عناصر العملاء يحاولون ترميم الماضي بالاتصال مع المناطق المحررة

اجراءات العدو لمنع انهيار الميليشيا تصطدم بعقبات كبيرة

محمود ريا

 العهد  23-7-1999


"لحد ليس رجلا شابا، والذي يقلقه اليوم يفوق سلامته الشخصية ، انه الاسلوب الذي ينهي به سيرة حياته".

هذه الكلمات التي كتبها "غوفير شيلاح" في جريدة "معاريف" الصهيونية 4-6-1999 كانت اشبه بصورة واقعية لما حصل بعد ذلك بحوالي الشهر، حين انسحب "الجنرال" انطوان لحد الى الظل، محاولا ان يرخي على سنوات خيانته ستارا كثيفا من النسيان، حيث قرر "التقاعد" من قيادة الميليشيا العميلة مختارا منفى "اختياريا" في فرنسا حيث يتوقع ان يقضي بضع سنوات "بهدوء" قبل ان يوافيه الاجل.

لم يتوافر لكبير العملاء "اسلوب ينهي به سيرة حياته" يحمل صورة اكثر اشراقا، لقد عاش عميلا، ولفظ عميلا، وسيبقى كذلك - رغم تقاعده - ليموت وسيف العدالة معلق فوق رأسه وهو المحكوم بالاعدام بسبب خيانته.

الا ان هذا الفشل الذي سيسجل في سيرة حياة لحد ليس يتيما، فهناك فشل اخر اكثر مرارة واكبر اثرا، انه فشله في ترك الميليشيا التي خدم العدو من خلال قيادتها على مدى السنوات الماضية موجودة على ارض الواقع، اذ انه "كقائد عسكري" لم يسلم خلفه المسؤولية التي تسلمها، وانما ترك "جنوده" كقطيع من الخنازير بلا رأس يقوده، في وقت يعاني فيه من التفكك الكامل والانهيار الذي بات وشيكا.

لم يعد الحديث عن هذا الانهيار يدخل في باب التحليل والتكهن وانما اصبح حقيقة واقعة، تدخلها "المعلومات الواردة" من المنطقة المحتلة في باب اليقين.

و"المعلومات الواردة ليست دائما تلك التي ينقلها الاهالي الذين يتنقلون بين المنطقتين المحتلة والمحررة، وانما هي ايضا تلك التي ينقلها عناصر الميليشيا انفسهم، سواء اولئك الذين يفرون الى المنطقة المحررة، او الذين يحضرون انفسهم للقيام بهذه الخطوة، فيجرون الاتصالات "بالجهات المعنية" كي يؤمنون لانفسهم بعض الرأفة مقابل تركهم العمالة للعدو قبل ان يتركهم العدو لمصيرهم، كما فعل مع "زملائهم" في جزين الذين لم يبادروا الى الهرب وترك العمالة، فوجدوا انفسهم يحاكمون - دون اسباب تخفيفية - امام المحكمة العسكرية.

ويبدو ان هذه "المعلومات" اصبحت من التواتر بحيث باتت تشكل "نزفا خطيرا" في معنويات ضباط وعناصر الميليشيا العميلة الذين اخذوا ينظرون الى بعضهم البعض بعين الريبة والشك،  الكل يتهم الاخر بتسريب المعلومات، والكل يبدي استعداده لان يكون اول من يسربها.

هذا الجو المفعم بالفزع لم يأت من فراغ، انه الترجمة العملية للحرب القاسية التي شنها مجاهدو المقاومة الاسلامية ضد ميليشيا العملاء على مدى السنوات الماضية، والتي جعلت من هذه الميليشيا مجرد هياكل خاوية لا تقوى على حماية عناصرها، وهي التي كان مطلوبا منها ان تحمي جيش الاحتلال من خلال الوقوف كأكياس رمل تتلقى عنه الضربات.

بعد اكثر من 410 قتلى وحوالي 1320 جريحا سقطوا في صفوف الميليشيا العميلة على مدى السنوات الماضية (حسب الاحصاءات الصهيونية التي نقلتها صحيفة السفير عن مقال للكاتب الصهيوني زئيف شيف في صحيفة هآرتس) تجد هذه الميليشيا انها مجرد "فخارية صغيرة على الارض، اذا ارادها حزب الله فيأخذها" كما يقول عوفير شلاح في "معاريف" 4-6، مضيفا "لقد ابلغنا ("الاسرائيليون") لحد ان قواته في نظرنا تشكل نباتا بريا من الصعب السيطرة عليه، ولا شيء سوى المشاكل وراءه".

