العميد
الركن المتقاعد ابراهيم اسماعيل كاخيا (ضابط
لبناني متقاعد)
يدل
تحرك آرييل شارون يوم 28 ايلول 2000م، نحو المسجد
الاقصى، الذي فجر الانتفاضة الفلسطينية منذ
ذاك التاريخ بان هناك عملية مخطط لها ومدروسة
تهدف الى ان تفرض على العرب والفلسطينيين
خاصة، وعلى العالم الاسلامي بشكل عام، ما
يعتبره الصهاينة حقاً لهم في الحرم القدسي
وحائط البراق وفي الارض التي تقع اسفل
المساجد الثلاثة وكنيسة القيامة وباحة الحرم.
حيث اخذوا يحفرون منذ سنوات تحت تلك الباحة،
ودخلوا مما يسمى نفق "الحشمونيين" –
الذي افتتحوه قبل اربع سنوات وادى ذلك الحدث
الى مواجهات دامية – الى ما تحت ساحة الحرم
واقاموا هناك كنيساً يهودياً، واقاموا
انفاقاً ليزعزعوا اساس المسجد الاقصى وسواه
من المساجد والاماكن المقدسة ليكون دمارها
محققاً عند اول حادث طبيعي.
وليست
الحركة باتجاه المسجد الاقصى او تدميره جديدة.
فمنذ احتلال القدس في حزيران عام 1967م بدأت
تتشكل مجموعات صهيونية سرية يربو عددها –
الآن – على العشرين مجموعة منها مجموعة تسمى
"ازالة الدنس" حيث ينظر اليهود الى
الاقصى تلك النظرة، وكلها تعمل في الكيان
الصهيوني لتحقيق ما يسمى بناء "الهيكل
الثالث" على انقاض المسجد الاقصى. كل ذلك
يدعونا الى القاء الاضواء على مدينة القدس من
خلال المنظور الديني للديانات السماوية
الثلاثة، واهمية الاماكن المقدسة فيها.
القدس
الشريف والاسلام
يعتقد
المسلمون في انحاء المعمورة كافة بان مدينة
القدس والمسجد الاقصى وما حوله من اماكن
مقدسة بانها "اولى القبلتين" و"ثالث
الحرمين الشريفين" و"مسرى النبي العربي
محمد صلى الله عليه وسلم".
اما
انها اولى القبلتين فقد توجه المسلمون
الاوائل في عهد النبوة المحمدية في صلاتهم
عندما فرض عليهم اداء الصلاة، الى المسجد
الاقصى. وظلوا على ذلك قرابة نيف وسبعة عشر
شهراً. فقد ذكر الصحابي الجليل (البراء بن
عازب) انه قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه
وسلم الى بيت المقدس ستة عشر شهراً حتى نزلت
الآية (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) سورة
البقرة – الآية 144، نزلت بعدما صلى النبي (ص)
فانطلق رجل من القوم فمر بناس من الانصار وهم
يصلون. فحدثهم فولوا وجوههم قبل البيت "كتاب
صحيح مسلم، الجزء الاول، باب تحويل القبلة من
القدس الى مكة المكرمة ص – 374، الحديث رقم (11).
وثالث
الحرمين الشريفين يقصد بها ان المسجد الاقصى
المبارك يعتبر من حيث اهمية المساجد في
الاسلام، هو الثالث. فقد روى الصحابي الجليل (ابو
ذر الغفاري) انه قال: "قلت يا رسول الله: اي
مسجد وضع في الارض اول؟ قال: المسجد الحرامي.
قلت: ثم اي؟ قال: المسجد الاقصى، قلت: كم
بينهما؟ قال "اربعون سنة" واينما ادركتك
الصلاة فصلّ فهو مسجد". كتاب صحيح مسلم،
الجزء الاول، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ص-370
الحديث رقم (1) ورقم (2) بالنص نفسه.
