أ.د.
محمد خليفة حسن
استاذ الدراسات اليهودية/ كلية الاداب جامعة
القاهرة.
مقدمة:
اتسم
تاريخ فلسطين القديم بضعف الوجود اليهودي
فيها بسبب ازمات التاريخ اليهودي السياسية
والاقتصادية واحداث السبي والنفي، وظهور
المسيحية والاسلام، وتحول اعداد كبيرة من
اليهود الى هاتين الديانتين وتاريخ القدس
القديم هو جزء لا يتجزأ من تاريخ فلسطين
القديم، وقد مر تاريخ القدس بنفس الظروف
التاريخية والاحداث والازمات التي مر بها
التاريخ اليهودي، الامر الذي نتج عنه ضعف
الوجود اليهودي في القدس. وفي ذلك السياق فان
مدينة القدس مدينة عربية قديمة انشأها العرب
الكنعانيون، واطلقوا عليه اسم يبوس نسبة الى
اليبوسيين، وهم من الكنعانيين اجداد
الفلسطينيين الذين سكنوا ارض كنعان (فلسطين)
ويعود تاريخ الكنعانيين الى الالف الثالث قبل
الميلاد، وهم الذين سماهم اليونان
بالفينيقيين، ويعودون باصولهم الى شبه
الجزيرة العربية، ويمثلون واحدة او اكثر من
موجات الهجرة من شبه الجزيرة العربية الى
الساحل السوري ومناطق الوديان الاخرى في
الشرق الادنى القديم وهذا الموضوع يؤكد عروبة
القدس حتى من خلال التوراة.
من
اهم ادلة عروبة القدس ان كل الاسماء التي سميت
بها المدينة عبر تاريخها القديم اسماء عربية
خالصة.
ويلاحظ
ان مدينة القدس ليس لها اسم عبري او يهودي،
ونسبتها اسفار العهد القديم الى داود (عليه
السلام) فلقبتها بـ
"مدينة داود".
والاسم
يبوس هو اقدم الاسماء التي اطلقت على القدس،
وهو نسبة الى اليبوسيين سكان اورشليم
الاصليين، وهم احدى القبائل الكنعانيين
العربية هاجرت من شبه الجزيرة العربية وسكنت
اورشليم وما حولها.
وقد
ورد الاسم يبوس في الكتابات الهيروغليفية
المصرية في صيغة "يابثى" و"يابتى"
وهو تحريف واضح للاسم يبوس الكنعاني، وقد ورد
ذكر الاسم يبوس في التوراة
على انها اورشليم، وقد ورد ذكر اليبوسي في
التوراة على انه من ولد كنعان (سفر التكوين: 10ـ15ـ19).
وقد
ورد ذكر يبوس على انها اورشليم وعلى انها في
نفس الوقت مدينة غير اسرائيلية، وفي هذا تقول
التوراة: "فلم يرد الرجل ان يبيت، بل قام
وذهب الى مقابل يبوس هي اورشليم، وفيما هم عند
يبوس والنهار قد انحدر جدا قال الغلام لسيده:
تعال نميل الى مدينة اليبوسيين هذه ونبيت
فيها، فقال له سيده: لا نميل الى مدينة غريبة
حيث ليس احد من بني اسرائيل منها" (سفر
القضاة: 19: 10-12).
وهذا
وصف صريح بان المدينة ليست اسرائيلية ومدينة
غريبة ولا يوجد اسرائيلي بها.
وكان
لليبوسيين قلعة حصينة على الرابية الجنوبية
الشرقية من يبوس (اورشليم) اطلقوا عليها اسم
صهيون وسميت "حصن صهيون".
وفي
عهد المسيح (عليه السلام) عرفت بـ "جبل
صهيون" والاسم صهيون ايضا اسم كنعاني لهذا
الحصن، وليس اسما عبريا او اسرائيليا.
والاسم
اورشليم اسم كنعاني عربي، وقد ورد هذا الاسم
في المصادر الفرعونية القديمة، ويعود اقدم
اثر يحمل اسم مدينة اوروساليم الى الفترة ما
بين 2000 ـ 1900 قبل الميلاد، ويظهر الاسم مرة
اخرى في رسائل تل العمارنة التي تعود الى عام
1350 ق.م، حيث ورد اسم ملك اورشاليم عبد خيبا
الذي وجه هذه الرسائل الى فرعون مصر امنوحتب
الرابع المشهور باسم اخناتون الداعي الى
التوحيد، والذي حكم من 1375-1358 ق.م، وفي هذه
الرسائل يطلب ملك اورشاليم المساعدة من فرعون
مصر في صد هجمات الخبيرو.
ويقول
النص في جزء منه: "ان هذه الارض، ارض
اوروساليم لم يعطني اياها ابي ولا امي، ولكن
ايدي الملك القوية هي التي ثبتتني في دار
ابائي واجدادي، ولم اكن اميرا، بل جنديا
للملك وراعيا تابعا للملك، منحت ملكية الارض
اوروساليم الى الملك الى الابد، ولا يمكن ان
يتركها للاعداء".
