عملية التسوية في فكر "نتنياهو" وسياسته
د. شفيق المصري
(أستاذ جامعي في القانون الدولي والعلاقات الدولية)
النهار - بيروت (4 تموز 1998)
يتساءل الكثيرون عن خلفيات تعثر عملية التسوية الشرق الأوسطية في عهـد رئيـس الوزراء ''الإسرائيلي'' "بنيامين نتنياهو".
والواقع أن "نتنياهو" يتحرك في تعاطيه مع عملية التسوية على قاعدة من شقين: شق فكري وشق سياسي.
في الشق الفكري، يعتبر "نتنياهو" أن العرب الذين يوافقون على "السلام" مع ''إسرائيل'' اليوم سيرفضون "السلام" غداً، ذلك أن موافقتهم في هذه المرحلة متأتية من ضعفهم.
ويؤمن "نتنياهو" بأن "السلام" مع العرب لا يقوم إلا بالردع، مثلما تعاطى الغرب مـع الأنظمة الشيوعية الديكتاتورية، والعرب بنظره ديكتاتوريون، ولا يمكن إقامة "سلام" مـع الديكتاتوريـين إلا بالردع.
وفي الشق السياسي، كان طرح "نتنياهو" بأنه لا يعترف بـ"اتفاق أوسلو" مع الفلسطينيين، وقال مراراً إنهم لا ينوون الإنسحاب من الجولان، قال ذلك قبل وصوله الى رئاسة الوزراء وبعـده. ويعتقد "نتنياهو" أيضاً أن تفوّق ''إسرائيل'' العسكري والنووي، وحياد الموقف الأوروبي، والدعـم الأميركي لـ''إسرائيل''، كفيل بإقامة "سلام" في الشرق الأوسط، من دون أن تتنازل ''إسرائيل'' عن الأراضي التي احتلتها.
فكر "نتنياهو":
يبني "نتنياهو" لنفسه عدداً من الفرضيات التعسفية، ويرفض التخلي عنها رغـم تغـير الظروف والمواقع. ومن هذه الفرضيات - المقدمات التي ينطلق منها:
* إن الصراع العربي - ''الإسرائيلـي'' يتعـدى المسألـة الفلسطينيـة ومسألـة الإنسحـاب ''الإسرائيلي'' من الأراضي المحتلة، فالعرب يرفضون وجود ''إسرائيل'' بالذات. وإذا كانوا يقبلون به اليوم فلأنهم مهزومون سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
* وعلى هذا الأساس فإن السلام الذي يجب، برأيه، أن يسود هو "السلام الرادع" أي السلام الذي تفرضه القوة (تماماً كما سبق للغرب أن مارس سلامه الرادع مع الأنظمة الشيوعية). وإذا كان الغرب عاجزاً اليوم، لأسباب إقتصادية، أن يفرض هذا السلام، فلا أقل من أن يدعم ''إسرائيل'' لكي تمارسه على العرب.
* وعلى هذا الأساس، أيضاً، فإن حكومة ''إسرائيل'' العمالية إرتكبت خطأ مفهومياً بالنسبة الى السلام. ولتصويب هذا الخطأ لا بد من اعتماد القوة أسلوباً لتوفير الأمن. والقوة، اليوم، لا تقتصر على القدرة العسكرية وحدها، وإنما تتمثل بعدد وفير من الأدوات الضامنة مثل التفوق النوعي ''الإسرائيلي''، والشركة الإستراتيجية الأميركية - ''الإسرائيلية'' وجعل ''إسرائيل'' مستثناة، وحدها، في منطقة الشرق الأوسط الخالية من السلاح النووي، وإدخال ''إسرائيل'' في نظـام شبكـة الدفاع الإستراتيجي الأميركي للأقمار الإصطناعية، وإدخالها أيضاً في دوائر الأمن: الخليجية والمتوسطي والبحر الأحمر.
* أما على الصعيد الداخلي، فإن القوة التي يقصدها "نتنياهو" تستند الى وجوب الإسراع في تنفيذ السياسة الإستيطانية. وهذه السياسة تلبي الحاجة ''الإسرائيلية'' التاريخية، وتؤدي الى تحصـين القدس كعاصمة لـ''إسرائيل''، كما تلبي الحاجة الديموغرافية ، وهي ضرورة توطين خمسمائة ألف يهـودي فـي فلسطين مع حلول السنة 2000. وتهدف هذه السياسة الإستيطانية الى تضييق المساحة الجغرافية على الفلسطينيين بحيث تلغي عملياً قرار العودة.
