا هو جوهر الخلاف على تفسير القرار 242 وتنفيذه.

ب - حدود الكيان اللبناني

الكيان اللبناني من وجهة نظر "اسرائيلية" هو خطأ جغرافي-تاريخي، والتعبير هو لموشي ارينز (وزير الدفاع "الاسرائيلي") يوم كان سفيرا "لاسرائيل" في واشنطن، لانه بادعائها قام على توسيع حدود "الكيان المسيحي"، فهو، تاليا، كيان مركب يحمل في ذاته عطبه التكويني منذ لحظة تأسيسه، وهو كيان يجمع في داخله اقليات دينية صاحبة آمال وتطلعات قومية-ذاتية.

وانطلاقا من هذا الاعتبار، بدأت خطة "اسرائيل" لتقويض الكيان اللبناني بدءا من الجنوب.. وهي خطة واضحة في وثائق "اسرائيلية" كثيرة.

نقف عند اثنتين منها:

1- مجموعة رسائل هي:

- رسالة بن غوريون الى موشي شاريت في 27/2/1954.

- رسالة موشي شاريت الى بن غوريون في 18/3/1954

- رسالة ساسون الى موشي شاريت في 25/3/1954.

هذه الرسائل نشرتها مجلة "دافار" "الاسرائيلية" الصادرة في 29 تشرين الاول عام 1971 عشية الاعداد لاندلاع الفتنة في لبنان.

2- "استراتيجية "اسرائيل" في الثمانينات " التي كتبها اوديد بنون في مجلة "اتجاهات" العدد رقم 14 شباط 1982، وهي مجلة تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية. ترجمها من العبرية الى الانكليزية اسـرائيل شاهاك، ونشرتها بالعربية مجلة الثقافة العالمية في العدد السابع من السنة الثانية- المجلد الثاني-تشرين الثاني 1982 غداة الاجتياح "الاسرائيلي" للبنان.

وصفها شاهاك بانها "تظهر بوضوح وبشكل تفصيلي مشروع النظام الصهيوني المتعلق بالشرق الاوسط والقاضي بتقسيم المنطقة الى دويلات صغيرة، وذلك بعد تفكيك كل الدول العربية بصيغتها الحالية". ويقول شاهاك: "هذه النظرية تحكم الاستراتيجية الصهيونية بشكل "دائم".

تفكيك الكيان اللبناني، بدءا بالجنوب، هو بداية تنفيذ الخطة "الاسرائيلية" لتفكيك الدول العربية بعد ادخالها في اتون التداعيات والفوضى..

خطة تفكيك الكيان اللبناني في رسالة بن غوريون على الافكار الآتية:

- لبنان هو اضعف حلقة في سلسلة الجامعة العربية.

- المسيحيون اغلبية في لبنان التاريخي ولهذه الاغلبية تقاليد وحضارة مميزة.

- انشاء دولة مسيحية في لبنان هو شيء طبيعي له جذور تاريخية..

والامر لا يتحقق ابدا بدون اجتزاء حدود لبنان.

خطأ فرنسا الاكبر انها جعلت للبنان حدودا واسعة.

تحفظ موشي شاريت في رده على بن غوريون، ولكنه اعتبر ان "الامر قد يتحقق في اثر سلسلة من الهزات تضرب الشرق الاوسط وتسقط الانماط السائدة لتخرج منها قوالب جديدة".

اما آراء ساسون بشأن تفكيك الكيان اللبناني فتلخص بالآتي:

- ان جميع الموارنة بمن فيهم اهل بكركي لم يسلموا بالوضع القائم من صميم قلوبهم، ولم يتخلوا عن احلام اعادة لبنان المسيحي الى سابق عهده.. فالارض تميد تحت اقدام الموارنة، الامر الذي يجب ان يفتح عيني كل ماروني لاحداث الغليان المطلوب.

- ان تفكيك الكيان اللبناني من شأنه ان يخلخل كيانات الدول العربية ويحبط خطط وحدتها، ويعرضها امام العالم دولا متنازعة تحاول الواحدة ابتلاع جارتها.

اما "استراتيجية "اسرائيل" في الثمانينات" فتقوم على رؤية واضعها الى الواقع العربي عموما والى لبنان وسوريا والعراق خصوصا.. فهو واقع تتنازعه الانقسامات الطائفية التي تجعله قابلا للتجزئة الى دويلات.

