بيت الشرق والصيحة المدوية

 

محمد سليماوي/ كاتب مصري
الاهرام ـ مصر ـ 20/8/2001


مقدمة

احجار المبنى العتيد تصيح في احياء فلسطين فاخترقت صيحاتها عنان السماء صارخة: لا .. لن اسقط في ايدي جحافل التتار .. هدموا المباني وطردوا السكان وغيروا اسماء الشوارع والاحياء.. لكني انا بقيت متراصة في بيت الشرق الشامخ على مر السنين، فانا ذاكرة التاريخ ورمز العروبة في القدس الشريف.. انا قلب القدس والقدس قلب فلسطين وفلسطين قلب الامة العربية، فكيف لي ان اسقط تحت احذية الصهيونية القذرة التي دهست على مدى اكثر من نصف قرن من الزمان كل مقدساتي الدينية، اسلامية كانت او مسيحية؟.. كيف اخضع انا يا من تخطى عمري قرنا كاملا من الزمان لبطش من لم يكونوا وقت اكتمل بنائي قد خرجوا بعد الى الوجود؟ لا لن اسقط.. فانا الحقيقة وهم الاوهام.. انا التاريخ وهم التزييف.. انا فلسطين وهم التتار الغزاة.

 

 

هكذا انطلقت صيحة احجار بيت الشرق الذي يعود تاريخه الى نهايات القرن الـ 19 حين بناه اسماعيل بن موسى الحسيني عام 1897 كبير عائلة الحسيني المقدسية العريقة، والتي تقلدت نقابة الاشراف ومنتدى السادة الاحناف في القدس لاجيال متعاقبة، وقد انجب هذا البيت زعماء كبارا في المقاومة الفلسطينية مثل الحاج امين الحسيني مفتى القدس وعبدالقادر الحسيني وموسى كاظم الحسيني، وكان آخرهم فيصل الحسيني الذي توفي قبل احتلال القوات “الاسرائيلية” بيت الشرق ببضعة اسابيع فقط.

وتأتي صيحة المبنى القدسي العتيد من ان بيت الشرق قد ارتبط ارتباطا وثيقا بتاريخ فلسطين الحديث، فهو شاهد على هذا التاريخ خلال فترة تزيد على قرن كامل من الزمان عاصر خلالها عصابات الارهاب الصهيوني مثل مجموعة "شتيرن" ومجموعة "ارجون زفاي ليومى" التي كان يرأسها المهاجر البولندي الذي صار رئيسا لوزراء “اسرائيل” بعد ذلك، والذي تخلى عن اسمه القديم واتخذ لنفسه اسما جديدا في “اسرائيل” هو مناحم بيغن.. شهد بيت الشرق هذه العصابات وقد استولت بالقوة الغاشمة على ارض فلسطين، ودخلت المدينة المقدسة فداست باقدامها المقدسات الاسلامية والمسيحية..

 شهد بيت الشرق حائط البراق الذي اقترن في التراث الاسلامي برحلة نبي الاسلام محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم في الاسراء والمعراج قبل نحو 15 قرنا، وهو يتحول الى حائط المبكى الذي لم يسمع عنه اليهود انفسهم قبل اربعة قرون، ولم يرد له ذكر في أي من الكتابات اليهودية او التاريخية..

شهد بيت الشرق على العصر القبيح الذي سقطت فيه القدس تحت سنابك احد اشرس انواع الاحتلال التي عرفها التاريخ الحديث، وهو الاستيطان الصهيوني الذي يقوم على الاغتصاب ويسعى لمحو الهوية التاريخية والجغرافية والسكنية للمكان لينسبها زورا الى نفسه بلا سند من الشرعية ولا القانون، فاذا كان الوجود “الاسرائيلي” في فلسطين يستند الى قرار التقسيم الصادر من الامم المتحدة عام 1947، فان هذا الوجود لا سندا قانونيا له في القدس لانها لم تدخل ضمن التقسيم فقد نص قرار التقسيم على ان تظل منطقة دولية مفتوحة امام كل الاديان، لكن “اسرائيل” لم تعبأ بالشرعية ولا بالقانون، فاحتلت في حرب 1948 القدس الغربية، ثم في حرب 1967 احتلت القدس الشرقية ايضا، والتي يقع فيها بيت الشرق ترفرف عليه راية فلسطين العربية التي انزلتها اخيرا القوات “الاسرائيلية” ورفعت مكانها علما اخر هو رمز البطش والاغتصاب ووحشية الغاب.

ويقع بيت الشرق في حي الشيخ جراح في شمال القدس على مقربة من اسوار البلدة القديمة في المدينة، وينسب حي الشيخ جراح الى الامير حسام الدين الجراحي احد قادة الناصر صلاح الدين الايوبي، الذي عاش في هذا الحي وحين توفي دفن في زاوية جنوب بيت الشرق التي تعرف اليوم باسم مسجد وزاوية الشيخ الجراح.

