سلام الهيمنة "الاسرائيلية"
الدكتور سليمان ابراهيم العسكري
باحث وكاتب كويتي
مجلة العربي ـ الكويت
ايار ـ 2000
مقدمة:
هل هي التسوية النهائية، حقا، تلك التي توشك ان تكتمل حلقاتها، مع ما يقال عن اقتراب المسار التفاوضي السوري ـ "الاسرائيلي" من اطار عام لاتفاق ما، ومع تلك المباحثات الفلسطينية ـ "الاسرائيلية" التي استطالت دون ان ندري ان كانت تضع التمهيدات لاعلان الدولة الفلسطينية ام لا؟ هل هذا السلام القادم غدا، كما ينتظره البعض، يحمل معه بالفعل الامن والاستقرار، ومن ثم التنمية والرخاء؟
ما ابعد الجواب عن الايجاب، فتاريخ الصراع العربي ـ "الاسرائيلي" يؤكد بوضوح ان الحركة الصهيونية في فلسطين والعالم لم تنظر ابدا الى المشروع الاستيطاني في فلسطين الا من منظور واحد هم القمع الدائم للجيران العرب، وربطهم بقوة هذا القهر والارغام بعجلة المشروع الصهيوني الذي سيعتمد في بقائه واستمراره، بعد تجليه في شكل دولة هي الاكثر تفوقا عسكريا واقتصاديا في المنطقة، على التفوق الدائم لجانب واحد.
وهذا التفوق لا بد ان يقابله بالضرورة ضعف عربي وتبعية عربية دائمة لـ "اسرائيل" المتفوقة والمهيمنة.
ان "اسرائيل" التي تتظاهر الان بالسعي للسلام، كما توضح ذلك اجهزة اعلامها، وتشاركها في ذلك المؤسسات الاعلامية اليهودية في العالم، وبالتالي كل الآلة الاعلامية الغربية الضخمة السائرة في هذا الركب، تواصل في الوقت نفسه، العمل بسرعة هائلة في بناء اكبر ترسانة اسلحة عسكرية في منطقتنا العربية، وتسعى ـ فوق هذا ـ لتكون المصدر المهم للاسلحة المتطورة لتركيا، بل وتعرض انتاجها العسكري المتقدم من السلاح لايران ودول اسيوية وافريقية، وتتبرع بتقديم خبراتها العسكرية والامنية حتى لبعض الدول العربية التي تواجه مشاكل مع جيرانها. أي انها تسير في كل درب يمكن ان يفضي الى اضعاف الدول العربية اقتصاديا وعسكريا، فهي تخطط وتشرع بالفعل ـ على سبيل المثال ـ في تنفيذ مشاريع عدة في مجال المياه، من بينها مشروع لتحلية مياه البحر بدعم مالي ضخم من امريكا والاتحاد الاوروبي باستخدام تكنولوجيا متقدمة، وسيوفر هذا المشروع عند اكتماله مياها تكفي لارواء الصحراء وتعميرها، كما يوفر لها ايضا وسيلة من الوسائل التي تجهد لتجميعها للهيمنة على المنطقة.
فهل تساعد تلك الاستراتيجية وتوجهاتها على اضفاء سمة الاستدامة على التسوية الوشيكة التي تتعجلها الدول الكبرى وقيادات عربية كثيرة مقابل تنازلات يومية امام المطالب "الاسرائيلية" خوفا من ضياع امل السلام؟ او بالأحرى وهم السلام؟، ولنضع التساؤل في صياغة اخرى، فنقول: هل تتوافر فرص حقيقية امام تواصل حلقات السلام العربي ـ "الاسرائيلي" لعقود قادمة مع الاصرار "الاسرائيلي" على ربط استمرارية المشروع الصهيوني اعتمادا على التفوق والهيمنة والضغط متعدد المصادر من اجل ادامة عوامل الضعف العربي؟
شروط "اسرائيل" المجحفة
ويتصل بهذا التساؤل المشروع سؤال اخر: الن يؤدي فرض شروط مجحفة على العرب اليوم، بحكم ضعفهم وتفوق عدوهم، الى امكان نشوب حروب جديدة في مرحلة لاحقة؟ وهل ستكتفي "اسرائيل" بفرض شروطها اليوم، والسماح للعرب بعد الصلح والتوقيع بان يتلفتوا لشؤونهم واعادة بناء اوطانهم، وفي المقدمة باء قوتهم العسكرية والاقتصادية؟ ام انها ستضع خطا احمر على حركة تلك المجتمعات وتمنع تجاوزه في أي اتجاه حتى لا يختل ميزان القوة في يوم ما لصالح العرب، فتفقد الدولة العبرية تفوقها عليهم؟ اننا لا ندعو هنا لوقف المفاوضات، فهي احد اشكال النضال ـ الاني على الاقل ـ لاستعادة الحقوق العربية، وهي الوسيلة المتاحة لرفع معاناة القمع اليومي عن كاهل سكان الارض المحتلة، ولكن بشرط ان تدار هذه المفاوضات بشكل صحيح، وان ندرك ان "اسرائيل" في حاجة للوصول الى هذه الاتفاقيات باكثر من حاجتنا اليها.