في رأي شاهاك، ان تلك الاستراتيجية تجسد وجهة نظر شارون وايتان، وهي فكرة تتردد  مرارا في التفكير الاستراتيجي الصهيوني، واساسها يقوم على ان الكيانات العربية هشة يسهل هدمها بسبب خليط الاقليات الاثنية والدينية المتعادية..

يتطلب تنفيذ هذه الخطة من الناحية العسكرية اقامة حاميات "اسرائيلية" في الاماكن المركزية بين الدويلات الصغيرة.. وفي الواقع فقد شهدنا وسنشهد قريبا شيئا من هذا القبيل -يقول "اسرائيل" شاهاك- في جنوب لبنان او في لبنان باكمله.

 

ثانيا: مسألة الجنوب من خلال مفاوضات "السلام"

بغية ايضاح الخطة "الاسرائيلية" في الجنوب اللبناني من خلال مفاوضات "السلام"، نقف عند المحطة الاولى التي انطلقت منها مفاوضات ثنائية بعد اجتياح 1982، وانتهت الى اتفاق السابع عشر من ايار، وعند المحطة الثانية التي انطلقت منها مفاوضات ثنائية ومتعددة، بعد مؤتمر مدريد، وهي مستمرة على تعثر وانتكاس.

أ- في عام 1982، اجتاح الجيش "الاسرائيلي" نهر الليطاني وصولا الى بيروت، اعطى بذلك معنى للاعتداءات "الاسرائيلية" يتجاوز بكثير معنى عمليات التأديب اليومي، التي كان يدعيها الى"عملية سلام".. فالاعتداءات المتقطعة ذات بعد امني، والاجتياح الشامل ذو بعد امني-سياسي بدليل ان الرئيس الاميركي ريغان اطلق في اثره مبادرة للسلام في الشرق الاوسط انطلاقا من اتفاقيات كامب ديفيد. اما رئيس الحكومة "الاسرائيلية" بيغن، فاراد حصر المبادرة بلبنان.. جسد  الموقف "الاسرائيلي" آنذاك ما بات يعرف ب"ورقة شارون".

رأت الحكومة "الاسرائيلية" ان اجتياح عام 1982 يشكل فرصة مؤاتية لتحويل معاهدة كامب ديفيد من معاهدة ثنائية بين مصر و"اسرائيل" الى معاهدة مثلثة الاضلاع بين مصر و"اسرائيل" ولبنان.. كانت "اسرائيل" تريد معاهدة صلح في المفهوم الدولي الكامل فضلا عن ترتيبات امنية في منطقة الجنوب، منها اقامة محطات "اسرائيلية" للمراقبة والانذار المبكر..

وتنفيذا لهذه السياسة، كان الانسحاب "الاسرائيلي" الاول من الجبل الذي اعقبه فرز طائفي يخدم "اسرائيل"، وكان الانسحاب "الاسرائيلي" الثاني من الاقليم وشرق صيدا الذي اعقبه تثبيت خط تماس سوري-"اسرائيلي" يخدم فكرة التقاسم والمقايضة.

بعد انهزام مشروعها السياسي باسقاط اتفاق 17 ايار وتصاعد اعمال المقاومة، بدأ الاهتمام "الاسرائيلي" يتركز على المسألة الامنية بادعاء ان لها في الجنوب" حقوقا امنية مشروعة. على خط اخر راحت "اسرائيل" تحث بعض الطوائف على انشاء الادارات المحلية، وحولت الجنوب الى سوق استهلاك وتصدير لبضائعها ومنتوجاتها، وفتحت حدودها امام اليد اللبنانية العاملة مطلقة بذلك عملية تطبيع علاقات واسعة مع السكان في داخل "الحزام الامني". آملة في تغيير طبيعة الجنوب اللبناني الجغرافية والبشرية والسياسية، فهي طبيعية، في رأيها، قابلة للتعديل.