ويعود
اقدم ذكر لاورشاليم في التوراة الى عهد
ابراهيم (عليه السلام) في بداية الالف الثاني
قبل الميلاد حيث يذكر النص التوراتي اسم ملكي
صادق ملك "ساليم" الذي كان في استقبال
ابراهيم (عليه السلام) حيث يبارك ملكي صادق
ابراهيم (عليه السلام).
وفي
هذا يقول النص: "فخرج ملك سدوم لاستقباله (ابراهيم)
بعد رجوعه.. وملكي صادق ملك ساليم اخرج خبزا
وخمرا، وكان كاهنا لله العلي وباركه وقال
مبارك ابراهيم من الله العلي مالك السماوات
والارض ومبارك الله العلي الذي اسلم اعداءك
في يدك" (سفر التكوين: 14: 18-19).
وهناك
اتفاق بين العلماء على ان الجزء ساليم او
شاليم هو اسم اله كنعاني قديم معناه السلام او
السلامة أي اله السلام او اله السلامة، وان
اورشليم كانت مكرسة لعبادة اله السلام، اما
الجزء الاول من التسمية اورشليم وهو "اور"
فقد ترجم بمعنى "مدينة" او "مكان"
فتصبح اورشليم بمعنى "مدينة السلام" او
مكان عبادة اله السلام.
ويعطي
كتاب العهد القديم ادلة على ان اليبوسيين هم
سكان اورشليم الاصوليون، وقد ظلوا يسكنون
المدينة حتى عصر داود (عليه السلام) حيث لم
يتمكن الاسرائيليون من طرد اليبوسيين من
اورشليم.
وتثبت
نصوص العهد القديم ان اورشليم مدينة كنعانية
سابقة على ظهور العبريين في التاريخ، وان
ملكها العربي الكنعاني ملكي صادق زمن ابراهيم
(عليه السلام) في القرن العشرين قبل الميلاد،
وان الاسرائيليين زمن يوشع تلميذ موسى (عليه
السلام) لم يتمكنوا من طرد اليبوسيين من
اورشليم فسكنوها معهم، وكان ذلك في القرن
الثالث عشر قبل الميلاد، وان المدينة حمت
الاسمين يبوس واروشليم معا، وقد عرفت التوراة
يبوس بانها اورشليم.
واحتفظت
المدينة باسمها اورشليم في عصر داود (عليه
السلام) ومع احتفاظها بالاسم اورشاليم تمت
نسبة حصنها الى داود (عليه السلام) فسمي الحصن
بمدينة داود، حيث لم يكن هناك مجال لاعطاء اسم
جديد "عبري" للمدينة.
ويؤكد
سفر حزقيل وهو سفر متأخر (القرن السادس قبل
الميلاد) على ان المدينة ليست اسرائيلية
فيقول حزقيل مخاطبا اورشليم: "ابوك عموري
وامك حثية" وذلك باعتبار ملوك اورشليم من
العموريين العرب حسب فهم كتاب العهد القديم.
وتشير
نصوص العهد القديم الى عدم قدرة القبائل
الاسرائيلية على القضاء على الكنعانيين،
ولذلك اضطروا الى الاندماج فيهم وعبادة
الهتهم: "وفعل بنو اسرائيل الشر في عيني
الرب وعبدوا البعليم وتركوا الرب اله آبائهم
الذي اخرجهم من ارض مصر وساروا وراء آلهة اخرى"
(القضاة2: 11-14،16-17).
وفي
نص آخر نقرأ: "فسكن بنو اسرائيل في وسط
الكنعانيين والحيثيين والعموريين..
واليبوسيين واتخذوا بناتهم لانفسهم ونسوا
الرب الههم وعبدوا البعليم والعشتاروت والهة
آرام.. وآلهة مؤاب.. والهة الفلسطينيين..
وتركوا الرب ولم يعبدوه" (سفر القضاة 5:3 –7،
6:10 –
7، 1:13).
تعرضت
اورشليم لنفس الاوضاع السياسية التي مرت بها
فلسطين بعد انقسام دولة داود وسليمان (عليهما
السلام) الى دولتين صغيرتين متصارعتين سياسيا
ودينيا، وقد سكن في الشمال الفلسطيني الى
جانب السكان الكنعانيين عشرة من اسباط بني
اسرائيل، بينما سكن في الجنوب الفلسطيني
سبطان فقط، وقد وقع الشمال تحت الحكم الاشوري
خلال القرن الثامن قبل الميلاد وحتى القرن
السادس قبل الميلاد فتخضع فلسطين كلها للحكم
البابلي. وقد قام البابليون بتهجير سكان
فلسطين من بني اسرائيل من فلسطين الى بلاد
النهرين واحرق البابليون اورشليم وسبوا
سكانها الى بابل، وهرب بقية السكان الى مصر.
