محاربو "اسرائيل" من الارهاب الى الدولة
عمانويل رايتي
ترجمة فوزي عبدالهادي
عرض فايز سارة ـ صحافي وكاتب سوري
مقدمة
تنتصب "اسرائيل" اليوم نموذجا للقوة والعنف والجبروت في الشرق الاوسط. ولا نبالغ اذا اشرنا الى ان نموذجها في القوة له صدى يتجاوز المنطقة الى انحاء اخرى من قارات العالم. ولعل الاهم من مشهد القوة "الاسرائيلية"، هو النظر في خلفية المشهد لنرى من الذين صنعوا هذه الصورة "الاسرائيلية"، وجعلوها تحتل تلك المكانة في عالم القوة، هؤلاء الذين يطلق عليهم عمانويل رايتي اسم "محاربو "اسرائيل"".
محاربو "اسرائيل" هو عنوان كتاب الفه عمانويل رايتي متضمنا تحقيقاته حول الجماعات اليهودية المنظمة، بما فيها العصابات المسلحة التي تعود في تاريخها الى بدايات القرن، مترافقة مع صعود الايديولوجيا الصهيونية وتنظيماتها التي اتسعت رقعة انتشارها الجغرافي من شرق اوروبا لتشمل اضافة الى فلسطين، دولا في غرب اوروبا الى جانب الولايات المتحدة، وبعضا من الدول العربية التي كانت تضم بين سكانها بعضا من اليهود.
يتناول الكتاب مجموعة من الضغوطات التي تعالج، اضافة الى بعض القضايا النظرية المتصلة بايديولوجيا العنف الصهيونية، دراسات وتحقيقات حول حالات محددة لنشاطات الجماعات اليهودية المنظمة، وخصوصا المسلحة منها، ويفرد حيزا واسعا لنشاطات تلك الجماعات في فلسطين وفرنسا، وان كان لا يغفل الساحات والبلدان الاخرى التي كانت ميادين عمل للجماعات اليهودية التي كانت تسيطر عليها الصهيونية، وتحكم اجهزة الاستخبارات "الاسرائيلية" القبضة عليها.
بعد مقدمة مختصرة (ص11ـ 28) تمهد عبر جولة مكثفة لجوانب موضوع الكتاب، ينتقل المؤلف الى معالجة موضوعات كتابه. وهو اذ يقدم في اولاها "جابوتنسكي": اب لبيتار"، عرضا مكثفا لاساس العنف في الايديولوجيا الصهيونية، ثم النشاطات السياسية والتنظيمية التي تم القيام بها في سياق المشروع الاستعماري الاستيطاني في فلسطين، والذي كان من بين مؤيديه الرواد زيف جابوتنسيك، وهو من اوائل من نظم ودرب جماعات يهودية في اكثر من بلد، وكان الاهم في اعماله اقامة حركة "بيتار" التي كان بين من تربى فيها عشرات من متطرفي الحركات الصهيونية، من بينهم مناحيم بيغن رئيس الوزراء "الاسرائيلي" السابق.
وفي فصل آخر من موضوعات الكتاب، يتناول المؤلف العلاقات بين الصهاينة من "اتباع مبدأ عادة النظر والفاشية" وبعدها قدم تاليا (ص 100ـ 109) تفاصيل عن "التحالف السري بين مجموعة شتيرن والرايخ الثالث". وفي هذا يورد المؤلف مجموعات من الاسماء والتواريخ التي تؤكد ان العلاقة بين الصهيونية المنظمة والرايخ الالماني لم تقتصر على "مجموعة شتيرن" وانما شملت جماعات اخرى قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها.
ويعالج المؤلف (100ـ141) موضوع "الميليشيات المسلحة والمجموعات الارهابية في فلسطين" واهم نشاطاتها. وهي منظمات تأسست خلال الفترة الممتدة من بداية مشروع الاستيطان الى قيام دولة اليهود، وقامت بدمج تلك التنظيمات والميليشيات في اطارها، فجاء تشكيلها الاهم " جيش الدفاع "الاسرائيلي"" واصبح الابرز في قادة تلك الجماعات هم قادة "اسرائيل". وهو يضع قائمة ببعض تلك الاسماء، ومنها مناحيم بيغن وموشيه دايان وليفي اشكول وإسرائيل غاليلي وايغال يادين.