ان التاريخ ينبئنا ان هناك دولا وشعوبا فرضت عليهم شروط استسلام مجحفة في مرحلة من مراحل صراعها مع دول اخرى، وقد ادت ـ تلك الشروط ـ الى انفجار حروب اخرى لاحقة اشد قسوة وضراوة، والمانيا خير مثال على ذلك، فشروط الحرب العالمية الاولى المجحفة هي التي ادت بها الى خوض الحرب العالمية الثانية، ورغم هزيمة المانيا النازية في هذه الحرب ايضا الا ان الدول الغربية المنتصرة استفادت من الدرس السابق فلم تسع لوضع شروط جديدة بقدر ما سعت الى وضع مشروع شامل لاعادة بناء المانيا وتعويض الشعب الالماني عن خسائر في الحرب والتخفيف من حدة شعوره بالهزيمة، خوفا من تكرار ما حدث بعد الهزيمة الاولى، وقطعا لطريق بروز النعرة الفاشية الالمانية من جديد.
ان التفاؤل الشديد، والاستعجال المفرط للوصول الى سلام دائم وشامل قريب لدى اركان القرار السياسي العربي، يؤديان بهم الى تعجل في القبول والموافقة على كل ما تريده "اسرائيل" منهم، وكاننا نسعى الى التخلص من قضية طارئة وازاحتها عن كواهلنا بحثا علن الراحة، وبعدها ستسعد شعوبنا وتتفرغ للتنمية والاستقرار، لقد قيل قبل اكثر من عشرين عاما ان التصالح والسلام وانهاء حالة الحرب سيوفر مبالغ ضخمة من ميزانيات التسلح، توجه للتنمية والبناء، ولم تثبت صحة تلك التصورات، فاستمرت ميزانيات التسلح في المنطقة العربية كلها في تصاعد جنوني حتى يقال انها اكبر منطقة في العالم يتآكل فيها السلاح بفعل الصدأ.
ميراث التعصب
ومما يعزز من امكانات تصاعد التوتر والنزاع ـ بعد التصالح ـ الى مستوى الخطورة على هذا السلام المصنوع في المنطقة، واقع التركيبة "الاسرائيلية" الحالية التي تؤكد تفوق الجناح الديني التوراتي المتطرف بصورة متزايدة، وهو الجناح الذي يعتمد في فكره وايمانه على ان الوجود الصهيوني الديني قائم على الغاء الطرف الاخر، وهو هنا الفلسطيني العربي المسلم. كما ان هذا الطرف العربي الاسلامي ـ كذلك ـ ليس مستعدا للتنازل عن مبادئه الدينية وتوجهاته ومنطلقاته الثقافية، كما هو الحال لدى الجانب الصهيوني المتعصب الذي هو بدوره ليس لديه الاستعداد للتخلي عن فكره اليهودي الالغائي القائم على بناء دولة دينية تحت الشعار الدائم له "شعب الله المختار". وهؤلاء المتدينون المتخلفون والمتعصبون هم الذين يرجحون الان ميزان قوى الرأي في السلطة "الاسرائيلية"، ويتزايد عددهم بفعل مصادر الهجرة اليهودية التي تمدهم بافواج مستمرة الى فلسطين وخاصة من الدول التي يتميز يهودها بالانغلاق والتعصب الديني (افريقيا، اليمن، روسيا، الدول العربية، دول اسيوية اخرى) ووجود هؤلاء خطر مؤكد على أي مرحلة سلام قادمة ولو كانت بضمانات بعض الدول الكبرى كامريكا مثلا.
