حول مصير اللاجئين الفلسطينيين
سليم نصار
صحافي لبناني
الحياة 15 ايار 1997.
مقدمة:
تبرز قضية اللاجئين الفلسطينيين في المرحلة النهائية من مفاوضات "السلام" كواحدة من اشد القضايا المؤجلة تعقيدا باعتبارها تشكل مدخلا جديدا لنزاع محتمل لا يقل خطورة عن النزاع المتوقع حول مصير القدس. ومن المؤكد ان الاتفاق الذي وقع في اوسلو وواشنطن زادها تعقيدا وارباكا لانه فصل محنة لاجئي 1967 عن مأساة لاجئي 1948، الامر الذي استغله زعماء "اسرائيل" لتبرئة نفوسهم من مسؤولية تشريد اكثر من 70 في المئة من الشعب الفلسطيني، أي المسؤولية الاخلاقية والتاريخية التي وظفها بناة "اسرائيل" وقادتها بدءا بثيودور هرتزل مرورا بديفيد بن غوريون وانتهاء بمناحيم بيبغن، لتبرير قيام مشروع الدولة اليهودية منذ عام 1890 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وعلى رغم زيف الموقف الرسمي "الاسرائيلي" وادعاء مؤرخي اليهود بان مسؤولية تشريد الفلسطينيين في حرب 1948 تقع على عاتق الدول العربية وحدها الا ان بن غوريون حاول البحث عن مخرج يعوض به اللاجئين من دون ان يعترف بالذنب بعد طردهم ومصادرة املاكهم. وفي مذكرات موشي دايان التي تحمل عنوان "قصة حياتي" يروي وزير الدفاع "الاسرائيلي" في الفصل الرابع عشر حكاية هذا المخرج. وسانقل حرفيا الجزء المتعلق بالاقتراح، حدث ذلك يوم 22 تشرين الاول (اكتوبر) 1956 عندما استقبلنا رئيس وزراء فرنسا غي موليه في حضور وزيري الخارجية والدفاع. وجلست انا وشمعون بيريز إلى جانب بن غوريون الذي انتقل في حديثه فجأة إلى تنبيه الجانب الفرنسي إلى ان الحرب ضد مصر ستفتح المجال لوضع ترتيبات شاملة تتعلق بقضايا الشرق الاوسط قال ان المشروع الذي سيقترحه يبدو ساذجا للوهلة الاولى، لكنه في نظره يشكل خطة رائعة يتمنى على الفرنسيين والبريطانيين اقناع الولايات المتحدة بالاشتراك في تطبيقها وتبنيها. والمشروع كما وضعه يختصر بالاتي: ان الاردن لا يملك مقومات الدولة المستقلة القابلة للحياة، ولذلك يقتضي تقسيمه. فالمناطق الواقعة شرق نهر الاردن يجب الحاقها بالعراق مقابل تعهده استقبال اللاجئين الفلسطينيين وتوطينهم في وسط البلاد. بينما يصبح القسم الغربي من الاردن جزءا تابعا لـ"اسرائيل". اما لبنان فيجب عليه التخلص من الاقضية ذات الغالبية المسلمة لكي يضمن لنفسه استقرارا مبنيا على المناطق المسيحية. وفي مثل هذا التغيير تستطيع بريطانيا ممارسة نفوذها على العراق وشرق الاردن والجزء الجنوبي من الخليج العربي. اما المجال الفرنسي فينحصر بلبنان وربما سورية مع علاقات وطيدة مع "اسرائيل" واضافة إلى هذا، يقتضي الامر وضع ضمانات دولية لقناة السويس، بينما يصبح مضيق تيران تحت الوصاية "الاسرائيلية".
يستنتج من الخطوط العريضة لمشروع بن غوريون انه كان يطمع في توظيف النصر العسكري الذي يحققه الاعتداء الثلاثي لاعادة ترتيب منطقة الشرق الاوسط بذهنية سايكس بيكو، أي بالذهنية الاستعمارية القادرة على تعديل حدود الدول وتغيير جغرافيتها وتركيبتها الديموغرافية. وكان يهدف من وراء مشروعه المريب ايجاد حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين من طريق ابعادهم من لبنان وسورية والاردن إلى بلد عربي غير ملاصق لحدود فلسطين شرط ان يوطنوا داخل البلاد لا في اطرافها. والسبب انه يريد تذويبهم في مجتمع زراعي اخر بعيد عن تخوم بلادهم الاصلية، خصوصا ان العراق غني بالنفط وفقير بعدد السكان. ومع ان هذه الخطة لم تنفذ بسبب تدخل ايزنهاور، الا ان وريثي بن غوريون مناحيم بيغن وشارون حاولا عام 1982 تطبيق التصور المتعلق بلبنان. ومع انهما فشلا بالنسبة إلى اعادة صوغ النظام اللبناني، الا انهما حققا بعض مآربه لجهة ابعاد القوة المسلحة الفلسطينية عن الحدود وتشتيتها بطريقة قادت في النهاية إلى اوسلو. وعلى رغم توقيع معاهدة سلام مع الاردن، الا ان شارون ودعاة "اسرائيل" الكبرى واصلوا مطالبتهم بضرورة منح الفلسطينيين وطنا بديلا في الاردن.