في اثر ذلك، أي بعد انهزام مشروعها السياسي، بدا واضحا ان "اسرائيل" تريد الانسحاب من الجنوب، بضغط من ضربات المقاومة، ولكن على مراحل، وفي ضوء ضروراتها الامنية مع الاحتفاظ، كما بدا من مفاوضات الناقورة، بمنطقة امنية تمتد من نهر الاولى الى راشيا، ينشر فيها لواء من الجيش اللبناني، على ان تقسم المنطقة الواقعة بين الحدود وصيدا الى منطقتين، واحدة تمتد من الحدود حتى الزهراني بعهدة "جيش لبنان الجنوبي"، واخرى تمتد من الزهراني حتى الاولي بعهدة قوات الامم المتحدة.

"البقعة الامنية " مطلب "اسرائيلي" دائم في جداول كل المفاوضات، وبرز هذا المطلب بشدة في مفاوضات الناقورة عام 1984، انطلاقا من اعتقادها ان الحكومة اللبنانية غير قادرة على تنفيذ التزاماتها في أي اتفاق.

و"البقعة الامنية" التي تريدها "اسرائيل" هي بعمق 12 الى 15 ميلا داخل الاراضي اللبنانية.

ب - في مؤتمر مدريد اقحم لبنان في مسار تفاوضي قاعدته القرار 242 والقرار 338 ومبدأ الارض مقابل "السلام"، مع العلم ان لبنان لا شأن له بهذين القرارين. ما يعنيه هو القرار 425  لعام 1978 واتفاقية الهدنة لعام 1949.

"اسرائيل" تريد مفاوضات سياسية مع لبنان.

لبنان يريد مفاوضات عسكرية او تقنية مع "اسرائيل".

"اسرائيل" تريد معاهدة سلام مشروطة "بقعة امنية".

سلام شامل يقابله انسحاب جزئي او مشروط بتلبية ضرورات امنية مزعومة هو المفهوم "الاسرائيلي" للسلام فضلا عن التطبيع..

وهذا هو المأزق الحقيقي الذي انتهت اليه المفاوضات.

الانسحاب من الجنوب، من وجهة نظر "اسرائيلية"، ليس هدفا بحد ذاته. فالمفاوضات يجب ان تسفر عن ترتيبات امنية هي التي تعين، بدورها، حدود الانسحاب ودرجاته واشكاله، وخلاف ذلك، أي الانسحاب الكامل من الجنوب من دون ترتيبات امنية ومائية، يضعها في مواجهة الانسحاب الثاني الاكثر اهمية هو الانسحاب من الجولان، والانسحاب من الجولان يضعها امام الانسحاب الثالث الاكثر صعوبة وهو من القدس..

في ضوء تداخل هذه الحلقات وبضغط من التفسير العربي للقرار242، نرى انه لا مصلحة "لاسرائيل" في انجاح المفاوضات اذا كانت ستؤول الى الانسحاب الكامل.

ان الوفد "الاسرائيلي" المفاوض لم يعترف صراحة بحق لبنان بوحدة اراضيه ضمن حدوده المعترف فيها دوليا. بل انه يطالب -باعادة ترسيم الحدود انطلاقا من ان  "لاسرائيل" الحق بحدود آمنة وقابلة للدفاع عنها.

مسألة الحدود، في المنطق "الاسرائيلي" المفاوض، ليست مسألة محسومة، انما يجب ان تتفق عليها في اثناء المفاوضات، فالمفاوضات هي التي تعيد ترسيم الحدود.

ان نظرية الحق في الامن والمدى الحيوي او الاستراتيجي تلغي مبدأ الحدود، الثابتة او النهائية بين الدول وتثبت مبدأ الحدود المتحركة والمفتوحة على التوسع.

وبغية تطبيق هذه النظرية يتصرف الوفد "الاسرائيلي" المفاوض على اساس القرار 425 لم يعد موجودا، وان اتفاقية الهدنة لعام 1949 لم تعد قائمة.

ان الوثيقة-الاقتراح التي نشرتها جريدة السفير بتاريخ 11/5/1993 تظهر بوضوح الموقف "الاسرائيلي" ازاء الحدود الدولية للبنان الجنوبي، وازاء "البقعة الامنية":

- الانسحاب لن يكون من كامل الاراضي.

- التعامل هو مع سلطة امر واقع (السلطة الفعالة).

- الحدود القائمة حاليا بموجب اتفاقية الهدنة ليست حدودا دولية.

- التمسك بدور امني لجيش لبنان الجنوبي.