كذلك
جاء في كتاب (سنن الترمذي) الجامع الصحيح قول
الصحابي الجليل (ابو سعيد) قال: "قال رسول
الله (ص): لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد:
المسجد الحرام، ومسجدي هذا. والمسجد الاقصى
المجلد (2) ص 148 رقم الحديث (336). وروى (البيهقي)
عن جابر رضي الله عنه ان النبي (ص) قال: "صلاة
في المسجد الحرام مائة الف صلاة، وصلاة في
مسجدي الف صلاة، وفي بيت المقدس خمسمائة صلاة"
كتاب فقه السنة للسيد سابق الجزء (1) ص – 249).
اما
كون المسجد الاقصى المبارك هو مسرى الرسول
محمد صلى الله عليه وسلم فقد جاء ذلك صريحاً
في قول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم. (سبحان
الذي اسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى
المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من
آياتنا انه هو السميع البصير). سورة الاسراء –
الآية (1).
وقد
جاء في تفسير هذه الآية القرآنية الكريمة في
كتاب (ايسر التفاسير) ص 663 قول مؤلفه الدكتور (اسعد
محمود حومو) واجتهاده: "يمجد الله تعالى
نفسه الكريمة وينزهها عن شرك من اشرك، ويعظم
شأنه لقدرته على ما لا يقدر عليه غيره، فقد
اسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم ليلاً من
مكة (المسجد الحرام) الى بيت المقدس (المسجد
الاقصى) وهو المسجد الذي بارك الله ما حوله من
زروع وثمار ونبات.. ليري عبده محمداً من آياته
العظام، ما فيه الدليل القاطع على وحدانيته
وعظيم قدرته، وهو السميع لاقوال العباد،
البصير بأحوالهم".
وكان
الاسراء قبل خمس سنوات من الهجرة (ما يوافق
عام 575م) فأسرى الله تعالى بمحمد صلعم من مكة
الى بيت المقدس، ثم عرج به الى السماء وفقاً
لما جاء في الاحاديث الثابتة عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم.
وثمة
تفسير آخر اورده الاستاذ (محمد باقر شري)
حديثاً، قوله: "اما بالنسبة للمسلمين
وموقفهم من مستقبل المقدسات العبادية في
القدس وعلى الاخص "مسجدهم الاقصى" وكذلك
موقفهم من المدينة المقدسة ككل. فقد حض عليهم
دينهم المستمد من القرآن. فهنالك نص بالقرآن،
يرى ان القداسة لا تشمل اماكن العبادة وحدها
او المسجد الاقصى وحده. بل ان المدينة كلها
وحتى وراء القدس من ارض فلسطين، وما هو حول
فلسطين: اي بلاد الشام وسوريا ولبنان والاردن
ومصر وسيناء. هي اراض مقدسة في نظر الآية
الكريمة التي تقول (.. المسجد الاقصى الذي
باركنا حوله...). وما حوله لا يعني فناء الاقصى
وحده او الحرم القدسي وحده".
القدس
وكنيسة القيامة
من
المعروف من الوجهة التاريخية ان الرومان
استولوا على سورية وفلسطين ودخل القائد
الروماني (بومبي) اورشيلم القدس في سنة 63 ق.م،
وفي سنة 37م نصب الرومان (هيرودس) الآدومي
ملكاً على الجليل والقدس فظل يحكمها باسم
الرومان حتى السنة الرابعة الميلادية، وفي
زمانه ولد السيد المسيح عيسى عليه السلام. ففي
ربوع القدس وما حولها ولد السيد المسيح ونشأ
وترعرع واوتي النبوة والرسالة وبشر بالديانة
المسيحية المتسامحة وظهرت منه وعلى يديه
المعجزات الخارقة كإبراء الاكمه والابرص
واحياء الموتى بإذن الله، وانزال المائدة،
وغيرها من الخوارق والمعجزات الخالدة.
تذكر
الاناجيل الاربعة محاكمة السيد المسيح
والحكم عليه "بالصلب" بتهمة ادعائه انه
انه ملك اسرائيل. واجبر المسيح على ان يحمل
"صليبه" – كما يعتقد المسيحيون" – بعد
ان وضعو ا على رأسه تاجاً من الشوك سخية من
الذي يقول انه ملك اليهود، ثم "صلب" وبقي
على "الصليب" حتى مات حيث انزل ودفن.