ان التضاد الثقافي بين الثقافة العربية الاسلامية واليهودية (الشرقية والغربية) لا يمكن الرهان على حله او حتى تعايشه ضمن الاطار القائم حاليا في المنطقة، أي في وجود دولة يهودية، واوكد على كلمة يهودية، ودول عربية اسلامية محيطة بها، ناهيك عن الشعب الفلسطيني الساعي للاستقلال في دولة ملاصقة ومتداخلة مع الدولة العبرية. والتاريخ ـ مرة اخرى ـ يؤكد لنا ان كل التجمعات اليهودية ـ سياسية كانت ام اقتصادية ـ التي تكونت في التاريخ سرعان ما تصطدم بها القوى المحيطة، ويؤدي هذا التصادم ـ دائماـ الى ضرب تلك التجمعات اليهودية والقضاء عليها، حدث هذا في روسيا القيصرية، وحدث في المانيا النازية، وليس هذا نتيجة لتعصب هذه الجماعات المتصارعة مع اليهود بقدر ما هو نتيجة للفكر والثقافة اليهوديين اللذين لا يقبلان التعايش مع الاخر، ويعملان على التميز والاستعلاء واستغلال الآخرين. وتاريخ اليهود حافل بالصراعات، مع الرومان والبابليين والمسيحيين في اوروبا، وفي الجزيرة العربية عند ظهور الاسلام عندما حاولوا احتواء الدعوة الجديدة واخضاعها لسيطرتهم الاقتصادية تمهيدا للسيطرة عليها سياسيا ثم عسكريا.
فهل يؤمن المفاوض العربي اليوم بان التاريخ لن يعيد نفسه، وان الصراع الثقافي العربي ـ الصهيوني قد اصبح في حكم المنتهي ؟ وهل اصبحت الطريق سالكة امام قيام سلام آمن وعادل لشعوب المنطقة العربية رغم ان في قلبها دولة تؤمن بالتفوق ويحكمها فكر توراتي عنصري يملك اليوم من التفوق العسكري ما يملؤه مزيدا من الغرور والاستعلاء على العرب والمسلمين؟
لا تنازل ولا تغيير
ان مسيرة الدولة العبرية، وكل مراحل التفاوض مع العرب (السرية منها والعلنية) تؤكد ان "اسرائيل" ليس لديها ادنى استعداد لاي تنازل او تغيير في فكرها الديني او الثقافي، للوصول الى مستوى من التعايش والتصالح مع ثقافات شعوب المنطقة، فمهما تنازل العرب عن مساحات من الارض او عن انهر ومصادر للمياه او عن مواقع عسكرية استراتيجية، او حتى عن جزء من حريتهم السياسية في علاقاتهم العربية ـ العربية او العربية ـ الدولية، فسيبقى مطلوبا منهم التنازل عن الاصعب والاعمق اثرا وهو ما يمس صميم فكرهم الديني والثقافي، ومبادئهم التي قامت عليها كياناتهم السياسية والقومية، ويبدو ان بعض الجهات والمؤسسات هنا وهناك بدأت في تنفيذ بعض هذه التنازلات ولو بخفاء اعلامي كازالة بعض الشعارات والمصطلحات السياسية والثقافية من اجهزة الاعلام والمناهج الدراسية ارضاء لمطالب "اسرائيلية"، ولكنها لن تتمكن من مواصلة هذا التنازل الذي هو في النهاية من صميم ثقافة العرب والمسلمين واساس وجودهم التاريخي.
ان ذكرى مرور قيام دولة "اسرائيل" على ارض فلسطين في مايو عام 1948م تدعونا الى ان نتأنى قليلا في سيرنا نحو البحث عن السلام العاجل باي ثمن، والا نلغي التاريخ من حساباتنا، فلقد صمد العرب اكثر من خمسين عاما، وقدموا تضحيات وتضحيات، لكنها لم تكن بلا ثمن، فالصراع العربي ـ "الاسرائيلي" خلق حالة جديدة في المنطقة، حالة قابلة للتطور لمصلحة العرب، اذا ما حاولوا ان يمسكوا بخيوطها بايديهم ويستخدموا ما في التاريخ، تاريخ المنطقة والصراع، بعقل مفتوح وثقة بامكاناتهم البشرية والجغرافية ومصادر قوتهم الاقتصادية، فسيتمكنون في النهاية من الوصول الى نتائج ملموسة لمصلحتهم واستقرار اوطانهم والمنطقة باسرها في نهاية المطاق.