الانتفاضة في مرآة الاعلام الغربي

 

عقيل الشيخ حسين


يمكن القول بأن الفرق كبير جداً ـ في النظر الى الصراع العربي ـ “الاسرائيلي”، بين الطريقة التي تعامل بها الخطاب الاعلامي

الغربي والاوروبي تحديداً، مع الحروب العربية ـ “الاسرائيلية” السابقة لحرب 73، ومع العمل الفدائي الذي سبقها منذ أواسط الستينات واستمر بعدها حتى خروج الفلسطينيين من لبنان عام 1982، وبين الطريقة التي تعامل بها ذلك الخطاب مع الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية.

فمفردات "العدوان" و"العنف" و"التخريب" و"الارهاب" التي كان يعج بها ذلك الخطاب في تعامله مع الحالة الأولى، قد أفسحت المجال مع تفجر الانتفاضة الأولى لمفردات جديدة كالنضال ضد الاحتلال والدفاع عن النفس والارض والحقوق المشروعة ومنها حق تقرير المصير، وحتى لظهور أنماط من التعاطف والتأييد الواضحين، لا بل ان الكثير من وسائل الاعلام الغربية قد خصت الانتفاضة الأولى، والثانية بنسبة أقل، بتغطيات واسعة ومتحمسة أشاعت الانطباع بأن الغرب قد بدأ أخيراً بالنظر الى القضية الفلسطينية بعين التفهم القريب من التأييد. فالحقيقة ان الاعلام الغربي، بكل توجهاته، قد أسهب في وصف ما يتعرض له الفلسطينيون من أعمال الاضطهاد والتنكيل والقتل والتدمير والمصادرات، على يد قوات الاحتلال “الاسرائيلي”. كما خص ثورة الحجارة والمقاليع التي عادت الى الأذهان، رغم انقلاب المواقع، مقلاع الصبي داود الذي قتل به الجبار جالوت، بالكثير من التعاطف الذي كان يتم التعبير عنه أحياناً بلغة تفيض بالاعجاب وتكاد تبلغ حدود الشعر الوجداني أو حتى الملحمي. ولا تقلل من قيمة ذلك بعض التوجهات التي رأت فيها استمراراً لنهج "الرجم" التاريخي الذي تقول الاسطورة اليهودية بأنه طالما لاحق البؤساء اليهود في علاقاتهم مع الشعوب التي عاشوا بينها، مع التغاضي بالطبع عن الفارق الجسيم بين المرجومين العزل في بوغرومات روسيا او المستضعفين في مصر الفرعونية، وبين المرجومين المدججين بالاسلحة الفتاكة في شوارع القدس الشرقية وجنين ونابلس والخليل.. ومع استعادة هذا المنطق أيضاً من تسليط للاضواء على "طيبة" هؤلاء الجنود “الاسرائيليين” الذين كثيراً ما كانوا يفضلون استخدام رصاصهم المطاطي او حتى الهرب تحاشياً للحجارة وامتناعاً عن استخدام اسلحتهم الاوتوماتيكية.

ومهما يكن من أمر فإن "ثورة الحجارة" قد أفلحت، وهذا يجمع عليه الاعلام الغربي، في تحقيق ما لم تفلح في تحقيقه الجيوش العربية وتجربة العمل الفلسطيني المسلح. ويتمثل نجاحها في كسب الرأي العام العالمي وتثمير هذا الكسب في مصلحة منظمة التحرير التي كانت قد تراجعت، بعد عام 82، عن مطلب تحرير فلسطين لمصلحة مطلب ازالة آثار العدوان والموافقة على الحل السلمي انطلاقاً من قرارات الامم المتحدة الداعية الى الانسحاب “الاسرائيلي” الى حدود الرابع من حزيران 67، ما مهد لاتفاقيات اوسلو وإقامة سلطة الحكم الذاتي فوق جزء من الاراضي الفلسطينية المحتلة.

الى هذا الحد، يبدو قبول الاعلام الغربي بالانتفاضة واستمراره في تغطيتها بطريقة ايجابية مشروطاً بالتزامها بأهداف لا تتجاوز مطلب انسحاب الاحتلال بالشكل الذي تطالب به السلطة، وببقائها شكلاً من أشكال التحرك الشعبي الذي يقطع مع التحرك المسلح ويعتمد اساليب يقتصر فيها العنف على استخدام الحجارة او غيرها من الوسائل التي لا ترافقها ضربات من النوع الذي يلحق أضراراً جدية بالعناصر ذات الصلة بوجود "اسرائيل" من الأساس، أي تلك التي تترجم بخسائر بشرية ومادية كبيرة. والأكيد أيضاً ان القبول الغربي بأشكال التحرك الشعبي تلك هو الصدى الظاهر لقبول "اسرائيلي" ضمني بهذه الأشكال بمقدار ما توفر المواجهات اليومية وما يتم خلالها من مطادرات ومشادات شبيهة بالمشاجرات بين أبناء البيت الواحد مناخاً شبيهاً بمناخ الصدامات العادية التي تتم بين السكان وقوى الأمن التابعة للنظام الحاكم والذي يظل رغم قمعيته جزءاً من التركيبة الداخلية للبلد المعني. أما اعتماد هذا الشكل في المواجهة مع جيش محتل فإنه قد يؤدي الى كسر حاجز الرفض المطلق لمصلحة أشكال من المواجهة المفتوحة على المنزلق التطبيعي.