وفي
اليوم الثالث من الموت ذهبت مريم المجدلية
وحفنة من النساء الى المغارة التي "وضع"
فيها "جسده" لتدهنه بالطيب فلم تجده
فيها، ثم شوهد المسيح حياً بعد ذلك من قبل امه
والحواريين (تلاميذه) حيث اعلن لهم انه صاعد
الى السماء. على كل الاحوال فان محاكمة السيد
المسيح والطريق الذي سلكه وهو يحمل "الصليب"
على كتفيه، الذي يسمى طريق الآلام، ثم مكان
الصلب ومكان الدفن وكان الخروج من المغارة
والصعود الى السماء كل هذه الامكنة التي
تقدسها الطوائف كافة المسيحية كانت في القدس
والتي كانت تسمى في ذاك الحين بـ"يبوس"
نسبة الى اليبوسيين من بطون العرب الاوائل في
الجزيرة العربية وهم اول من سكن القدس.
ولما
اعتنق الامبراطور الروماني (قسطنطين) الديانة
المسيحية جعلها ديانة الحكومة الرسمية واعاد
الى المدينة اسم (اورشليم) اي مدينة السلام.
وقامت والدته (هيلانة) ببناء الكنائس ومنها
كنيسة القيامة، وتم افتتاحها عام 335م. تمثل
امام الكنيسة في وقتنا الحاضر في الجهة
الجنوبية ساحة تقوم شرقها وغربها بيانات
مختلفة من اديرة وكنائس. وفي كنيسة القيامة
ثلاثة اديرة كبرى (دير اللاتين، ودير الروم
الارثوذكس، ودير الارمن الارثوذكس). وقد
اجمعت الديانات الثلاث على ترميم كنيسة
القيامة فبدأ العمل سنة 1960م، وعمل الترميم
المذكور على ان تكون مختلف الاقسام فيها اقرب
ما تكون من صورتها الاصلية. وان تكون كنيسة
القيامة جديرة حقاً بأقدس مكان مسيحي في
العالم. وتنتشر في سفح جبل (الطور) الذي يقع
شرقي مدينة القدس، وعلى قمته العديد من
الكنائس والاديرة التي لها علاقة بأحداث
السيد المسيح عليه السلام وايامه مثل الكنيسة
"الجثمانية" وهو المكان الذي قضى فيه
السيد المسيح آخر ايامه متعبداً متألماً.
تروي
كتب اليهود المقدسة "سفر ملوك" ان سليمان
هو ثاني ملوك بني اسرائيل. وانه حكم جميع
فلسطين، وتمجد هذه الكتب بقوته وغناه وعظمته.
ويركز هذا السفر اليهودي على بناء سليمان. كما
يذكر قصته مع ملكة "سبأ" بالاضافة الى
مجموعة من الحكم المنسوبة له. ولكن كتب اليهود
الاخرى تبالغ في تعظيم سليمان وتعطيه ابعاداً
اسطورية في تعظيم سليمان وتعطيه ابعاداً
اسطورية فهو من الملوك القلائل الذين حكموا
وملكوا العالم بأجمعه – كما يدعون – وامتد
ملكه على البشر وعلى الجن والعفاريت والطيور
والحيوانات.
ولكن
بالرغم مما تقوله كتب اليهود فان ملك سليمان
لفلسطين لم تثبته الدراسات الاثرية وذلك
بالرغم من الحفريات المركزة التي تقوم بها
الحكومة والجامعات العبرية في فلسطين. بل ان
انتساب سليمان الى الدولة اليهودية القديمة
امر مشكوك فيه. واسم "سليمان" ليس عبرياً
بل قد يكون – على الارجح – عربياً. فسليمان
تصغير لاسم (سلمان) وسلمان على وزن "عطشان"
احد الصيغ القليلة الاستعمال في اللغة
العربية والكثيرة الورود في اللغة الآرامية.