هكذا ، لا يعود مفاجئا الحديث عن اقتراب النهاية الحقيقية لهذه الميليشيا العميلة، ويصبح طبيعيا الحديث عن حالات الفرار من صفوفها التي تعدت العشرات، ومعها حالات الاستقالة من صفوف الميليشيا، عسى ان تكون هذه الاستقالة "ورقة التوت" الاخيرة التي يمكن ان يتلطى وراءها هؤلاء المستقيلون.

ولكن حتى هذه الاستقالة لا يجعلها الصهاينة مجانية وسهلة، بل هي صارت طوقا جديدا يلتف على رقاب عناصر العملاء، بعد ان اخذ ضباط العدو يبتزون الذين يرغبون بالاستقالة مطالبين اياهم بدفع مبلغ خمسة آلاف دولار اميركي للحصول على الموافقة على طلب التسريح.

ولعل خطوة الابتزاز هذه تحمل هدفا اخر، هو محاولة منع انهيار "الجدار بشكل فجائي وفوري" وانما نزع حجارته واحدا تلو الاخر وبهدوء ، لان الانهيار السريع سيكون دويه قويا، وسيعمي بغباره عيون العدو الذي سيصبح مكشوفا فجأة ومن دون أي قدرة على الحماية.

من اجل هذه ظهرت الى العلن الخطط التي تحاول تأجيل الانهيار الكامل للميليشيا، والتي كشف عنها مصدر عسكري صهيوني، وهي تتضمن تحسين اجور عناصر الميليشيا وزيادة ميزانية ما يسمى "المساعدة المدنية" لسكان المنطقة المحتلة الى 12 مليون دولار بعد ان كانت ثمانية ملايين فقط.

وترافقت هذه الخطوة مع خطوة اخرى على مستوى اعادة "تركيب" الميليشيا العميلة وفق مخطط يضمن حضورا صهيونيا مباشرا او حاسما في قيادات الكتائب التي تتألف منها الميليشيا بعد الغاء الالوية التي كانت يقودها كبار الضباط في الميليشيا.

غير ان هذه الخطوات التي تهدف الى تحقيق "انهيار مبرمج " لا ينعكس بشكل كارثي على جيش العدو ، وبالتالي على الكيان الصهيوني بشكل عام ، تصطدم بعقبات كثيرة اهمها:

اولا: تواصل الضربات الناجحة التي توجهها المقاومة الاسلامية للميليشيا العميلة والتي اسفرت عن مقتل واصابة العديد من العملاء، بينهم بعض العناصر التي تحمل مسؤوليات كبيرة.

ثانيا: الصراع الذي يسود بين كبار الضباط في الميليشيا حول اقتسام المسؤوليات بعد فرار العميل لحد وتركه هذه الميليشيا من دون قيادة فعلية.

ثالثا: رفض العناصر العميلة الوعود الصهيونية المغرية خوفا من السقوط قتلى على ايدي مجاهدي المقاومة الاسلامية قبل ان تتحقق هذه الوعود.

رابعا: خوف هذه العناصر من المصير الاسود الذي ينتظرها مع تكاثر الحديث عن الانسحاب الصهيوني من لبنان خلال عام، ما يؤدي الى محاولة تصحيح اوضاعها عبر التعامل مع "الجهات المعنية" في المناطق المحررة.

لهذه الاسباب، ولغيرها، تبدوا مهمة العدو شاقة، فهو لن يستطيع ان يحقق خلال اشهر ما عجز عن تحقيقه خلال سنوات، وهو  لن يفعل اكثر مما قاله عوفير شيلاح في صحيفة "معاريف":

"الجيش "الاسرائيلي" سوف ينسحب من لبنان خلال عام او اكثر، باتفاقية او بدونها، وسيكون الانسحاب تماما كما انسحبت قوات لحد من جزين، الرأس في الارض ، والذيل بين الرجلين، وذلك بعد ان حققنا كل الخسارات المحتلمة".