وقد شيد بيت الشرق على الطراز المعماري الشرقي فجدرانه مزخرفة بالزجاج الملون المعشق واحجاره من قلب محاجر القدس الشريف واخشابه هي اشجار الارض البهية التي رواها الاجداد، وقد ظل بيت الشرق منذ انشائه من الرموز المعمارية للقدس، فكان كبار زوار البلاد ينزلون عليه ضيوفا، حيث استضاف البيت في عام 1898 وبعد سنة واحدة من بنائه امبراطور المانيا فلهلم الثاني وزوجته اوغسطا فيكتوريا، ابنة ملكة بريطانيا، كما استضاف الامبراطور هيلاسلاسي بعد ان ابعدته السلطات الايطالية عن اثيوبيا عام 1936، وحين توفى الشريف حسين بن علي ودفن بالحرم الشريف اقام له ابنه الملك عبدالله العزاء في بيت الشرق ثم اصبح بيت الشرق بعد ذلك وفي عام 1952 مقرا لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين ثم مقرا للصليب الاحمر، ثم تحول لفترة الى فندق واطلق عليه اسم فندق بيت الشرق الجديد، فكان بذلك احد اوائل الفنادق العربية في القدس خارج اسوار المدينة القديمة، لكنه كان دائما مأوى للاجئين من ضحايا الارهاب الصهيوني، فكان بمثابة الملاذ للمواطنين العرب الذين كانوا يحتمون به من مطاردات العصابات الصهيونية التي كانت تحاصرهم داخل بيوتهم لتهدمها فوق رؤوسهم، وقد تم تسكين بعض اليتامى من ضحايا مذبحة دير ياسين في هذا البيت لفترة طويلة كما بنيت به في ذلك الوقت عيادة ومستشفى لجرحى المعارك، اما بعد حرب 1967 ودخول “اسرائيل” القدس الشرقية فقد تم اغلاق بيت الشرق كبناء عام واقتصر استخدامه على سكن آل الحسيني، وذلك حتى عام 1983 حين اسس فيصل الحسيني مسؤول ملف القدس (او وزير القدس) في السلطة الفلسطينية جمعية الدراسات العربية فحفظت به ارشيفها  ومكتبتها التي كانت تضم الوثائق والخرائط الجغرافية الخاصة بالملكية العربية في القدس وبذلك كان بيت الشرق ايضا بمثابة ذاكرة للملكية الفلسطينية في المدينة المقدسة، مما جعل سلطات الاحتلال “الاسرائيلي” تتربص بالبيت الى ان اصدرت امرا بحظر نشاط جمعية الدراسات العربية عام 1987 حيث اغلق البيت ودخل الحسيني السجن حتى عام 1993، ومع توقيع اتفاق اوسلو في نفس العام بين السلطة الفلسطينية والحكومة “الاسرائيلية” عادت الجمعية لنشاطها بعد ان تعهد وزير خارجية “اسرائيل” آنذاك بان يسمح لجميع المؤسسات والهيئات الفلسطينية التي كانت قائمة حتى تاريخ توقيع الاتفاق بمواصلة نشاطها.. ومن غريب ان يكون وزير خارجية “اسرائيل” الذي قدم هذا التعهد للسلطة الفلسطينية في خطاب بتوقيعه الشخصي، هو نفس وزير الخارجية في الوقت الحالي شيمون بيريز الذي كانت حكومته هي التي قامت اخيرا باحتلال بيت الشق ومصادرة ما به من مستندات ووثائق وانزال العلم الفلسطيني من على واجهته ورفع العلم “الاسرائيلي”.

وكان بيت الشرق مقرا لثلاثة مكاتب فلسطينية، فالى جانب جمعية الدراسات العربية التي كان يلجأ اليها المواطنون الفلسطينيون للحصول على الوثائق الدالة على ملكيتهم في القدس في مواجهة قرارات المصادرة “الاسرائيلية”، فهو ايضا مكتب فيصل الحسيني نفسه، ومكتب العلاقات الدولية الذي يتولى الاتصالات الفلسطينية مع العالم الخارجي، فكان بمثابة وزارة خارجية غير رسمية تستقبل فيه الوفود الاجنبية الزائرة.