والارجح
ان قصة "سليمان" هي احدى القصص التي
اشتهرت في منطقة الشرق الاوسط القديم. وهذه
القصة كغيرها من كثير من القصص لها اصل تاريخي
ولكنه ضاع، فلا ندري الآن اين عاش سليمان واين
مَلَك؟ وتشبه اسطورة سليمان غيرها من اساطير
ملوك العالم القديم كأسطورة الملك (تبع)،
واسطورة "ذي القرنين العربي"، واسطورة
"شداد بن عاد" وغيرهم. الا انه بعد ان
سجلت قصص واساطير سليمان وضمت الى كتب اليهود
المقدسة. عمل اليهود على تخصيص سليمان بشعبهم
ونشر اساطيره. وقد ساهم يهود العربية في هذا
المجال فاهتم رواتهم بالحديث عن قصصه التي
كانت بسبب تشكيلها الاسطوري كثيرة الشعبية.
ويعتقد
ان قصة سليمان كما وردت في "سفر ملوك اول"
هي محاولة من احد احبار اليهود لتقديم سليمان
كملك اسرائيلي حقيقي. وذلك بنزع الصيغة
الاسطورية عنه. وقد ادى الاهتمام الزائد في
قصة النبي سليمان من قبل اليهود ان سادت
الصورة اليهودية بين العرب وتناقلتها. الا ان
المساهمة العربية في هذه الاساطير لا تزال
واضحة في قصة بلقيس ملكة سبأ. وفي ادخال الملك
العربي شداد بن عاد في احدى قصص سليمان
اليهودية وفي اسم زوجته "جرادة" العربية.
وليس لنا ان نستطرد في هذا المجال ولكن ننتقل
مباشرة الى قصة موته كما جاءت في كتاب "تفسير
روح المعاني". نظراً لان لقصة موته علاقة
بهذا المقال الذي نحن بصدده.
"كان
من عادة سليمان عليه السلام ان يعتكف في مسجد
بيت المقدس، الساعات الطوال، فلما دنا اجله
لم يصبح الا رأى في محرابه شجرة نابتة قد
انطقها الله تعالى، فسألها: لاي شيء انت؟
فتقول لكذا. حتى اصبح ذات يوم فرأى الخرنوبة.
فسألها فقالت: نَبَتُ لخراب هذا المسجد. فقال:
ما كان الله تعالى ليخربه وانا حي، انتِ التي
على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، نزعها
وغرسها في حائط له واتخذ منها عصا وهذه العصا
هي التي اكلتها الارضة بعد موته، فأراد الجن
ان يعرفوا وقت موته. فوضعوا الارضة على العصا
المذكورة فأكل منها في يوم وليلة مقداراً.
فحسبوا على هذا النحو. فوجوده قد مات منذ سنة.
وكانوا – اي الجن يعملون على بين يديه
ويحسبونه حياً، فتبين لهم انهم لو كانوا
يعلمون الغيب لما لبثوا في العذاب سنة".
ويدعي
اليهود – الصهاينة الآن – ان (جدار البراق) هو
البقية الباقية من هيكل سليمان. لذا يحجون
اليه ويتلون الصلوات والكتب المقدسة امامه
ويبكون وينتحبون ويطلقون عليه "حائط
المبكى" لكنه من حيث الواقع التاريخي، هو
عبارة عن حائط كبير بني من الحجارة الضخمة
يبلغ طوله 56 قدماً وارتفاعه 65 قدماً. يقدسه
المسلمون نظراً لعلاقته الوثيقة بقصة اسراء
الرسول العربي (ص) من مكة الى بيت المقدس اذ
تذكر الروايات ان الرسول الكريم اوقف براقه
ليلة الاسراء هناك. ولعل تباين وجهات النظر
تجرنا الى وصف وتسمية المباني الاثرية
والتاريخية في القدس.
مدينة
القدس حافلة بالمباني الاثرية والتاريخية
النفيسة، ففيها ما يقرب من مائة بناء اثري
منها: المساجد والمدارس والتكايا والترب (المقابر)
والتحصينات وغيرها من المباني والمنشآت
الكثيرة المذكورة في كتب التاريخ وقد زالت
معالمها. حيث انشئت هذه المخلفات والاوابد
الحضارية في مدينة القدس بالرغم من انها لم
تكن في يوم من الايام، المركز السياسي للدولة
الاسلامية، ولا غرابة فالاسلام اظهر تعلقه
واهتمامه لهذه المدينة المقدسة منذ نشأته
فكانت – كما اسلفنا – قبلة المسلمين الاولى
حتى السنة الثانية من الهجرة (ما يوافق 583م)
واليها كان اسراء الرسول (ص) ومنها كان معراجه
الى السماء ومن اهم الآثار المقدسة الاسلامية
والمسيحية في مدينة القدس في الوقت الحاضر هي:
أ-
الحرم الشريف: يطلق اسم الحرم الشريف على
المسجد الاقصى ومسجد الصخرة وما حولهما من
مساحات ومنشآت حتى الاسوار. وتبلغ مساحته 141
دونماً. وتقوم رقعة الحرم على جبل (موريا).