ويقوم المؤلف بنقلة نوعية في عمله، مقدما "رابطة الدفاع اليهودي" وبعضا من نشاطاتها في كل من الولايات المتحدة وفرنسا (ص 143ـ 180). ومن الطبيعي ان يبدأ حديثه في هذا الجانب عن الحاخام مئير كاهانا مؤسس الرابطة في الولايات المتحدة عام 1968. وهي جماعة ارتبط اسمها بعشرات الاعمال الارهابية ليس ضد اهداف وشخصيات عربية فحسب، وانما ضد اهداف وشخصيات متعددة الجنسيات، بكلمة اخرى ضد أي هدف او شخص لا يتماشى مع المصلحة الصهيونية المتطرفة. ويورد المؤلف قائمة بالعمليات التي قام بها اعضاء في "الرابطة" منذ تاسيسها، وحتى بعد مقتل مؤسسها الحاخام كاهانا الذي كان قد انتقل الى "اسرائيل" عام 1971 وانخرط في الحياة السياسية هنا، وصار عضوا في الكنيست ممثلا عن حركة "كاخ" وهي الموازي "الاسرائيلي" لـ "رابطة الدفاع اليهودي".
ان نشاطات مئير كاهانا في تاسيس الجماعات الارهابية المنظمة في الولايات المتحدة واسرائيل، ليست سوى جزء من نشاطات مماثلة قام بها حيث تتواجد جاليات يهودية في بلاد العالم: في كندا وافريقيا الجنوبية، لكن الاهم كان في بلدان غرب اوروبا، ومنها فرنسا التي يقدم المؤلف تفاصيل شديدة الدقة عن نشاطاتها هناك ضد اهداف وشخصيات مختلفة بادعاء الدفاع عن الجماعات اليهودية، وتمت تلك الاعمال تحت اسماء مختلفة للجماعات اليهودية المنظمة والمسلحة، والتي حازت على تغطية معينة من جانب السلطات الفرنسية، او انه جرى تجاهل اعمالها ونشاطاتها. ويورد المؤلف "مسلسل احداث العنف 1976ـ 1984" التي شهدتها فرنسا، واعلنت منظمات يهودية مسؤولياتها عنها (ص 249ـ 279).
ويتابع مؤلف الكتاب على مدى صفحات مطولة موضوع نشاط الجماعات اليهودية المنظمة في فرنسا، مبرزا اسمائها وطبيعة اهدافها وعلاقاتها، اضافة الى نشاطاتها المتعددة واسماء كادراتها، وما تركته ممارساتها في اوساط الراي العام والصحافة، اضافة الى ما تركته اعمال الجماعات داخل المؤسسات الرسمية الفرنسية، ولاسيما عند "البوليس" الفرنسي وامام الهيئات القضائية، مما تسبب ببعض الفضائح التي كانت تتوالى الجهود لتطويقها وردم آثارها المعلنة.
ومن بين الفضائح التي يكشفها الكتاب كون ثلاثون في المئة من يهود فرنسا يؤدون خدمة عسكرية الزامية في الجيش اللبناني. وثمة فضيحة اخرى هي وجود عدد من "الجمعيات التي تدعم الجيش "الاسرائيلي"" تمارس نشاطاتها علنا في فرنسا، من بينها "صندوق امن "اسرائيل"" المؤسس عام 1982، و "جمعية ترفيه "اسرائيل"" المعلنة عام 1992. وهذه جميعا لا تؤشر فحسب الى تساهل الحكومة الفرنسية ازاء النشاطات المؤيدة للصهيونية واسرائيل، بل هي تؤكد مدى قوة ونشاط الجماعات اليهودية المنظمة والمسلحة في فرنسا.
الكتاب بما فيه من معطيات، يتضمن معلومات اسمية ورقمية، ووثائق فيها صور وكتابات وتحقيقات ورسائل، ويشكل وثيقة دامغة تكشف بعمق الاساس النظري والتجسيدات العملية لفكرة الارهاب الصهيوني الذي مارسته وتمارسه الجماعات اليهودية المسلحة والذي تشارك فيه الدولة "الاسرائيلية" بمؤسساتها ومستوطنيها ضد غير اليهود ليس في فلسطين وحدها، بل ازاء غير اليهود في انحاء العالم المختلفة. والمهم في هذا الكتاب انه يمثل رؤية اوروبية ـ فرنسية لهؤلاء الذين اقاموا " دولة "اسرائيل"" وكذلك لاقرانهم الذين يشاركون في صناعة سياسة تلك الدولة، وفي تنفيذ تلك السياسية. وهو من كتب قلة انضمت الى رف المكتبة العربية، والتي عالجت هذا الموضوع بهذه الذهنية.