السلام المستحيل مع "اسرائيل"
هل من طريق آخر؟
د. سليمان ابراهيم العسكري
رئيس تحرير مجلة العربي ـ الكويت
العدد 505 ـ ديسمبر 2000م
مقدمة:
الصراع العربي ـ "الاسرائيلي" لم يعد احجارا وقتلى. ولكنه يجب ان يسعى الى خلق ذهنية عالمية تعترف بالظلم الواقع على الفلسطينيين وتعمل على اختراق النظرة الدينية تجاهنا من قبل العالم.
في "حديثنا الشهري" بعدد مايو الماضي من هذا العام والذي كان يحمل عنوان "سلام الهيمنة "الاسرائيلية"، الى اين المصير؟" بدأناه متسائلين: "هل هي التسوية النهائية، حقا، تلك التي توشك حلقاتها ان تكتمل، مع ما يقال عن اقتراب المسار التفاوضي السوري ـ "الاسرائيلي" من اطار عام لاتفاق ما، ومع تواصل تلك المباحثات الفلسطينية ـ "الاسرائيلية" التي استطالت دون ان ندري ان كانت تصنع التمهيدات لاعلان الدولة الفلسطينية المستقلة ام لا؟".. وكان جوابنا ـ بعد استقراء كل ما اسفرت عنه الوقائع والنوايا هو النفي.
ثم جاءت احداث انتفاضة الاقصى، المشتعلة منذ ثلاثة شهور حتى الان واحتدام المواجهة بين حجارة الانتفاض الفلسطيني ونيران القمع "الاسرائيلي" القاتلة، وسقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى تحت وابل الرصاص الحي لجيش مدجج حتى قمة رأسه بالسلاح، لتؤكد وتحتم الاجابة بهذا النفي.
وقد ذكرنا ان "تاريخ الصراع العربي ـ "الاسرائيلي" يؤكد بوضوح ان الحركة الصهيونية في فلسطين، وعلى امتداد العالم لم تنظر ابدا الى المشروع الاستيطاني في فلسطين الا من منظور واحد هو القمع الدائم للجيران العرب، وربطهم، بقوة هذا القهر والارغام، بعجلة المشروع الصهيوني الذي سيعتمد في بقائه واستمراره ـ بعد تجليه في شكل دولة هي الاكثر تفوقا، عسكريا واقتصاديا في المنطقة ـ على التفوق الدائم لجانب واحد، وهذا التفوق لا بد ان يقابله، بالضرورة، ضعف عربي وتبعية دائمة لـ "اسرائيل" المتفوقة والمهيمنة".
استئصال الاخر
وقد اثبت هذا القمع الصهيوني الوحشي ضد رماة الحجارة الفلسطينيين ـ الذين فقدوا صبرهم وطال انتظارهم للاستقلال والدولة المختزلة حتى اصبحوا الشعب الوحيد في العالم كله الذي لا يزال يخضع لاحتلال عسكري مباشر ـ ان التعايش بين اليهود والعرب والمسلمين في نظر الحركة الصهيونية الاستيطانية امر يتناقض مع ثقافة الفكر اليهودي الراسخة عن "شعب الله المختار" الذي ميزة الله عن العالم، وسخر بقية الخلق قاطبة لخدمته وخضوعهم لقيادته ولمصالحه الدنيوية!
فـ "اسرائيل" قد اكتسبت مبررات وجودها في فلسطين وفق ثقافة قديمة ضاربة في اعماق التاريخ، لان مبرر هذا الوجود هو تحقيق اقامة الدولة "اليهودية" النقية التي لا يشاركهم فيها احد من غير اليهود، وما مبرر وجود الآخرين معهم او حولهم الا لدعم هذا الحلم اليهودي الديني، لذا نراهم لا يستنكرون شيئا مما ينزلونه بغيرهم من ظلم وارهاب وقتل يصل الى حد استخدام اساليب الافناء لوجود الاخر.. كالقتل المتعمد للاطفال، وهدم المنازل، وازالة الوجود المادي للسكان الاصليين وتزوير تاريخهم وانتمائهم للارض التي "يزعمون انها اختيرت من قبل الرب لتكون ارض الميعاد"!