ومنذ القرن الخامس الميلادي بقي مكان الحرم
الشريف ساحة مهملة مهجورة الى ان جاء الخليفة
(عمر بن الخطاب) في سنة 15هـ (ما يوافق 636م)، فأمر
بتنظيف الصخرة واظهارها، وامر ببناء مسجد في
مكان الحرم يتسع لثلاثة آلاف من المصلين. وقد
عاد الى هذا المكان رونقه واهميته حينما بنيت
قبة الصخرة والمسجد الاقصى. فصار الناس
يزورونه من كافة الاقطار.
ب-
مسجد الصخرة: يرجع اهتمام
المسلمين للصخرة الى علاقتها الوثيقة بانها
المكان الذي قدم النبي ابراهيم عليه السلام،
ولده (اسماعيل) ذبيحاً عليها وكذلك بقصة
الاسراء والمعراج، وتقع الصخرة ذاتها تحت قبة
المسجد مباشرة. وطولها من الشمال الى الجنوب 17
متراً ونصف وعرضها من الشرق الى الغرب 13 متراً
ونصف وارتفاعها يتراوح بين متر ومترين، وتحت
الصخرة ذاتها تجويف (قبو) ارتفاعه ما يقارب
المترين. بحيث يمكن للشخص الزائر او الذي يصلي
واقفاً ان يؤدي صلاته بارتياح وقد بنى مسجد
الصخرة الخليفة الاموي (عبدالملك بن مروان)
عام 691. وفي عام 1099م، حول الصليبيون الفرنجة
هذا المسجد الى كنيسة وبنوا عليه مذبحاً. ولكن
صلاح الدين الايوبي ازال هذه المعالم وزين
القبة وستر الجدران بالرخام بعد انتصاره في
معركة حطين عام 589هـ/1187م وفتحه لمدينة القدس
بعدها مباشرة.
ت-
المسجد الاقصى: يقع في الجهة
الجنوبية من رقعة الحرم الشريف، وقد شرع في
بنائه الخليفة الاموي (عبدالملك بن مروان)
واتمه ابنه الخليفة (الوليد بن عبدالملك)
ورافق بناؤه ايضاً بناء (الجامع الاموي
الكبير) في مدينة دمشق.
ث-
جدار البراق: وقد تحدثنا عنه
آنفاً.
ج-
كنيسة القيامة: تقع الى الغرب
من ساحة الحرم القدسي الشريف. وفيها "القبر
المقدس" وتتألف من ثلاثة اديرة – كما
اسلفنا – دير اللاتين، والروم الارثوذكس،
والارض الارثوذكس. واليها تجمع كافة الطوائف
المسيحية لكونها اقدس مكان مسيحي في العالم
قاطبة. ويحتفظ بمفتاح بابها الرئيسي اشخاص
مسلمون مراعاة لروح التسامح وايفاق الطوائف
المسيحية قاطبة على الفرق منذ اقدم العصور.
ح-
اسوار القدس: اقيمت حول مدينة
القدس اسوار عدة ويذكر التاريخ ان اليبوسيين (العرب)
هم اول من فكر في بناء هذه الاسوار حولها،
وكان ذلك عام 2000 ق.م. وهو السوار الاول. وقد
حصنها بعد ذلك كثيرون حتى جاء الملك (سليمان)
النبي فبنى السور الثاني ليضم ابنيتها
الجديدة. ومحيط السور (5) اميال وارتفاعه (40
قدماً) عليه (34 برجاً) (7 ابواب).
خ-
جبل الزيتون او الطور: يقع شرقي
مدينة القدس، وتايخه متصل بتاريخها فقد حطت
فيه جميع الجيوش التي اتت لفتح مدينة القدس.