هل انتهت خطة نقل اللاجئين الفلسطينيين إلى العراق؟
وزيرة الخارجية الاميركية مادلين اولبرايت صرحت عقب تسلمها حقيبتها ان معاودة قبول العراق في الاسرة الدولية مع رفع الحظر عنه، تتطلب تاييده مشروع سلام الشرق الاوسط لكن الرئيس صدام حسين علق على عملية السلام قائلا: "ان رضا القيادة العراقية من رضا الشعب والقيادة الفلسطينية". وهذا يعني ان العراق يرضى للفلسطينيين ما ارتضوا لانفسهم. أي انه نزع رقابة الموقف القومي وحلل للشعب الفلسطيني ولقيادته قرارهم المستقل.
اذن، ما هو المطلوب من العراق في رأي اولبرايت؟
المطلوب المشاركة الفعلية عن طريق الغاء حال الاحتراب مع "اسرائيل" والدخول في المفاوضات المتعددة الاطراف. وهناك تحليلات صحافية ظهرت منذ فترة تشير إلى اهتمام اللوبي العراقي لدى "اسرائيل" ـ وفيه وزراء وقادة عسكريون واثرياء ونافذون في التكتلات الدينية والاحزاب اليسارية ـ إلى فتح حوار مع العراق على رغم التحذير الاميركي وحرص ادارة كلينتون على التاكيد ان الوقت لم يحن بعد لمثل هذه الخطوة.
يقود موضوع مصير اللاجئين الفلسطينيين إلى الالمام بمواقف الحزبين الرئيسيين في "اسرائيل" والمعالجات التي يطرحها كل من شمعون بيريز وبنيامين نتانياهو في سياق البحث عن حلول نهائية لازمة الشرق الاوسط.
يقول بيريز في كتابه "الشرق الاوسط الجديد" انه لن يسمح للاجئين الفلسطينيين بالعودة باعداد كبيرة إلى "اسرائيل" لان ذلك سيقوض الشخصية الوطنية "الاسرائيلية" ويرى انه لا بد من التوصل إلى حل مشترك تكون الخطوة الاولى فيه درس المشكلة بعمق واقامة بنك معلومات بهدف تحديد من هو اللاجىء؟ وهو يعبر عن مخاوفه من طغيان الاكثرية الفلسطينية فيقول ان حق العودة للفلسطينيين لن يكون امرا مقبولا سواء الان ام في المستقبل ومن أي حكومة "اسرائيلية" لان ذلك يعني محو الشخصية الوطنية لدولة "اسرائيل" وتحويل الغالبية اليهودية اقلية.
ويستنتج من هذا الموقف المبدئي ان حزب العمل لن يجعل من موضوع اللجوء مشكلة اساسية تعيق عملية السلام وانما سيطرح تفسيرا جديدا لتحديد معنى كلمة "لاجىء" الامر الذي تستغرق مناقشاته وقتا طويلا يخلص فيه "الاسرائيليون" إلى القول ان المهاجر اليهودي من موسكو وصوفيا وبوخارست وبراغ ونيويورك وميامي احق بالسكن في حيفا ويافا والناصرة وطبريا والقدس واللد والرملة وعكا من ابنائها الاصليين. ويلاحظ الفلسطينيون الذين يقطنون "اسرائيل" ان الدولة تعمدت ازالة ما يزيد على 400 قرية فلسطينية تم هدم منازلها، وذلك بهدف محو اسماء المواقع الفلسطينية التي تذكر بالوطن قبل عام 1948. وفي منطقة القدس الادارية فقط دمرت الجرافات ثلاثين قرية، الامر الذي مورس في 15 منطقة ادارية اخرى من فلسطين، اذ محيت من الخريطة واقيمت مكانها مستوطنة تدعى جفعات شاؤول وذلك مكافأة للمجموعة اليهودية المتطرفة التي اوكل اليها مناحيم بيغن عملية اقتراف المجزرة الشهيرة.