- تشكيل لجان عسكرية مشتركة للقيام بمهمات تفتيش ومراقبة هي نفسها نص عليا اتفاق 17 ايار.

( ان نظرية "الحدود الآمنة" هي التي تحرك المنطق "الاسرائيلي" على طاولة المفاوضات، وهي نظرية تسقط الحدود القائمة بموجب اتفاق ترسيم الحدود بين لبنان و"اسرائيل" الذي اعدته لجنة الهدنة في 12 كانون 1949، والذي كرس باتفاقية الهدنة في 23 آذار من العام نفسه).

وعليه،

ان الجنوب اللبناني هو من"الاراضي المتنازع عليها" والتسوية تتم من خلال مفاوضات "السلام".

 

ثالثا: مسألة توطين الفلسطينيين

سياسة "اسرائيل" منذ قيامها هي دفع الفلسطينيين في اتجاه النزوح الجماعي الى البلدان المجاورة، والغاية هي افراغ الارض من سكانها الاصليين لاستيعاب اليهود الجدد، والحل في رأيها ان يجد الفلسطينيون في البلدان المجاورة وطنهم البديل او ارضهم البديلة، فالتوطين الفلسطيني متلازم وسياسية الاستيطان اليهودي ).

ما بعث على اعتبار التوطين اكثر من هدف في خطة واقرب إلى الحقيقة الواقعة يلخص بالاتي:

1- خطة كيسنجر التي تقوم على اعتبار توطين الفلسطينيين في الجنوب اللبناني امرا ممكنا، جزء من حل القضية الفلسطينية  يقضي بتوطين الفلسطينيين في الدول العربية.. ويبدو ان سياسة كيسنجر هي التي توجه السياسة الاميركية بشأن ازمة المنطقة.

2- توطين الفلسطينيين عنوان مدرج بتستر في المفاوضات المتعددة الاطراف في البند المتعلق باوضاع اللاجئين، بحجة ان حل مشكلتهم ليس بيد "اسرائيل" وحدها، بل تجب معالجته على صعيد إقليمي..والمنطق "الاسرائيلي" في هذا هو ما قاله دايان في بداية الاحداث اللبنانية:

"انه لخطأ كبير تدعيم الادعاء العربي بان اللاجئين جسم غريب في لبنان. فاللاجئون هم سكان كل بلد عربي يحلون فيه، ولدى العرب الكثير من الاموال لاستيعابهم حيث يوجدون".

3- اتفاق "غزة - اريحا اولا" ينص على السماح فقط لمهجري العام 1967 بالعودة ولا يذكر مهجري العام 1948.

4- إلغاء القرار 194 تاريخ 11 كانون الاول 1948، الذي نص على ان هناك امكانية للسماح للاجئين بالعودة الى ديارهم اذا ارادوا في اقرب وقت ممكن. ولهم ان يعيشوا بامان مع جيرانهم.. وذلك بحسب الحقوق الدولية ومبادئ العدالة.

وهي (رأي الجمعية العمومية) تعطي لجنة التسوية والتوفيق التوجيهات اللازمة لتسهيل عودة اللاجئين واقامتهم في ديارهم..

هذه الاشارات الاربع، فضلا عن انها تبعث على اعتبار التوطين اكثر من هدف في خطة "اسرائيلية"، تبعث على التساؤل:

(اذا كان الجنوب اللبناني هو "الارض البديلة" هل بدأت فعلا عملية اعادة النظر بخريطة البلدان المحيطة "باسرائيل"؟).

الجنوب اللبناني في الخطة "الاسرائيلية" هو محور نجاحها او فشلها على رغم كل التصريحات القائلة ان "إسرائيل" لا اطماع لها في لبنان)، وعلى رغم كل المظاهر الباعثة على الاعتقاد ان المسار اللبناني-"الاسرائيلي" هو اشد المسارات سهولة وقصرا..فالجنوب ارض تجمعت فيها عناصر الازمة الاقليمية وهو ارض المواجهات والخيارات الصعبة. في لحظة من لحظات الحروب الباردة بدت قوى العالم كله تواجهت وتصادمت في الجنوب.. واليوم يشكل الجنوب ساحة المواجهات عينها بالرغم من اختلال موازين القوة.