وإذا كانت الانتفاضة الأولى قد انتهت على شكل أضحية قدمت على مذبح أوسلو مع ما رافق ذلك من انتقال للصراع الى داخل البيت الفلسطيني طيلة الفترة الممتدة من العام 93 الى العام 2000، فإن الالتفاف “الاسرائيلي” على أوسلو وتدنيس المسجد الاقصى وما أعقب ذلك من تفجر الانتفاضة الثانية ووصول شارون الى الحكم بفضل موجة التشدد “الاسرائيلي” المعادي للعرب والرافض لتجميد الاستيطان ولتنفيذ البنود الخاصة بحق العودة، قد قوبل من قبل الاعلام الغربي بمواقف ايجابية موروثة عن المواقف من الانتفاضة الأولى. فإدانة الاحتلال والشجب الصريح لسياسات شارون والتشهير به وبماضيه الدموي وإبداء الاستعداد لمحاكمته كمجرم حرب، كل ذلك ركز عليه الاعلام الغربي بقدر تركيزه على معاناة الشعب الفلسطيني وعلى إطراء انتفاضته وأبطالها من "المراهقين وما قبل المراهقين" على حد تعبير إحدى الصحف الفرنسية، مع العلم ان الصحافة نفسها كانت لا تكف عن استفظاع قيام بعض الأنظمة بتجنيد المراهقين في جيوشها.

غير ان ذلك الإطراء والتأييد لم يكن يقترن بالادانة الواضحة للسياسات “الاسرائيلية” الا من خلال شارونية الاجراءات القمعية ما يعني ابقاء "اسرائيل" كدولة خارج دائرة الادانة. لا بل ان الاعلام الغربي كان واضحاً في التوفيق بين تأييده اللفظي للانتفاضة والتزامه العملي بدعم "اسرائيل" في وقت واحد. وقد تجلت مثل هذه المواقف حتى في التغطيات التي يشف ظاهرها عن المنحى الأول بينما تندرج في عمقها في خدمة المنحى الثاني، كما في الحرص اليومي على ايراد تقارير عن التأثيرات السلبية للانتفاضة على الاقتصاد “الاسرائيلي” وتصاعد ميل “الاسرائيليين” الى الهجرة وتنامي ظاهرة رفض الخدمة من قبل المجندين، ما يعتبر بوجه من الوجوه رسائل يقصد بها تنبيه الرأي العام الغربي ويهود الدياسبورا الى الخطر المحدق بـ"اسرائيل". حتى ان بعض الصور التي تظهر جندياً اسرائيلياً وهو يضطهد مجموعة من العرب في باحة المسجد الأقصى كانت تمرر، الى جانب الرسالة التي يفهم منها العربي موقفاً ايجابياً، رسالة أخرى ترضي النوازع السادية والاحساس الانتصاري لدى اليهود وشرائح واسعة من الغربيين المعبئين بمشاعر الكراهية تجاه العرب.

ومع تصاعد الانتفاضة وانتقالها في مواجهة التصعيد “الاسرائيلي”، الى العمل المسلح وأعمال التفجير والعمليات الاستشهادية التي ظل الاعلام الغربي مصراً على تسميتها بـ"الانتحارية" وعلى تسمية القائمين بها بـ"الكاميكاز"، بدأ هذا الاعلام بتغيير وجهته نحو المساواة بين القاتل والضحية من خلال التوجه بالادانة الى مجردات كالعنف والارهاب اللذين لا يميزان بين المدنيين والعسكريين وبين الاطفال والراشدين. وفي الوقت الذي أخذت فيه صور القتلى “الاسرائيليين” بعد عمليات القدس وتل ابيب تحتل الصفحات الأولى من الصحف الغربية، انحسرت مشاهد العنف الذي يتعرض له الفلسطينيون لتضيع في غياهب الصفحات الداخلية.

ومع بروز نشاط المنظمات الاسلامية كحماس والجهاد الاسلامي وما رافق ذلك من توجهات نحو الجذرية في طرح مشكلة الشعب الفلسطيني، بدأ الاعلام الغربي يكشف عن مواقف معادية بشكل واضح وعادت الى الظهور تلك المقولات التي تنحي باللائمة على المتطرفين من الجانبين وتضع الكيان “الاسرائيلي” والسلطة الفلسطينية في موقع الاعتدال ووحدة المنطلقات والاهداف والمصالح، وبأشكال غالباً ما تتجه نحو التحريض المباشر على الاسلاميين ومحاولة تقديمهم للرأي العام.. كمجانين حقيقيين. ومن الأمثلة على ذلك مقالة نموذجية نشرتها إحدى المجلات الفرنسية تحت عنوان "مات لكي يَقتُلَ" عن استشهادي خرج صباحاً وقصده الذهاب الى الجامعة، ولكنه عاد وفضل اقتحام موقع اسرائيلي بسيارته الملغومة. وقد بلغت تلك المقالة حد الايحاء بأن الاستشهاديين المدفوعين باليأس والقلق الناجمين عن استفحال البطالة وانسداد آفاق العمل، إنما يقدمون على القيام بعملياتهم بهدف تأمين المال لأسرهم.