وفي
هذا يقول العهد القديم: "فقام جميع بني
اسرائيل من الصغير الى الكبير الى مصر لانهم
خافوا من الكلدانيين"، وينتهي الامر الى
حدوث خراب اورشليم ورفض قداستها.
ان
اورشليم كما يتضح من العهد القديم لم تكن ابدا
مدينة مقدسة عند بني اسرائيل، فالمدينة
كنعانية، وفي عصر داود (عليه السلام) لم يتمكن
بنو اسرائيل من طرد السكان الكنعانيين واتخذ
داود (عليه السلام) حصن صهيون مدينة له او
مكانا له داخل اورشليم.
ولقد
زيف اللاهوت اليهودي المتأخر مكانة المدينة
وتحدث عنها على انها مدينة مقدسة عند بني
اسرائيل على الرغم من ان كل الادلة تشير الى
عكس ذلك، فالمدينة ظلت مدينة كنعانية خالصة
حتى عصر داود (ع) نفسه، وعندما حدث انقسام بني
اسرائيل بعد موت سليمان (ع) لم يضم جنوب فلسطين
الذي تقع به اورشليم سوى سبطين فقط من اسباط
بني اسرائيل بين سكانها من الكنعانيين،
والاسباط العشرة التي سكنت في الشمال مع
الكنعانيين اتخذت لنفسها مركزا سياسيا
ودينيا منافسا لاورشليم ورافضا ومحاربا لها..
ولم
تتمتع اورشليم باية
مكانة دينية او سياسية عند الشماليين، بل لقد
كانت اورشليم دائما موضع اللعنة والولايات
التي صبها عليها الانبياء الذين ظهروا في
الشمال، بل ان الجنوبيين انفسهم لم يقدسوا
المدينة ورفضوها، ويقع اللاهوت الاورشليمي
في التناقض الواضح حين يعتبر المدينة مقدسة،
ويعلن في نفس الوقت رفض الرب لاورشليم: "وارفض
هذه المدينة التي اخترتها اورشليم وارفض
البيت الذي قلت يكون اسمي فيه". (سفر الملوك
الثاني 27:23، 26:25).
ومن
الادلة الاخرى على عدم قداسة اورشليم عند بني
اسرائيل انهم رفضوا العودة اليها بعد ان
انتهى السبي البابلي على يد الفرس الذين سمح
ملكهم قورش لمن يرغب من المسبيين بالعودة،
ولكنهم رفضوا حيث استقرت اوضاعهم في بلاد
النهرين ولو كانت المدينة مقدسة فعلا
لانتهزوا فرصة العودة اليها ولم يرفضوها.
وفي
العصر اليوناني تحولت اورشليم الى مدينة
يونانية غزتها الثقافة الهلينستية، وتم طرد
يهودها، ونصبت فيها الالهة اليونانية واقيمت
فيها المعابد للالهة اليونانية، وبخاصة
الاله زيوس اوليمبيوس.
وفي
العصر الروماني استمر وضع المدينة على ما هو
عليه خلال العصر اليوناني مع ادخال الديانة
الرومانية وبناء المعابد للالهة الرومانية،
وقد تم طرد السكان اليهود تماما من اورشليم
وتحولت على يد الرومان الى ثكنة عسكرية للجيش
الروماني، وتحولت اورشليم الى مدينة رومانية
مليئة بمعابد الالهة اليونانية والرومانية،
وفي عام 70م تحولت اورشليم الى مستعمرة
رومانية وتم تغيير اسمها الى
ايلياكابيتولينا.
وفي
عام 324م تقع فلسطين تحت حكم الامبراطور
قسطنطين الذي تحول الى المسيحية، وتصبح
المدينة مدينة مسيحية ويتم تجديد القرار
الروماني بعدم السماح لليهود بدخول المدينة
او الحياة فيها.
وفي
القرن السابع الميلادي يظهر الاسلام في شبه
الجزيرة العربية، ويتم فتح فلسطين اسلاميا،
ويدخل معظم سكانها من المسيحيين واليهود في
الاسلام، وتصبح مدينة عربية اسلامية،
وتستعيد القدس عروبتها من جديد كاملة، ويعامل
الاسلام اليهود معاملة كريمة متسامحة.
ولاول
مرة منذ القرن الثامن قبل الميلاد يسمح
لليهود بالحياة في القدس، وبممارسة دينهم
وشعائرهم فيها، وفي ظل الحماية الدينية
والسياسية الاسلامية، فقد طردهم ونفاهم منها
الاشوريون والبابليون واليونان والرومان،
والاباطرة الرومان المسيحيون بداية من
قسطنطين الى ان فتحها المسلمون، وسمح لهم
الخليفة عمر بن الخطاب بالحياة فيها، واحترم
الاسلام اماكن عبادتهم، وسمح لهم بأداء
شعائرهم فيها بعد ان حرموا من ذلك لاكثر من
خمسة عشر قرنا من الزمان.