شهادة عن ضياع فلسطين
فاطمة الهواري تروي حكاية ترشيحا
28 تشرين الاول 1948 ، اغارت ثلاث طائرات حربية "اسرائيلية" على ترشيحا، وبدأ قصف القرية من مواقع الهاغانا في ميرون الصفصاف والجش.
29 تشرين الاول، ابلغ الضابط مهدي وجهاء ترشيحا قرار جيش الانقاذ بالانسحاب من القرية، وكان ذلك في اجتماع عقد في منزل فوزي ابو عيسى.
30 تشرين الاول، قررت حامية ترشيحا المؤلفة من حوالي مئتي مقاتل من القرية والقرى المجاورة الانسحاب بناء على قرار جيش الانقاذ.
وبسقوط ترشيحا تكون خطة "ميرام"، التي اعدها الجيش "الاسرائيلي" لاستكمال احتلال الجليل قد انجزت. فبعد سقوط ترشيحا، انسحبت حامية شعب من القرية دون قتال، وحصلت اشتباكات محدودة على تلال الكابري، وسقط الجليل برمته.
لا ينسى اهل ترشيحا الطيران.
كيف ينسون تلك الايام التي وضعتهم في مواجهة الموت والطرد والنهاية.
قالت فاطمة الهواري انها النهاية.
التقيت بها في منزلها في ترشيحا: تجلس على كرسي متحرك في بيتها المطل على ساحة الشهداء، تتنهد وتروي:"صوت اختي يختنق، امرأة عمي تصرخ: دخيلكم النار والعة فيي، ستي تئن…".
حركت الكرسي صوب سريرها، سحبت محرمة ورق، مسحت وجهها وقالت :" لم اكن قادرة على الحركة، رجلاي عالقتان تحت حجر كبير، حاولت ان اصرخ، لا ادري هل سمعوني ام لا، كان كل شيء حطاما، ولم اكن ارى، ثم سمعت صوتا من الخارج يقول" تعالوا ننقذ دار الهواري، كلهم تحت الردم، نزل عليهم قازان وهدم البيت فوقهم".
سكتت فاطمة وهي تغالب دمعا يسقط من عينيها دون بكاء، حركت كرسيها مرة اخرى، اخرجت علبة سجائر من تحت وسادتها، اخذت نفسا عميقا وقالت: "كلهم ماتوا، امرأة اخي وابنها ماتوا، امرأة عمي ماتت، ستي ماتت، اولاد عمي الاربعة، وامرأة خالي وابنتها، كلهم ماتوا حرقا".
نظرت الي فاطمة بعينيها الخضراوين الواسعتين وكأنها تواسيني. كانت دموعي تتساقط على الورقة امامي، وانا احاول ان اكتب الحكاية، "انت شو سمعتي حتى تبكي يا بنتي، هذا ولا اشي، خليني اكمل القصة".
قالت :"ابنة خالي الى جانبي فحمة سودا تصدر اصواتا غريبة ، وانا تحت سقف البيت الذي سقط فوقي. وبدأ الناس يزيلون الردم، حاولوا سحبي من تحتهم فقلت لهم انني لا استطيع الوقوف لاني لا املك قدمين".
سحبت فاطمة نفسا طويلا من سيجارتها، تأوهت وقالت :"سلمني ابوي الى ابن عمي وخطيبي وقال له خذ ابنة عمك الى لبنان وعالجها وانا ادفن الموتى".
"وماذا حصل لابنة خالك المحترقة؟" سألتها.
"ماتت في بيروت، قبل ان نصل بها الى المستشفى، ماتت محترقة، فحمة سودا، يا حرام".
"بقيت في المستشفى، وكان خطيبي يزورني يوميا، ثم اكتشفت انني اصبحت مشلولة. وبعد سبعة اشهر اخبروني ان والدي يبحث عني، ويطلب إعادتي الى فلسطين عن طريق الصليب الاحمر، اخبرت خطيبي، فلم يوافق، قال انه لا يستطيع دخول فلسطين، وطلب مني البقاء ، قال انه سيخدمني برموش عينيه لانني زوجته بحكم الشرع".