وما يصدق على الحجر يصدق على البشر، ذلك ان قبول حزب العمل بفصل الضفة الغربية وقطاع غزة عن "اسرائيل" لم يكن ضربا من التنازل بقدر ما كان وقاية من مخاطر كثافة سكانية عربية. ذلك ان مفهوم الدولة اليهودية الصافية كما يتصوره زعماء حزب العمل، يخشى ابتلاع كتلة فلسطينية يزيد عدد سكانها على مليون و700 الف نسمة سيتحولون في المستقبل إلى اقلية معادية تمثل 35 في المئة من عدد سكان "اسرائيل".
بنيامين نتنياهو زعيم تكتل "ليكود" لا يختلف كثيرا عن موقف شمعون بيريز لجهة رفض مبدا عودة اللاجئين. لكنه يعلل رفضه بتبني نظرية "تكتل المهاجرين اليهود في الدول العربية". ومعلوم ان هذا التكتل ابصر النور عام 1975 تحت اسم "المنظمة العالمية لليهود القادمين من العالم العربي" وبرعاية وتنظيم الوزير السابق موردخاي بن بورات. وتقوم دعوته على التبادل السكاني بين الفلسطينيين الذين رحلوا عن بلادهم عام 1948 ويقدر عددهم بـ 950 الفا واليهود الذين هربوا من الدول العربية بعد حربي 1948 و1967 ويقدر عددهم بـ 850 الفا.
ويظهر ان نتنياهو تبنى الفكرة وطرحها في كتابه "مكان بين الامم" على النحو الاتي: حصل تبادل سكان كنتيجة طبيعية للحروب وللطرد الذي تعرض له اليهود في بلدان عربية كانوا يقطنونها. ومثل هذا التبادل جرى في مراحل تاريخية مختلفة خلال هذا القرن. ان ملايين من البشر تعرضوا لموجهة تبادل سكاني بين بلغاريا واليونان عام 1919 وبين اليونان وتركيا عام 1923 وبين الهند وباكستان في نزاع 1947. ولم يحدث ان تقدم أي فريق بطلب جدي لاعادة الاوضاع إلى ما كانت عليه في السابق. من هنا اتصور ـ والكلام لنتنياهو طبعا ـ ان موضوع اللاجئين الفلسطينيين عام 1948 يجب الا يفصل عن موضوع اللاجئين اليهود الذين غادروا الاوطان العربية.
ويستند نتنياهو في مزاعمه على المقايضة التاريخية المتوازية تقريبا بين الاعداد التي خرجت من فلسطين، والاعداد التي دخلت اليها من يهود العرب ثم بين الاراضي والاملاك التي تخلى عنها اللاجئون في مقابل الاراضي التي تخلى عنها اليهود الفارون من العالم العربي. ومع استخدام هذه المقارنة يمكن لـ"اسرائيل" رفض قرار العودة والتعويض من دون ان تشعر بعقدة الذنب لانها سلبت شعبا اخر ارضه وحقوقه وقذفته إلى "الديسبروا".