ولقد اتخذت الحكومة “الاسرائيلية” مع قرار احتلال بيت الشرق قرارا اخر يقضي باغلاق جميع المؤسسات الفلسطينية في القدس الشرقية المتفق على عدم التعرض لها، مثل غرفة التجارة ومركز الاتصالات الفلسطينية وغيرهما، كما اتخذت ايضا قرارا خطيرا بانشاء مركز للشرطة “الاسرائيلية” في القدس الشرقية لاول مرة منذ دخلت “اسرائيل” المدينة عام 1967، ويعتبر هذا القرار الاخير التطبيق الفعلي لقرار ضم القدس الشرقية تحت دعوى توحيد المدينة وجعلها "عاصمة ابدية لاسرائيل"، فقد ظل قرار الضم حتى الان قرارا نظريا يجافى الواقع لان الوجود الفلسطيني كان قويا في القدس الشرقية، وظلت المؤسسات الفلسطينية تمارس نشاطها بعد هذا القرار كما ظل التحدي اليومي الفلسطيني قائما ضد اعمال التهويد التي كانت تجري على قدم وساق، ولقد شهدت القدس الشرقية معارك دامية طوال 34 عاما منذ احتلالها، سقط خلالها المئات من الفلسطينيين، دفاعا عن عروبة المدينة الشريفة وعربة الاماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية، كما كانت القدس هي نقطة انطلاق انتفاضتين شعبيتين ما زالت احداهما مشتعلة حتى الان.

وفي ذلك كله فقد كان "بيت الشرق" رمزا للهوية العربية في القدس، لذلك فان قرار احتلاله واغلاق جميع المؤسسات الفلسطينية الاخرى في القدس الشرقية واقامة مركز شرطة “اسرائيلية” داخل المدينة هو بمثابة اعلان رسمي عن بداية تنفيذ الضم الكامل والفعلي للاراضي العربية وطرد سكانها واخضاع الباقين منهم الى حكم عسكري صريح وهو ما سبق ان فعلته “اسرائيل” في اجزاء كثيرة من الاراضي الفلسطينية التي احتلتها.. اما اليوم فهي تحكم سيطرتها ايضا على اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين معلنة عن وضع حجر الاساس لبناء هيكل سليمان المزعوم على انقاض الحرم القدسي الشريف.

لذلك فان صيحة بيت الشرق هي تحذير فان قرار احتلاله ليس نهاية المطاف، بل قد يكون هو المقدمة لما يتم تخطيطه للمسجد الاقصى نفسه، فمثلما كانت “اسرائيل” تتربص بالمسجد الاقصى، فقد كانت تتربص ايضا بـ بيت الشرق ومنذ رحيل فيصل الحسيني يوم 31 مايو الماضي وجدنا “اسرائيل” تنشط بشكل غير مسبوق منذ سنوات في حملتها لهدم المباني الفلسطينية في القدس الشرقية وتسرع بالاعلان عن سلسلة من المصادرات للاملاك العربية، ثم تقوم يوم 17 يوليو الماضي بمنع اقامة تأبين الحسيني في البيت الذي عاش فيه طوال حياته.

على ان تلك لم تكن المرة الاولى التي تسعى فيها “اسرائيل” لاحتلال بيت الشرق فقد سبق محاولة ارييل شارون الاخيرة محاولة مماثلة لرئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو قبل ستة ايام فقط من انتخابات عام 1999 حيث اصدر قرارا باغلاق بيت الشرق كوسيلة لاثبات تشدده، ومن ثم زيادة اسهمه في الانتخابات، وفي ذلك الوقت اعطى رئيس الوزراء “الاسرائيلي” انذارا للفلسطينيين باخلاء بيت الشرق خلال 24 ساعة، وقد كان في ذلك اكثر كرما ممن سبقوه في ارتكاب مذبحة دير ياسين الذين لم يمهلوا سكان تلك البلدة الآمنة غير 15 دقيقة لا غير هدموا عليهم بيوتهم بعدها بالبلدوزرات وقتلوا وذبحوا كل من طالتهم ايديهم.

ورغم ان امر نتنياهو باغلاق بيت الشرق لم يصل الى حد احتلال البيت واستبدال العلم “الاسرائيلي” بالعلم الفلسطيني على واجهته كما فعل شارون، وانما اقتصر فقط على اغلاقه، الا ان رئيس الوزراء السابق خسر معركته ضد بيت الشرق وخسر معها الانتخابات، فقد اصدرت المحكمة العليا في “اسرائيل” آنذاك حكمها بارجاء القرار لما بعد الانتخابات، وقد تسبب ذلك في مواجهة حادة بين نتنياهو ووزير داخليته وصفه فيها رئيس الوزراء بانه "جبان" لانه لم يأمر قواته باقتحام البيت واحتلاله.

وصيحة بيت الشرق المدوية اليوم تقول: انتصرت على عصابات الارهاب الصهيوني قبل قيام الدولة اليهودية، وانتصرت على وحشية قوات الاحتلال “الاسرائيلي” بعد قيام هذه الدولة، واني لابد منتصر غدا على شارون، فانا رمز والرموز لا يموت.. سأبقى صامدا في قلب القدس كاشجار البرتقال اليانعة واشجار الزيتون رمز المحبة والسلام واشجار التين التي زرعها الاجداد ورووها بدمائهم الزكية.