ان السيطرة التراثية للفكر اليهودي، والاستناد الى ثقافة الشتات والاحساس الدائم بالاضطهاد وعدم الوثوق باي شيء في هذا العالم سوى تعاليمهم التوراتية، هي التي تحكم اليوم الدولة اليهودية في فلسطين، ولك ما يقال عن العلمانية واليسارية وقوى السلام في المجتمع "الاسرائيلي" نراها قد انهارت في ايام قلائل امام الرعب من حجارة الفلسطينيين، وتخلى الجميع عن علمانيتهم ويساريتهم والتحموا مع حملة الفكر التوراتي القديم ضد شعب اعزل مقهور مسلوب الارض والدار ومعزول حتى من الدعم والمساندة من العالم الخارجي.
ان الطائرات والدبابات والصواريخ "الاسرائيلية" وهي تدك منازل المدن والقرى الفلسطينية على رؤوس ساكنيها، تكشف عن ثقافة المسلك الصهيوني الحاكم لمجريات السياسة في "اسرائيل" التي ترى العرب قوما لا يفيد معهم سوى القوة، وكلما استخدمت مزيدا من القوة ضدهم وتم تصعيدها تراجعوا امامك اكثر!
سلام مختلف.. سلام مستحيل
لقد اسقطت حجارة الاطفال الفلسطينيين القناع عن الوجه الحقيقي للعنصرية المتأصلة في التعامل "الاسرائيلي" مع "الجيران" الفلسطينيين والعرب، وبات واضحا واكيدا، مع تواصل انتفاضة الاقصى وتحديها للاستعمار "الاسرائيلي" بكل آلته العسكرية القمعية، ان "اسرائيل" تتحدث طوال حلقات تفاوضها مع العرب منذ "مؤتمر مدريد" عن سلام مختلف عن السلام الذي يتحدث عنه العرب ـ مع كل تواضعه ـ وانها تبحث على مستوى "الكلام" عن تسوية "عبر مسارات التفاوض" مع العرب بينما تسعى على مستوى "الفعل" الى فرض واقع نابع من ثقافة الهيمنة والاستعلاء اليهودي على "الجيران" او الى املاء "سلام" التفوق الصهيوني والضعف العربي.
ويمكننا ان نعيد قراءة مشروع "الشرق اوسطية" الذي بشر به شيمون بيريز رئيس وزراء "اسرائيل" الاسبق ضمن هذا الفكر اليهودي التوراتي.
ان واقع التركيبة الحالية لمنظمة الحكم في "اسرائيل"، وكما اشرنا في مقالنا سالف الذكر، يتسم "بالتفوق الواضح للجناح اليميني التوراتي المتطرف، وهو الجناح الذي يعتمد في فكره وايمانه على ان الوجود الصهيوني قائم على الغاء الطرف الاخر، وهو هنا الفلسطيني العربي المسلم، وهؤلاء المتدينون المتخلفون والمتعصبون هم الذين يرجحون الان ـ ولفترة طويلة قادمة ـ ميزان قوى الرأي في السلطة "الاسرائيلية"".
وقد تجسد اخفاق هذا الفكر في قبول التعايش مع الاخر" الفلسطيني" والمشاركة المتكافئة في بناء المستقبل، حتى ذلك الجزء من الشعب الفلسطيني الذي رضي منذ اكثر من خمسين عاما ان يصبح جزاء من دولتهم، رفضوه بسرعة فائقة واضافوه ـ رغم انه يحمل الهوية "الاسرائيلية" ـ الى قائمة العدو الفلسطيني الذي يجب ان يفنى!