وتنتشر في سفح جبل الطور وعلى قمته – كما
اسلفنا. العديد من الكنائس والاديرة التي لها
علاقة بأحداث السيد المسيح (عليه السلام)
وايامه ونشاطاته الروحية مثل الكنيسة
الجثمانية وهو المكان الذي قضى فيه سيدنا
المسيح (عليه السلام) آخر ايامه متعبداً
متألماً من غوغائية اليهود واذاهم، وظلم
واستبداد الحكامب الرومانيين المستعمرين.
د-
الجامع العمري (مسجد عمر بن
الخطاب): وهو الجامع الذي اقيم في المكان الذي
صلى فيه الخليفة (عمر بن الخطاب) عندما حضرته
الصلاة وهو في كنيسة القيامة وطلب منه
البطريرك (صفرونيوس) العربي الدمشقي الاصل ان
يصلي في الكنيسة فأبى لئلا يتنازع المسلمون
مع المسيحيين حيث صلى الخليفة العربي المسلم.
القدس
بالنيات والممارسات اليهودية
حظيت
مدينة القدس باهتمام كبير في سياسة اسرائيل
الاستيطانية باعتبارها القضية الوحيدة
العربية الثابتة التي حظيت بإجماع صهيوني
كامل لاستمرارها كعاصمة موحدة وابدية "لاسرائيل".
ولهذا حرصت اسرائيل على ارجاء المفاوضات
بشأنها مع الفلسطينيين الى المرحلة النهائية
لتكون قد استكملت خطة تهويدها وبذلك تضع
العرب امام الامر الواقع.
كان
(بن غوريون) قد بادر عام 1048م الى اعلان القدس
الغربية عاصمة "لاسرائيل" وبدأت الحكومة
– فور السيطرة على الجزء الشرقي منها في
اعقاب حرب عام 1967م – اعمال تهويد ذلك الجزء
وتغيير طبيعته الجغرافية والسكنية بالاضافة
الى اعتداءات اليهود المتكررة على الاماكن
المقدسة الاسلامية والمسيحية. وكلنا يذكر
العدوان على الاقصى والحريق المعروف في 21-8-1969م
حيث تم احراق منبر (نورالدين الشهيد) الذي
حمله صلاح الدين الايوبي الى المسجد الاقصى
بعد تحرير القدس من الفرنجة الصليبيين في
القرن الثاني عشر الميلادي. وكان ان نقل
المصلون داخل الاقصى. وكان ان تجدرت احداث
ترمي الى تنفيذ المخطط الصهيوني الموضوع
للقدس والاقصى في السنوات الماضية.
وفي
الايام القليلة الماضية (عام 2000م) في اثناء ما
يسمونه "عيد العُرش" كان اليهود يعدون
لوضع حجر اساس لبناء كنيس لهم بالقوة في ساحة
الحرم القدسي الشريف وهو الجحر الذي يهيئونه
في كل عام على مقربة من باب "الساهرة" احد
ابواب مدينة القدس. منذ سنوات. وكان آخر
الاعتداءات اليهودية الساخرة زيارة "شارون"
الاخيرة لساحة الحرم القدسي الشريف بالتواطؤ
والتعاون مع حكومة (باراك) الاخيرة المستقيلة.
لم تقتصر الاعتداءات اليهودية ذات النزعة
العنصرية العدوانية على الاماكن المقدسة
الاسلامية. بل ان هذه الاعتداءات شملت ايضاً
الاماكن الدينية المسيحية في المدينة
المقدسة. نذكر منها على سبيل المثال – وليس
الحصر – في فترة السبعينات ما يلي:
أ-
الاعتداء على كنيسة القيامة حيث قام رجل
يهودي امريكي في شباط 1971م بعد ان دخل كنيسة
القيامة. متظاهراً بالزيارة. بتحطيم قناديل
الزيت والشموع المقامة على القبر المقدس.
ب-
اغتصاب املاك بطركية الروم
الارثوذكس بالقدس، حيث صادرت سلطات الاحتلال
الاسرائيلي في شهر آذار 1971م قطعة ارض كبيرة
تابعة للبطركية المذكورة تقع بين فندق الملك
داوود ومحطة سكة الحديد.