قالت فاطمة انها رفضت عرض خطيبها، "قلت له انني مشلولة ولا اريد ان اظلمه معي واتفقنا على الطلاق، وبعث لي ورقة الطلاق الى المستشفى".
بكت فاطمة، وكأن طلاقها من خطيبها حصل في الامس، وبكيت انا ايضا.
قالت "يا بنتي احنا الفلسطينية ياما شفنا، ورح نشوف".
و"بعدين ، ماذا حصل"؟ سألتها.
و"لا ايشي" اجابت، " هو بقي في برج البراجنة وانا رجعت الى فلسطين، رحت هناك ولقيت امي وابوي عايشين في بيت جيراننا، البيت القديم انهدم، وروى لي ابي ماذا جرى في غيابي، قال: بعد ما رحتي يابا الى بيروت اخرجنا الموتى من تحت الردم واخذناهم الى المقبرة، وهناك صاروا يرموا علينا القنابل، تركنا الجثث دون دفن وهربنا. وبعد ان هدأ القصف عدنا لنرى الكلاب والقطط تنهش في لحم الجثث، اما البيت فقد بقيت النار مشتعلة فيه بسبب شتلات التبغ المعلقة في السقف".
و"كيف عشتم"؟ سألتها.
"اه يا بنتي ماذا اخبرك، كنا نملك حقلي زيتون، صادروا الارض وقلعوا شجر الزيتون. ابي مات بحسرته، وعشت انا وامي في هذا "الخم"، لم يعد لنا بيت فعشنا في هذه الغرفة، أمي اشتغلت خادمة في بيوت ابناء الحلال وفي قطف الزيتون حتى موتها في الثمانينات، وانا اعيش الآن وحيدة، قليل من القروش من الشؤون الاجتماعية ، وبنات الجيران الله يستر عليهم يساعدنني قليلا.
توقفت فاطمة عن الكلام، وذهبت عيناها الى البعيد.
"اه، لم اخبرك، عندما سمح "الاسرائيليون" بالزيارات عن طريق الشريط الحدودي عام 1997 ، جاء خطيبي رمزي الى ترشيحا هو وزوجته واولاده لزيارتنا. التقينا وبكينا، لكنه مات بعدها في حادث سير في اميركا".
"لماذا لم تخبريني قصة ابي ناتان" سألتها.
والحقيقة انني ذهبت الى فاطمة الهواري بعد ان سمعت حكاية زيارة داعية السلام "الاسرائيلي" ابي ناتان لها في بيتها معتذرا، وكان ابي ناتان قائدا لاحدى الطائرات التي قصفت ترشيحا، ثم تحول الى داعية سلام، واقام "سفينة السلام" في البحر الاحمر.
قالت فاطمة انها لم تغفر له.
"كان ابي ناتان يتحدث عن السلام في ندوة في أميركا، فقال له احد ابناء ترشيحا المقيمين هناك: انت تدعو الان الى السلام بينما قتلت قنابلك الناس عام 1948 ، وشوهت بعضهم واخبره قصتي". وفي احد الايام سمعت قرعا على بابي، ورأيته.
هل تذكرين ماذا جرى عام 1948 ؟ قال.
ابتسمت وقلت كيف انسى، شوف شو عملت فيي، كل حياتي قضيتها على هذا الكرسي.
طلب مني ان اسامحه.
قلت على ماذا؟
قال على الذي جرى.
قلت ولكن لو سامحتك انا، ماذا اقول للموتى والمطرودين من ترشيحا، اسامحك عندما يعودوا.
قال انه لا يعرف ماذا يقول.
قلت انا اعرف، لن نسامحكم قبل ان يعود الحق لاصحابه.