هذه الثقافة اليهودية المتسلطة والمدعمة بقوة التطور التكنولوجي والعسكري الغربي تنظر للسلام في المنطقة ومستقبل وجوده من زاوية مناقضة تماما للنظرة العربية للسلام والتصالح. فأي دولة ديمقراطية علمانية هذه التي تؤمن وتعمل على الغاء اكبر اثر ديني في التاريخ لشعوب المنطقة باسرها وللشعوب الاسلامية كلها، واقصد به المسجد الاقصى، ولا تضع اعتبارا لاي من القيم الثقافية والتراث الديني لتلك الشعوب من اجل هم السعي لاثبات ان تحت هذا الاثر موقعا او دليلا على وجود معبد يهودي (الهيكل) تهدم منذ آلاف من السنين؟ فكيف لنا ان نعتمد ونمضي على طريق الثقة والتصديق مع فكر وثقافة تلك هي منطلقاتها في القرن الواحد والعشرين.
ان تصادم الثقافات بين العرب والاسرائيليين يضع صيغة "السلام المدريدي" في قائمة الوفيات، ويؤكد الحاجة الملحة الى طرح صيغة بديلة فاعلة يقودها الفلسطينيون ويدعمهم العرب والقوى العالمية ذات المصلحة الحقيقية في اقامة سلام واستقرار في منطقتنا العربية.
هذه الصيغة لا بد ان تنطلق من يقين كامل بان الصراع لن ينتهي بسهولة ويسر، او بقوة سحرية، ولا بد من خلق اشكال جديدة لالية هذا الصراع تنطلق من مبدأ ان السلام يقوم ويسود في حالة واحدة هي خلق "توازن قوى" بين الطرفين المتصارعين يتقوى فيه الطرف الاضعف تدريجيا على حساب تراجع قوة الطرف الاقوى تدريجيا ايضا.
طريق للخلاص
ان دماء الشهداء التي تسيل كل يوم يجب ان تتحول الى فعل، كما ان مشاعر الغضب العميقة التي تعم الشارع العربي يجب ان تتحول الى طاقة دافعة. ولن تجدي صيحات الحرب المتوالية والدعاوى الصارخة من اجل فتح الحدود. فالحرب النظامية لم تعد تدور على الارض. وحرب كوسوفا هي خير دليل على ذلك. ولا اعتقد ان الجيوش العربية قادرة على اختراق السهول والوديان فضلا عن اختراق الحدود العربية المصمتة. ولكن الكفيل باعادة الحرب الى الارض هم ابناء الشعب الفلسطيني نفسه، فهم وحدهم القادرون على الضغط من اجل تحرير المدن الفلسطينية وهم ايضا القادرون على انتزاع اعتراف العالم بحقهم العادل في النضال ضد المحتل.
ولكن هذا الامر يجب الا يتوقف عند القاء الامر على عاتق الآخرين، فهؤلاء الناس المحاصرون في حاجة الى من يدعمهم ماديا ومعنويا حتى يمكنهم مقاومة ذلك العنت "الاسرائيلي". ويجب ان تكون لهم قنواتهم المالية الخاصة بعيدا عن المؤسسات "الاسرائيلية"، كما ان الحجارة لم تعد سلاحا كافيا امام كل هذا القمع والعنف المبالغ فيه. وكان لا بد من ايجاد وسائل اخرى ليستطيعوا الذود عن انفسهم وعن وجودهم. وسواء امسك الفلسطيني بالحجارة او بالسلاح فلن تفعل "اسرائيل" اكثر مما فعلت، فقد استغلت اقصى ما في ترسانتها من اسلحة سواء كانت دبابات او طائرات او صواريخ.
ان تجربة حزب الله اللبناني اثبتت شيئين اساسيين اولهما: ان "اسرائيل" قابلة للهزيمة اذا وجدت من يرد عليها، وثانيهما: ان العالم لا يفهم ولا يحترم الا من يملك القوة والاقناع. كما ان الصراع مع الدولة العبرية في "اسرائيل" ممتد الحلقات، متعدد الاطوار، متسع الميادين، يمتد من الحجارة والضغط العصبي والنفسي على المجتمع "الاسرائيلي"، الى ميادين الاعلام الذي يجب ان ندخله متسلحين بادوات الثقافة والاقتصاد والعلم لا بالصراخ والخطابة. ان من المهم ان نمتلك القدرة على معرفة الاخر وكيفية الوصول اليه والتفاهم معه، وخلق الروابط الاقتصادية والمعرفية معه، وفهم علم المصالح المتبادلة بين الامم والدول في هذا العالم المتسارع الخطى والتحولات.