يتحدث البيان الذي قدمه موردخاي بن بورات إلى الرئيس الامريكي السابق جورج بوش عام 1992، عن الاسباب الموجبة التي فرضت وجود "تكتل المهاجرين اليهود في العالم العربي" فيقول : "ان رفض العرب الاعتراف بـ"اسرائيل" عام 1948 ادى إلى وجود لاجئين فلسطينيين ويهود في الوقت ذاته. كما ان تهديد مندوب مصر في الجمعية العامة اثر صدور قرار التقسيم ادى إلى حصول مجازر جماعية ضد اليهود في الاقطار العربية. ونتجت من هذا التهديد ـ حسب زعمه ـ حال من الذعر ادت إلى هرب 850 الف يهودي خلال عشرين عاما. فمن سورية غادر 45 الفا ولم يبق منهم سوى 4500 تركوا خلال السنوات الثلاث الماضية. ومن اليمن هاجر إلى "اسرائيل" 71 الف يهودي عام 1949 ولم يبق فيها اكثر من 1200. ومن العراق غادر 125 الف يهودي عام 1951. ومن ليبيا هرب 40 الفا. ومن لبنان هاجر 20 الفا اثر اندلاع حرب 1967. ومن الجزائر رحل 150 الف يهودي لم يتركوا ورائهم اكثر من 5 الاف. اما تونس فقد هاجر منها 110 الاف مع بقاء 3500 استمروا حتى عام 1978. ومن المغرب هاجر 300 الف واستمرت الجالية اليهودية بعدد لا يزيد على سبعة الاف. وعام 1948 كان عدد اليهود في مصر 76 الفا لم يبق منهم سوى 200 عام 1984". ويدعي موردخاي في دراسته ان الاراضي والمنازل التي تخلوا عنها تعادل مساحة فلسطين تقريبا، وان الاموال والمجوهرات والحاجات التي صودرت منهم يقدر ثمنها بعشرة بلايين (مليارات) مارك الماني. ومع ان موردخاي يدعي في دراسته ان اليهود فروا من العالم العربي او طردوا الا ان الوثائق تثبت ان "الوكالة اليهودية" كانت تقف وراء تخويفهم لدفعهم إلى الهرب من العالم العربي. وهذا ما اكدته الكاتبة اليهودية ماريون ولفسون التي ذكرت ان موردخاي بن بورات نفسه لعب دورا مهما في ترويع ابناء جاليته في العراق، الامر الذي اضطر السلطات في بغداد لزجه في السجن اربع مرات. ولكنه نجح عام 1951 في الهرب على متن طائرة ارسلت خصيصا لنقله من مطار بغداد. وهناك وقائع مذهلة تضمنها كتاب يهودي عراقي ن عائلة العلم عنوانه "الهرب من بابل" يروي فيه بعض الاحداث عن دور الوكالة اليهودية في نشر الذعر بين ابناء الجالية. وتتضمن هذه الوقائع قصة اعدام اربعة يهود تعمدت الوكالة تسريب اسمائهم إلى الدولة واوحت للشرطة العسكرية انهم جواسيس. وما حصل في العراق حصل مثله في معظم الدول العربية لان اليهود الشرقيين سفارديم شعروا انهم اقلية امام اليهود الغربيين، أي الاشكيناز، الذين كانوا يمثلون حتى عام 1948 ما نسبته 90 في المئة من مجموع اليهود في فلسطين.
والحديث عن مصير اللاجئين يقود حتما إلى استكشاف موقف الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الراعية والوسيط الشريك في مفاوضات السلام.
اول محاولة قامت بها واشنطن لتمرير مشروع التوطين كانت في ايلول (سبتمبر) 1961. يومها زار بيروت مندوب عن لجنة التوفيق لقضية فلسطين جوزيف جونسون يرافقه شروود مو، ضابط الارتباط بين وكالة الاغاثة (الاونروا) والامم المتحدة في نيويورك. واستقبله في الاجتماع الاول وزير الخارجية فيليب تقلا في حضور الامين العام المرحوم فؤاد عمون. وسأنقل بهذه المناسبة وقائع الجلسة كما سجلها عمون في تقريره الديبلوماسي تاريخ 9/9/1961.
استهل جونسون الحديث بالاشارة إلى توصية الجمعية العامة الصادرة في 11/12/1948، مؤكدا ان مهمته منفصلة عن قرار التقسيم المتخذ عام 1947.
واجابه تقلا بان الحديث عن اللاجئين الفلسطينيين يقود تلقائيا إلى مراجعة القضية برمتها ضمن الاطار الذي رسمته لجنة التوفيق. ثم اوضح له ان القرار الصادر عام 1948 ينص على عودة اللاجئين إلى فلسطين او تعويضهم.
واجاب جونسون بلهجة المنتقد او المصحح قائلا : "ان القرار ينص على العودة او التعويض او الاستيطان في البلاد التي يقيمون فيها استنادا إلى كلمة Resettlement الورادة في النص.
واعترض الوزير تقلا على تحريف معنى الكلمة، لان نص القرار يؤكد حق اللاجئين في العودة إلى فلسطين ولا يمكن ان يعني حق الاستيطان في البلدان العربية.
ثم اعطى لبنان كمثال على الوضع المعقد الذي خلقته "اسرائيل" بواسطة اللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا يشكلون (في حينه) نسبة عشرة في المئة من عدد السكان. وقال: "ان الوطن الصغير يعجز عن استيعابهم، اضافة إلى تعلقهم بفلسطين وترقبهم العودة وفقا لمبادىء الامم المتحدة والتعهدات الدولية وحقهم الطبيعي. ان "اسرائيل" تبني المستوطنات استعدادا لاستيعاب بضعة ملايين من المهاجرين اليهود. والعرب احق بارضهم واولى بها. واسمح لي بان اقول لك بصراحة انكم تعاملون السارق معاملتكم للمسروق. لقد تساهل العرب كثيرا عندما وافقوا على بروتوكول لوزان. ولا يجوز ان يطلب منهم التنازل عن حقهم في العودة".