* أما بالنسبة الى المفاوضات ''الإسرائيلية'' - السورية، فإن "نتنياهو" يعتبر أن للجولان أهمية مزدوجة: فهو يشكّل العمق الإستراتيجي لـ''إسرائيل''، كما أن ثلث حاجة ''إسرائيل'' المائية تأتي من مياهه. لذلك، صرح "نتنياهو" في زيارته الأولى الى واشنطن كرئيس للوزراء: "إن على الولايات المتحدة أن توضح للرئيس حافظ الأسد أن عليه التفكير في خيارات أخرى. ذلك أن خيار الإنسحـاب من الجولان ليس وارداً في نظري". ويطرح "نتنياهو"، من جملة هذه "الخيارات" مشروع "لبنان أولاً" ومن ثم مشروع الإنسحاب وفقاً لأحكام القرار 425. وهو في الحالين يضع الشروط المسبّقة نفسها التي انطلق منها منذ تسلّمه الحكم. ويؤكد أن لا انسحاب من دون تنفيذ هذه الشروط. ويبدو أن الموضوع اللبناني برمته أعيد وضعه في السلطة التفاوضية الشرق الأوسطية، وذلك من جانب الأميركيين أنفسهم.
وهكذا يصبح "السلام" إنعكاساً لصمود الأمن ''الإسرائيلي'' نفسه. ويلخص "نتنياهو" نظرته الى الشرق الأوسط فيقول: "إنه رمال متحركة لا تصح فيها الإتفاقات الثنائية السلمية، ولا يجـوز فيهـا التنازل، وإنما الكل يخوض معركة الوجود والتصدي".
* وكان "نتنياهو" صرح أن لديه، منذ العام 1994، خطة جاهزة وخريطـة محـددة للتسويـة النهائية. والنقاط الرئيسية لهذه الخطة: إن الإنسحاب ''الإسرائيلي'' من الأراضي لـن يتعدى 45 الى 50 في المئة، على أن تحتفظ ''إسرائيل'' بوادي الأردن وبمجموعة مستوطنات إستراتيجيـة وبالقـدس الكبرى. أما مدينة القدس فيجب أن تبقى موحدة وخاضعة للعَلَم ''الإسرائيلي'' وحده حتى إذا أعطي للفلسطينيين إمكان الإشراف الديني على بعض الأماكن المقدسة.
والواقع أن الوثيقة المشتركة التي وقّعها العمل والليكود في أوائل العام 1998 أكدت معظم هذه النقاط.
والواقع أيضاً أن هذه الخطة لم تغب عن تصريحات "نتنياهو" ولم تتعدل في سياستـه علـى رغم المحاولات المختلفة للتعديل أو للتبديل.
ولا تزال الإدارة الأميركية تطالب بضبط النفس، ومنح الفرص والإنتظار، لعـل النيـات تتغير والمواقف تتبدل من دون أن تبذل أي جهد لهذا التعديل أو التبديل. أو من دون أن تستطيع ذلك بسبب ضغوط الكونغرس لمصلحة ''إسرائيل''.
سياسة "نتنياهو":
1- أعلن "نتنياهو"، منذ ربيع 1996، أنه يرفض "اتفاق أوسلو" ولكنه مضطر الى التعامل مع نتائجه. وبهذا المعنى يعتبر أن ما حصلت عليه السلطة الفلسطينية يجب أن يشكّل نهاية التنازلات ''الإسرائيلية'' وليس بدايتها.
وصرح "نتنياهو" في 20/12/1996: "إن على كل عاقل أن يفهم أننا إذا وافقنا على أن الأقلية القومية الفلسطينية، في يهودا والسامرة، لها الحق في تقرير المصير، فإن.. هذا الأمر لن تكون له نهاية، وسيقتطع منا المزيد فالمزيد من أرض ''إسرائيل'' نفسها". وبذلك، فإنه يرفض "الإندماجية" التي فكر بها حزب العمل، ويطالب بـ"تقسيم الوظائف" بحيث يمكن للفلسطينيين من "إدارة شؤونهم الذاتية وأن نقوم نحن بحماية أمننا". ما يعني إطلاق صلاحية الجيش ''الإسرائيلي''، والإحتفاظ بالسيادة الفعلية على غور الأردن والجبال المرتفعة. وما يعني أيضاً ربط المستوطنات بطرق إلتفافية محمية.
واليوم، بعد مرور نحو عام ونصف العام على هذه التصريحات، تشـير الأخبـار الصـادرة فـي 20/5/1998 الى أن ''إسرائيل'' "تنوي طلب مساعدة خاصة قيمتها مليار دولار من الولايات المتحدة.. لتمويل بناء طرق جديدة تربط المستوطنات اليهودية، وتلتف حول القرى الفلسطينية، الى بناء بعض الجسور".
2- وانطلاقاً من أولوية الأمن ''الإسرائيلي'' قبل السلام، ولعلها من دون السلام أيضاً فإن "نتنياهو" يعتقد أن:
* ''إسرائيل'' الآمنة المستقرة تستطيع وحدها أن تكون عامل جذب للإستثمار الأجنبي.