ت-
الاعتداء على املاك بطركية
الارمن الارثوذكس بالقدس، حيث صادرت سلطات
الاحتلال عمارة (فندق فاست) التابعة للبطركية
المذكورة، ثم هدمتها وباعت ارضها لشركة
اسرائيلية.
ث-
بيع عمار النوتردام (الدير
الفرنسي) بالقدس، للجامعة العبرية وهي عملية
احتيالية قامت في مدينة "نيويورك" 1970
وافضت الى بيع هذا الدير الى الجامعة العبرية.
ج-
استملاك مدرسة "شنلر"
الالمانية: حيث استملكت سلطات الاحتلال جميع
ابنية مدرسة "شنلر" الالمانية بالقدس،
والتي كانت تضم ابكر مدرسة "لوثرية"
مهنية داخلية لايتام العرب، مع كنيسة مسيحية
وابنية سكنية للرهبان والطلاب والعاملين في
المدرسة المذكورة.
ح-
وضع اليد على املاك الكنيسة
الروسية الارثوذكسية بالقدس. والاوقاف
التابعة لها. ولان الارهاب كعقيدة ووسيلة هو
جوهر الفكر (اليهودي) الصهيوني. كان من
الطبيعي ان تنتقل اخلاقه مناقبه الى جميع
المجالات التي ينشط فيها ذلك الفكر. ولهذا
جندت الحركة الصهيونية طاقات فكرية وتاريخية
وآثارية كبيرة جداً. وجمعت اصحاب هذه الطاقات
في مراكز ومؤسسات ومعاهد للدراسات والبحوث
والتنقيب من اجل ان يصوغوا تاريخ الشعب
اليهودي في "ارض اسرائيل. ومن هنا تولد هذا
الكم الكبير من الدراسات التاريخية
والاثارية التي تسعى الى تحقيق هذا الهدف ولو
تطلب الامر طوي الحقائق او طمسها وفرض بدائل
لها على انها حقائق.
لقد
اظهرت المغريات والآثار التي ظهرت في فلسطين
وما حولها، ان هذه الشواهد التاريخية لا
تنطبق على احدث الروايات التوراتية. فقد لخص
عدة مؤرخين يهود حصيلة الجهد التاريخي
والاثاري الذي قامت به تلك المعاهد والمراكز
والمؤسسات الاسرائيلية الحكومية والاهلية،
في التنقيب عن اثار تدل على تاريخ يهودي في
فلسطين لاشهاره في وجه المتشككين في القصص
التوراتي، لخصوا الحصيلة العلمية بانها لا
تستجيب لنصوص التوراة. ويضربون مثلاً على ذلك
بموقع الهيكل (هيكل سليمان) في القدس. اذ يعتقد
اليهود ان الهيكل قريب من اسوار مسجد قبة
الصخرة. وبعد الحفر والتنقيب الذي استمر
سنوات عديدة. لم يعثر علماء اليهود الا على
آثار قصر لاحد الخلفاء الامويين. وهكذا جرى
تقييم الجهود الاثارية اليهودية منذ العام 1948م
حتى عام 1995م. على انها عبث وضاعت جهود
الباحثين اليهود هباء منثوراً.
هذه
لمحة موجزة عن مدينة القدس من خلال المنظور
الديني للديانات السماوية الثلاث. واخيراً
بان شعبنا العربي في فلسطين عندما يدافع عن
القدس، لا يدافع عن الحرم والمساجد الثلاثة:
الاقصى والقمري وقبة الصخرة، ولا عن كنيسة
القيامة والمقدسات المسيحية في مدينة السلام
ولا عن القدس الشريف. كما هي محصورة جغرافيا
او كما بدأت تأخذ حصراً جغرافياً في المجال
السياسي بأماكن المقدسات وتوابعها القديمة
فقط، انما يدافع عما توفر اليه القدس، والقدس
في المحصلة قضية تمتد الى كل فلسطين الى
الهوية القومية، الى العقيدة الدينية عند
العرب: مسيحيين ومسلمين وعند المسلمين كافة.