بعد الظهر انتقل مندوب لجنة التوفيق جونسون إلى السرايا لمقابلة الرئيس صائب سلام. وبعد نقاش طويل عن القضية الفلسطينية ودور الولايات المتحدة في مساندة "اسرائيل"، طرح الزائر ثلاثة مقترحات تتعلق باللاجئين: اولا ـ منح الخيار لمن يريدون العودة سواء إلى منازلهم او إلى قطاع اخر في "اسرائيل". ثانيا ـ تعويض من لا يقبل بالرجوع والعيش في ظل الحكم "الاسرائيلي". ثالثا ـ العمل على توطين رافضي العودة في البلدان العربية التي حلوا فيها، او في بلدان اخرى حسب العبارة الواردة في نص قرار العودة. واكتشف الرئيس سلام اثناء المناقشة ان الندوب جونسون كان يجتهد في تفسير توصيات الجمعية العامة، ويضع الخيارات امام اللاجئين الفلسطينيين بين العودة والتعويض والاستيطان في البلدان التي لجأوا اليها استنادا إلى كلمة Resettlement الواردة في القرار.
واعترض الرئيس سلام على تحوير المعنى مؤكدا ان كلمة "استيطان" وردت في القرار لتاكيد مبدأ العودة وان مثل هذا الغموض يعطي "اسرائيل" الذريعة للتملص من مسؤولياتها الادبية ازاء القرارات الدولية. واصر جونسون على موقفه معتبرا ان كلمة Repatriation لم ترد في التوصية، وانها الكلمة المعبرة عن اعادة اللاجىء إلى وطنه. واتسع النقاش في شان مضمون كلمة "استيطان" بمعناها السياسي ـ الاجتماعي. وقال صائب بك ان التوصية حرصت على استخدام كلمة settlement-RE وليس Settlement بهدف التمييز بين التوطين.
والاستيطان مرة ثانية او الاستيطان من جديد. وبعد جدل طويل رفض جونسون بعناده حقيقة الهدف من اختيار كلمة مثيرة للالتباس في نصوص التوصية، على اعتبار ان "اسرائيل" ستوظف غموضها كما وظفت كلمة "انسحاب" في القرار 242. ومعنى هذا ان لبنان مقبل على استحقاق التوطين مثله مثل سورية والاردن، اذا اصرت الولايات المتحدة على ان قرار العودة لا يلزم "اسرائيل" بقبول اللاجئين او اذا نجحت "اسرائيل" في اقناع الدول الكبرى بان مشروع التبادل السكاني الذي يطرحه نتنياهو اصبح هو المشروع المنطقي لحل قضية بالغة التعقيد.
احصاءات وكالة الامم المتحدة
اخر احصاء قدمته وكالة الامم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (اونروا) يبلغ حسب ارقامها 3 ملايين و400 الف لاجىء موزعين بين لبنان وسورية والاردن وقطاع غزة والضفة الغربية. والطريف ان اول احصاء قامت به الاونروا عام 1949 حدد العدد بـ 940 الفا، أي بزيادة 460 الفا خلال 48 عاما. والملاحظ ان هذه الارقام عرضة للتضخيم والتقليل حسب الجهة التي تطرحها. فالرابطة المارونية، في لبنان مثلا وزعت بيانا استندت فيه إلى احصاء الاونروا في 31/12/1994 قالت فيه ان عدد الفلسطينيين 342 الفا و121 شخصا موزعين على ست مناطق هي : بيروت (43.400) ـ الجبل (70.348) ـ صيدا (18.875) ـ صور (86.736) ـ طرابلس (45.983) ـ البقاع (13.777). ويكون المجموع (342.121).
وزاد بيان الرابطة المارونية على هذا الرقم رقما اخر لفلسطينيين قالت انهم غير مسجلين وانهم دخلوا من الجنوب او البقاع في ثلاث موجات. وهذا الرقم هو 260 الفا. وبذلك يكون مجموع الفلسطينيين في لبنان حسب الرابطة (600.000) ستمئة الف. أي ما نسبته 20 في المئة من عدد السكان.