كما بذلت المقالة عناية خاصة في وضع قائمة بالمبالغ المالية التي حصلت او ستحصل عليها اسرة ذلك الاستشهادي: 5 آلاف دولار من السلطة + 14 ألف دولار من ادارة الجامعة + 5300 دولار من حماس + 10000 دولار من صدام حسين..‍!

على ان اللافت في موضوع الجانب الانساني وتغطية وسائل الاعلام الغربية له، هو غياب تلك النفحة الانسانية التي طالما تزدهر بها هذه الوسائل من خلال مقارباتها الشخصية للعديد من حالات المعاناة لأفراد وجماعات مضطهدة ضمن مجتمعات متنوعة. إذ أصمّت المجلات الأجنبية أذنيها وأقفلت صفحاتها عن العديد من الاحداث الهامة.. ولم تسجّل سوى حالة واحدة فتحت فيها المجلات الأميركية صفحاتها لعرض قصة مؤثرة وهذه الحالة تتعلق بالطفل الشهيد محمد الدرة الذي اغتالته قوات العدو بدم بارد فيما كان يلوذ بأبيه اتقاءً لرصاص حقدهم. والجدير ذكره ان هذه الحادثة ربما لم تكن لتجد طريقها الى ان تفرض نفسها فرضاً على المجلات المسيّسة جداً لولا ان طارت وقائعها مباشرة عبر القنوات الفضائية في كل انحاء العالم، لتصدم الناس في كل مكان لقساوتها الاجرامية، والدليل القاطع على ذلك تجاهل وسائل الاعلام لا سيما المقروءة منها لجريمة قتل الطفلة ايمان حجّو وغيرها من القصص الأخرى.

ومن المفيد الاشارة الى ان وسائل الاعلام الغربية لم تكن موحدة السياسات والمعايير في هذا الاطار، بل يمكن ملاحظة فروقات نوعية ما بين التغطية الأوروبية لمجريات أحداث الانتفاضة والتغطية الأميركية للمسألة نفسها، حيث عكست الصور المنشورة والمقالات التحليلية والمعالجات للأوضاع صورة سياسات الدول التي تصدر فيها او تنتمي اليها هذه المطبوعات بدرجة كبيرة، فمجلتا "نيوزويك" و"التايم" الأميركيتان، اتبعتا سياسة اعلامية متشددة حيال الانتفاضة تأخذ بعين الاعتبار دوماً المصلحة “الاسرائيلية” كما هو حال السياسة الأميركية، وهو ما برز في معظم اعداد المجلتين خلال هذه الفترة، أما المجلات الأوروبية ومنها البريطانية والفرنسية، فقد سلكت اتجاهاً آخر اقرب الى التعاطف مع المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون جراء ممارسات الاحتلال الصهيوني. ويجدر الالفات الى ان هذا التقويم يسري في اتجاه وسائل الاعلام المرئية والمسموعة ايضاً ولا يقتصر على المقروءة منها فقط، وقد بلغ الانزعاج “الاسرائيلي” من تعاطف بعض الاعلام الغربي لا سيما الأوروبي مع انتفاضة الشعب الفلسطيني حد مطالبة الدول الاوروبية بممارسة الضغط على هذه الوسائل، فضلاً عن لجوء قوات الاحتلال مباشرة الى التضييق على مراسلي وسائل الاعلام هذه في الاراضي المحتلة، والتعرض لبعضهم بالضرب ايضاً. ولم يخفف العدو من اجراءاته هذه الا بعد ان عمدت بعض وسائل الاعلام الى التخفيف من موادها المنشورة التي لا تخدم سياسات العدو، والأهم تغيير بعض المصطلحات التي كانت تستعمل واستبدالها بمصطلحات تمويهية تخفف من أثر الاجرام الصهيوني، كما استبدال مصطلح الاغتيالات السياسية بعبارة "القتل الموجه" وهو ما لجأت اليه الـ"بي بي سي" وقبلها "سي ان ان".

ومهما يكن من أمر فإنه يمكن القول في خلاصة الموضوع ان الاعلام قد برز كسلاح فعّال خلال هذه الانتفاضة واستطاع ممارسة تأثير هام في مجريات الاحداث ويمكن ان نحتسب ايضاً انتقال الاعلام الغربي لا سيما الأوروبي منه خطوة الى الامام في خانة تأييد الفلسطينيين والتعاطف معهم ما دفع العدو الصهيوني الى احتسابه كعنصر اساسي في الحرب القائمة والعمل على ممارسة اقسى الضغوط لاجتذابه مجدداً باتجاه الموقف “الاسرائيلي”.