* أن إمكانات ''إسرائيل'' التكنولوجية الهائلة تجعلها القوة المحورية، وتسمح لها بالولوج الى الإقتصاد العالمي من دون اللجوء الى "الشرق الأوسطية". وهذه الإمكانات كلها قابلة للتفعيل إذا نجحت ''إسرائيل'' في ضبط الأمن وفرض السلام الرادع. وبذلك، نجح "نتنياهو" في اختصار جميع البنود التفاوضية مع العرب في بند واحد فقط هو الأمن. ونجح أيضاً في إغفال البنود الأخرى قصـداً لكي يتحاشى أحكام القانون الدولي من جهة، ويحرج المفاوضين العرب من جهة ثانية، والوسطاء (الأميركيين ثم الأوروبيين) من جهة ثالثة.
3- وهو من أجل استكمال سياسته الإستيطانية والأمنية كان، ولا يزال، يراهن على عدد من العوامل والأدوات منها:
أ) الرهان على الوقت: وهو عامل أساسي في سياسة "نتنياهو". ذلك أنه، كما يصرح دائماً، في حاجة الى ما تبقّى من الوقت لإنجاز سياسته الإستيطانية، ومن ثم فرضها أمـراً واقعـاً مـع استئنـاف المفاوضات. وهو يسعى الى تأجيل هذه المفاوضات حتى ربيع العام 1999، إن لم يستطع فرضها الآن من دون انسحابات على المسار الفلسطيني، ومن دون استئنافها حيث توقفت في شباط 1996 على المسارين اللبناني والسوري.
وقد عُرِف عن "نتنياهو" قوله: "نحن نعيش في الشرق الأوسط في عصر الأسوار الحديد، التي تشتري لنا الوقت". وعندما سئل عن الفائدة التي جناها بعد تأخير التوقيع على "اتفاق الخليل" لمدة سنة قال: "ربحنا الوقت الكافي لاستكمال مخططنا". فهو يدرك أنه لا بد من المفاوضات. وهو، تالياً، يفضّل أن تنعقد هذه المفاوضات، وتسفر عن نتيجة قبل انتهاء ولايته. ولكن يسعى، في المقابل، الى كسب الوقت اللازم لغرضين قبل الجلوس الجدي الى طاولة المفاوضات:
- إستكمال المشاريع الإستيطانية التي تعهدها (خمسمائة ألف مستوطن مع السنة 2000)، ومد الطرق الإلتفافية والجسور، التي تضمن حصار المناطق الفلسطينية، وتحوّلها جزراً متباعدة يصعب توحيدها، كما يصعب الإتصال بينها من دون مراقبة ''إسرائيلية'' محكمة.
- حمل الفريق الآخر على المزيد من التنازل. وقد لاحظنا ذلك جلياً في مباحثات لندن الأخيرة، حيث هبط سقف المطالب الفلسطينية من 30 في المائة من الأراضي المطلوب الإنسحاب منها الى 13.1 في المائة، بناءاً للوساطة الأميركية. ولا يزال "نتنياهو" يدفع المفاوض الفلسطيني الى تخفيض سقفه من دون أن يلتزم هو، بازائه، بأي التزام واضح وأكيد.
ب) الرهان على الأشخاص: حيث يدرك "نتنياهو"، من خلال خبرته الديبلوماسية السابقـة فـي الولايات المتحدة ومن خلال وجود فريق مؤيد له في الإدارة والكونغرس، أن الولايات المتحدة لن تستطيع أن تضغط عليه. وقد لمسنا ذلك فعلاً في إصرار الكونغرس على توجيه توصية الى الرئيس الأميركي بعدم ممارسة أي ضغط على ''إسرائيل'' في سياق الإنسحابات والتنازلات الأمنية.
أما على الصعيد الأوروبي، فإن "نتنياهو" يضمن تحييد أي جهد أوروبي ضاغط، لأنه يعرف سلفاً أن الولايات المتحدة حريصة على مصالحها الشرق الأوسطية، ولذلك ترفض أي "تسلل" أوروبي سياسي أو إقتصادي الى المنطقة.
ج) السياسة التبادلية: وهي السياسة التي يتشبث بها "نتنياهو"، وينتقد حكومة حزب العمل لأنها لم تعتمدها. والتبادلية في رأيه، هي أن ''إسرائيل'' غير مستعدة على العطاء إن لم تأخذ في المقابل. وهكذا، فإن أي انسحاب من الأراضي يجب أن يكون مكافأة لإنجاز عربي ما، وليس وفاءاً بشرط مطلوب. والغريب في هذه "التبادلية" التي تغيّب القانون الدولي، وتلغي أحكامه، لأنها تجعل الإحتلال ''الإسرائيلي'' حقاً مكتسباً.. الغريب فيها أن الإدارة الأميركية وبعض الأوروبيين يقبلون بها. وقد بدأ "نتنياهو" باعتمادها على أساس "الأخذ والعطاء"، ثم استغل القبول الأميركي بها ففرض، في سياقهـا، "الأخذ ثم العطاء".
يَشترط على الفلسطينيين: حفظ الأمن، ثم البحث بالإنسحاب. وعلى اللبنانيين حفظ سلامة ''شمال إسرائيل'' ثم الإنسحاب. وقد يُطْلق غداً أو بعد غد قاعدة "الأخذ من دون العطاء". وهذا ما هو حاصل فعلياً اليوم.