وفق احصاء وكالة الغوث عام 1994 ذكر ان في سورية 333.465 أي بنسبة (2.10) في المئة في مجموع السكان.
وفي الاردن مليون و240 الفا أي ما نسبته 25 في المئة من مجموع السكان. وفي الضفة الغربية يبلغ عدد اللاجئين 512.435 وفي غزة 666.340.
انطلاقا من موقف المحافظة على حقوق هؤلاء الفلسطينيين فيا لعودة إلى ارضهم ومنازلهم توافق اللبنانيون مجمعين على رفض توطينهم في لبنان وفق ا جاء في التعديلات الدستورية الصادرة في 21 ايلول 1990 التي تقول " لا تقسيم ولا توطين". ومثل هذا الموقف اتخذ في حينه للاعلان ان الفلسطينيين في لبنان هم جزء متكامل مع الشعب الفلسطيني في أي بلد اخر، وان قضيتهم مرتبطة بقضية هذا الشعب. وكان في هذا التاكيد الجواب عن الموقف الامريكي ـ "الاسرائيلي" المطالب دائما بفصل مشكلة اللاجئين عن القضية الاساسية، علما بان القضية الاساسية هي قضية ارض وشعب. ومن المتعذر حل مسالة الارض من دون الشعب.
مخاوف اللاجئين في لبنان تزايدت بعدما اعطت اتفاقية اوسلو الاولوية في بحث هذا الموضوع الشائك إلى لاجئي 1967. وبما ان غالبية اللاجئين في لبنان هم من مشردي 1948 فان تاجيل البحث في مصيرهم يجعلهم عرضة لضغوط لبنانية وعربية يصعب عليهم تحملها. من هنا يرى الكثيرون من الكتاب والمفكرين الفلسطينيين مثل البروفسور ادوار السعيد انه لا يجوز رفض البحث في مصير نصف شعب فلسطين الموجود خارجها من الذين مضى ما يقرب من نصف قرن على ابعادهم وتهجيرهم في وقت يتدفق المهاجرون اليهود من انحاء العالم لاحتلال مستوطنات يقع معظمها في اراضي السلطة الفلسطينية. وفي رايه ايضا ان فقدان اراضي 1948 يجب الا يفقد الفلسطينيين احقية المطالبة بالعودة إلى الوطن، خصوصا بالنسبة إلى الذين يريدون ان يعودوا.
من المآخذ البارزة التي ياخذها فلسطينيو "الديسبورا" على الصيغ الموضوعة في اوسلو وواشطن ما يختصر بالاتي:
اولا ـ عدم التحدث بتكافؤ عن شعبين احدهما ("الاسرائيلي") يملك حق سيادة الارض ومصادرتها، بل حق ابقاء القوة العسكرية التي يملكها مكانها.
ثانيا ـ اهمال او ارجاء موضوع اللاجئين يهدد وحدة الشعب الذي ظل يفكر بطريقة متجانسة طوال فترة الشتات، كأن ما كان يقوم به المجاهدون من لبنان يخدم في النتيجة موقف الصامدين في نابلس او القدس. وفي المقابل فان الانتفاضة التي قام بها سكان الداخل انعكست ايجابا على قيادة الخارج. اما الان فان تاجيل موضوع الشتات إلى مفاوضات الوضع النهائي احدث شرخا بين الشعب الواحد كان قاطرة الداخل انفصلت عن قاطرة الخارج وتركتها بعيدة عن الحماية والرعاية السابقتين.
ومثل هذا الاهمال غير المتعمد ادى إلى ظهور حالات سلبية تميزت بالاحباط واليأس والانحسار، الامر الذي ادى بدوره إلى ظهور طلبات التجنيس لاكثر من 80 في المئة من الفلسطينيين. ومنعا لاستمرار الضياع لا بد من استنهاض جماعات الشتات من طريق اعادة تنظيمها وربطها باطار كل عملية وطنية خشية تذويبها والغاء هويتها الوطنية وتهميش دورها الريادي في مختلف الحقول.