ان ساحات معركة الاعلام والتواصل مع العالم الخارجي اصبحت من الاسلحة الاكثر تأثيرا وفتكا في الصراع العالمي، فثورة الاتصال والمعلومات وضعت العالم امام الحقائق مباشرة، ومهما حاولت قوى متحكمة في التأثير على حقائق الصورة ومحاولة تشويهها او تحريفها، فلن تصمد طويلا وستنكشف سريعا كل محاولات المخادعة والتحريف فالشعوب اصبح لها الدور الاول في التأثير على سياسات حكوماتها، ولم يعد ذلك الغطاء الذي يسمح بخديعتها، فاذا ما عمقنا فهمنا للعالم من حولنا، وتسلحنا بسلاح التواصل النابع عن معرفة وفهم للتلاقي والتعاون والمصالح المشتركة مع هذا العالم فاننا بالتأكيد سنحقق منجزات كبيرة في صراعنا ضد العنصرية اليهودية في فلسطين.
فالدولة اليهودية في فلسطين لم تنشأ في يوم وليلة، انما هي حصيلة عمل مضن بدأ من القرن التاسع عشر بصبر وعزيمة وكان عملا شاقا اتسع على امتداد دول العالم وحكومات الدول الكبرى في ذلك الزمان، واستطاعت الصهيونية ان تستثمر كل امكاناتها التنظيمية والاقتصادية والعلمية والسياسية والاعلامية في خلق ذهنية عالمية تساند دعوتها وحقها في اقامة دولتها المستقلة في فلسطين، وتغيير هذه الذهنية العالمية المتعاطفة والمتضامنة مع الحق اليهودي ـ وهي معركة ضخمة لا بد من خوضها ـ لن يتأتى بالصراخ والعصبية والتأزم وشتم العالم، فصراخ حناجرنا لا يتعدى فضاء بلداننا، ولن يجدي نفعا، لان خلق ذهنية عالمية تعترف بالظلم الذي وقع على الفلسطينيين على ايدي الصهيونية وتتعاطف معهم وتبدأ في الدفاع عن حقوقهم يتطلب عملا منظما طويل الامد يأخذ بعين الاعتبار كل الظروف والاحوال المستجدة في العالم، ويعمل على اختراق النظرة الدونية تجاهنا من قبل العالم، بتقديم بديل ديمقراطي وانساني لاوضاعنا السياسية والاجتماعية.
ربما كان من المناسب ان اختم حديثي هذا بتلك الفقرة التي ختمت بها مقالي سالف الذكر على هامش ذكرى قيام "اسرائيل" عام 48 في عدد مايو الماضي والذي قلت فيه ان هذه الذكرى تدعونا الى : "ان نتأنى قليلا في سيرنا نحو البحث عن السلام العاجل باي ثمن، والا نلغي التاريخ من حساباتنا، فلقد صمد العرب اكثر من خمسين عاما، وقدموا تضحيات وتضحيات، لكنها لم تكن بلا ثمن. فالصراع العربي ـ "الاسرائيلي" خلق حالة قابلة للتطور لمصلحة العرب، اذا ما حاولوا ان يمسكوا بخيوطها بايديهم ويستخدموا ما في التاريخ ـ تاريخ المنطقة والصراع ـ بعقل مفتوح وثقة بامكاناتهم البشرية والجغرافية ومصادر قوتهم الاقتصادية، واضيف بما لديهم من مخزون ثقافي واسع فسيتمكنون في النهاية من الوصول الى نتائج ملموسة لمصلحتهم واستقرار اوطانهم، والمنطقة باسرها في نهاية المطاف".