ثالثا ـ ضرورة اعادة احياء الذاكرة التاريخية للمجتمع الفلسطيني والاهتمام بصوغ حقوقه السياسية والاجتماعية في ضوء ماضيه وارضه واملاكه وتاريخه. والملاحظ ان الاطماع الاستيطانية الصهيونية ركزت على الغاء التاريخ الفلسطيني وشددت على مقولة هيرتزل " ارض بلا شعب لشعب بلا ارض" كل ذلك لكي تخلق في عقل الراي العام العالمي مبررات للسيطرة. وتمثلت هذه المبررات بجعل الدين اداة سياسية لتحقيق الدولة اليهودية، وذلك من طريق السعي المتواصل إلى استرداد ارض التوراة. وفي ظل الاساطير المبتكرة طردوا الشعب الفلسطيني مدعين انه شعب دخيل على فلسطين. ولقد تجسدت هذه الفكرة مع وصول نتنياهو الذي يتحدث دائما عن الارض الموعودة المعطاة من يهوه، الامر الذي يجعل من المستحيل اقامة حوار منطقي مع مسؤول سياسي يزعم انه ينفذ وصايا الهية.
ولقد لاحظ جميع الذين شاهدوا لقاء منصة واشنطن في المؤتمر الاول كيف سكت ابوعمار عن ذكر أي عبارة عن الاضطهاد الذي لقيه الفلسطينيون، بينما ركز اسحق رابين على الاشادة بالضحايا الذين سقطوا من اجل بناء دولة "اسرائيل". وفي هذا اللقاء صدق القول: "يرضى القتيل ولا يرضى القاتل". ومبررات هذا الطرح على المستوى التاريخي تنطلق من اقتناع بان الشعب الذي لا يملك الماضي لا حق له في الحاضر والمستقبل. وبما ان "اسرائيل" تتغذى من التعتيم على تاريخ الماضي الفلسطيني، فان اعادة الجذور من شانه ان يعزز دور السلطة الفلسطينية في عملية السلام.
ان "اسرائيل" لم تنفذ حتى اليوم شرطين اساسيين وضعا لقبولها عضوا في المجتمع الدولي لهما اوثق صلة بقضية اللاجئين:
اولا ـ قرار تقسيم فلسطين الصادر في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 والقرار 194 الصادر عن الجمعية العامة في 11 كانون الاول (ديسمبر) 1948 الذي نص في الفقرة 11 منه على " ان اللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش في سلام مع جيرانهم يجب ان يسمح لهم بذلك في اقرب تاريخ ممكن. ويجب ان يدفع تعويض عن الممتلكات لاولئك الذين يختارون عدم العودة وعن فقدان ممتلكاتهم او عن اصابتها باضرار".
وردت "اسرائيل" على هذا القرار بان مسؤولية النزوح لا تقع على عاتقها بل على عاتق الدول العربية التي نشرت الذعر وطلبت المغادرة بحجة دخول قواتها وبانها غير ملزمة التعويض لانها استقبلت عددا مساويا من اللاجئين اليهود الذين فقدوا املاكهم داخل الدول العربية، وبان فلسطيني الشتات لا يمكنهم العودة إلى بلادهم لانهم اختاروا القتال والجهاد، الامر الذي يمنعهم من العيش بسلام مع جيرانهم. وفي هذا الاطار يسعى المفاوض "الاسرائيلي" إلى حمل المفاوضين الفلسطينيين على التنازل عن حق العودة والتعويض، باعتبارها تمثل مشكلة معقدة متعذرة الحل. وهذا ما اثاره شمعون بيريز الذي رفض ممارسة حق العودة بالادعاء ان الاعداد الفلسطينيين تهدد التركيبة الديموغرافية وتمس بالطابع اليهودي لـ"اسرائيل". والقبول بهذا المنطق يعني الغاء ارض فلسطين وشعبها لاقامة شعب اخر فوق ارض يدعي انها ملكه وعطاء يهوه له.
ان القوانين الدولية تعتبر حق عودة المواطن إلى وطنه مساويا لحق بقائه في الوجود. اما اذا قبل اصحاب الوطن بازالة وطنهم فان الاوطان البديلة تصبح مشكلة اضافية لهم. ولعل اعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة هو الحل المطلوب في اتجاه تاكيد حق المواطنية لفلسطينيي الداخل والخارج، خصوصا ان الجمعية العامة للامم المتحدة اصدرت قرارها الرقم 82 ـ 51 بتاريخ 12/12/1996 وبغالبية 159 دولة، اكدت فيه حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والمؤسف ان المفاوض الفلسطيني وافق في اتفاق اوسلو على احلال الاتفاقات التعاقدية محل المرجعيات الدولية. واسرائيل في هذا المجال تتمنى التحرر من ضوابط القرارات الدولية الملزمة لكي تستفرد السلطة الفلسطينية وتجعل منها سلطة من دون شعب ولا ارض.
يستفاد من هذا العرض ان "اسرائيل" بمختلف احزابها السياسية والدينية، مجمعة على منع اللاجئين الفلسطينيين من ممارسة حق العودة والتعويض، خصوصا لاجئي 1948 لانهم، في نظرها، يمثلون قنبلة بشرية موقوتة تؤثر في نقاء الوطن اليهودي وصفاء العرق المميز والمختار.
وبما انهم ينتمون في اصولهم العائلية وجذورهم الفلسطينية إلى مدن وقرى اصبحت الان تحت السيادة "الاسرائيلية" وبما انهم عاشوا وترعرعوا في مخيمات البؤس والفقر وانخرطوا في منظمات الجهاد والعودة، فان انتقالهم إلى قرب حدود "اسرائيل" ـ أي وطنهم الاصلي ـ وحول المستوطنات سيكون عامل تهديد ولو بعد نصف قرن. لذلك تتوقع العواصم العربية ان تضغط الولايات المتحدة واسرائيل لحمل الدول العربية المضيفة مثل لبنان وسوريا والاردن على قبول اللاجئين كمواطنين دائمين، خصوصا ان نصف قرن من التعايش المؤقت تعتبره "اسرائيل" مدة كافية للتأقلم والانصهار. كما تعتبر الاهتمام بمعاناة اللاجئين تركة صعبة يتعين على العرب، كل العرب، تحمل تبعاتها اذا ارادوا تقديم تنازلات لقضية السلام. وهذا ما اكده شمعون بيريز في اثناء المفاوضات عندما اعترف بوجود مشكلة تأذى منها مئتا الف نازح خلال حرب 1967. لكنه دعا إلى التعامل معها من جانب انساني معتبرا مشاركة الدول العربية في الحل جزءا من المسؤولية. ولقد تجاهل الارقام التي قدمها الجانب الفلسطيني المطالب بعودة مليون مهجر تقريبا. كما تجاهل رقم المليون وثلاثمئة الف نازح الذي قدمه الاردن بينهم 850 الفا ممن يتمتعون بحقوق المواطنة المدنية.
وكان من الطبيعي الا يبحث مصير اللاجئين الفلسطينيين الموجودين في لبنان وسورية بسبب غياب الدولتين عن اجتماعات لجنة اللاجئين المنبثقة من المفاوضات المتعددة الاطراف والتي عقدت في كندا وتونس.
مذ كتب الرئيس ريتشارد نيكسون إلى غولدا مائير في تموز (يوليو) 1970 يقول لها ان بلاده لن تضغط لحمل "اسرائيل" على قبول حل مشكلة اللاجئين والادارات الاميركية المتعاقبة تتجاهل قرار حق العودة الرقم 194 وتؤيد تنفيذ القرار 393 المطالب بالتوطين داخل الدول العربية كبديل من قرار العودة. وفي ضوء هذا التحول سيحاول نتنياهو بالتعاون مع ادارة كلينتون المتعاطفة مع "اسرائيل" بطريقة لم يسبق ان عرفتها الادارات السابقة، احياء مشروع مثاله الاعلى بن غوريون وادخاله في مشروع اعادة تأهيل العراق وفك الحصار عنه مقابل استقبال مليوني لاجىء فلسطيني كحل انساني. واذا فشلت هذه المحاولة فان "اسرائيل" قد تطالب الدول العربية تعويضها ممتلكات ومنازل ومحلات تدعي ان المهاجرين اليهود اجبروا على التخلي عنها. وهي طبعا متنبهة إلى تحميل الدول العربية مسؤولية ما اصاب الفلسطينيين من تشرد عندما رفضوا قرار التقسيم الذي اصدرته الامم المتحدة في 27 تشرين الثاني 1947.
يجمع المؤرخون على القول ان محاولات تغييب فلسطين والفلسطينيين من الحضارة والتاريخ كانت هدفا اساسيا لخلق اقتناع عالمي بان تاريخ اليهود انتهى بغيابهم عن ارض الميعاد وبان عودتهم من المنافي تشكل عودة التاريخ والحضارة إلى المكان الذي فرغ باستيلاء غيرهم عليه. والمؤسف انه بعد تنازل الفريق الفلسطيني المفاوض في اوسلو عن تاريخ يعود إلى اكثر من اربعة الاف سنة، يحاول الان استجداء المغتصب لكي يسمح له بشغل زاوية صغيرة من زوايا القصر المحتل بقوة السلاح.