قصف تخوم معمل الكهرباء رسالة "اسرائيلية" مفتوحة
ابراهيم بيرم
قذائف المدفعية "الإسرائيلية" التي سقطت على مقربة من "معمل بولس ارقش" لتوليد الطاقة في بسري كان واضحا، انها تخرج عن حدود كونها قصفا عاديا في اطار التصعيد اليومي في الجنوب، لتبعث برسالة ذات ابعاد، تحمل دلالات جلية على ان "اسرائيل" لن تتورع عن تنفيذ تهديد رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بضرب البنى التحتية في لبنان اذا ما استمرت عمليات ضرب المستوطنات "الاسرائيلية" في الجليل الاعلى .
والواضح لدى الاوساط المتابعة للملف الجنوبي ان هذا التطور التصعيدي، بقي رغم كل ذلك، تحت سقف "تفاهم نيسان"، ولكنه في الوقت نفسه يستبطن مؤشرات على توجهات "اسرائيلية" ميدانية وسياسية فقد تتجاوز مألوف الرد "الاسرائيلي" على الضربات التي يتلقاها الجيش "الاسرائيلي" من المقاومين.
وفي رأي هذه الاوساط ان هذا التصعيد "الاسرائيلي" يميط اللثام عن المضامين التي بقيت حتى الان على طي الكتمان، لقرارات مجلس الوزراء "الاسرائيلي" المصغر في الجلسة التي عقدها بعد قطع نتنياهو جولته على بعض العواصم الاوروبية، وهي القرارات التي اكتفى نتنياهو بوصفها لاحقا بأنها "جوهرية وجديدة وجدية". وتؤكد الأوساط عينها ان بوادر هذه القرارات وطلائعها وجدت ترجمتها العملانية في الغارة الاولى على منطقة جنتا البقاعية، والتي كانت فعلا تستهدف معسكرا للمقاومة.
ثم كانت الغارة الثانية على المنطقة عينها كرد على قصف المستوطنات "الاسرائيلية" بصواريخ الكاتيوشا.
وتلا ذلك متفجرة عين الجوزة في شرق بعلبك والتي نجم عنها استشهاد خبير في المتفجرات قيل انه انقذ رفاقه بعدما القى بنفسه على العبوة التي كانت على شكل صخرة بعدما تأكد له ان العبوة منفجرة لا محال.
واعقب هذا الامر عملية جرف المنازل في بلدة ارنون على دفعتين ، وهذا الاجراء وان كان ليس جديدا على الاستراتيجية العسكرية "الاسرائيلية"، الا ان العودة اليه اخيرا كانت تطورا في العدوان "الاسرائيلي" وخصوصا انه ليس ثمة ما يبرر هذا العمل ميدانيا.
وكان ابعاد عائلات من بلدة شبعا الحدودية حلقة في السياق نفسه، وقد تترافق مع عودة الغارات الوهمية المستمرة في اجواء العاصمة والضواحي.
واخيرا وليس اخرا برز التطور اللافت المتمثل في القذائف التي انهالت على مقربة من احدى محطات البنى التحتية في الجنوب ولبنان عموما.
وتذهب مصادر قيادية في حزب الله في معرض قراءتها الاولية لكل هذا الكم المتطور من اساليب العدوان "الاسرائيلي" الى القول بانه ينطوي على جملة دلالات وابعاد ابرزها:
1- ليس صحيحا ما اشاعته تل ابيب اولا من ان مجلس الوزراء "الاسرائيلي" المصغر لم يخرج بقرارات في شأن الرد على المأزق العسكري والسياسي "الاسرائيلي" في المنطقة المحتلة، اذ توضح هذه الاحداث ان ثمة قرارات اتخذها المجلس المذكور تتجه نحو التصعيد، وبالتحديد نحو رفع مستوى العمل العسكري "الاسرائيلي" للرد على المقاومة بضربات نوعية تتعدى وتيرة الرد المألوف، وبمعنى اخر، تريد "اسرائيل" نقل الرد الى مناطق ومواقع ابعد من الشريط الحدودي المحتل وتخومه، وفي سبيل تحقيق هدف واضح وهو ارباك المقاومة وبث القلق في اوساط انصارها وقواعدها الخلفية.
2- العمل على ارساء نوع من قواعد جديدة ضمن خطوط "تفاهم نيسان"، عبر استمرار التصعيد وتطويره بشكل يفضي الى فقدان المقاومة زمام المبادرة والفعل، الذي امتلكته فعلا منذ فترة بعيدة، وبمعنى اخر نقل شكل الصراع الميداني من المواجهات بين مجموعات المقاومة والدوريات "الاسرائيلية" ، الى أشكال أخرى واماكن ابعد، ومن ثم العمل على ايجاد حال توتر بين المقاومة والمتعاطفين معها، بحث تضطر الى اخذ التطورات الميدانية، والارباك الذي سينشأ على اساسها، في حساباتها المستقبلية وترغم على اعادة النظر في ادائها وردها.
وتؤكد المصادر عينها ان ما يدفع بالقيادة "الاسرائيلية" الى سلوك هذا الخط التصعيدي معطيات عدة ابرزها:
- ارتفاع حجم عمليات المقاومة بشكل مطرد ووصولها الى مناطق كانت في عرف القيادة "الاسرائيلية" آمنة، ونجاحها في تخطي كل الاجراءات "الاسرائيلية" الميدانية ومن ثم تحقيق ضربات اوجعت المجتمع "الاسرائيلي" كله، ومن ثم عمقت الانقسام في داخله حول جدوى احتلال الجنوب، بحيث اضطرت القيادة السياسية "الإسرائيلية" الى اللجوء الى مناورات وطروحات سياسية في محاولة منها لامتصاص النقمة داخل هذا المجتمع.
- ارتياح نتنياهو وفريق عمله من الضغوط التي كانت تمارس عليه، بعد تجميد تنفيذ اتفاق واي ريفر مع الفلسطينيين.
- اقتراب موعد الانتخابات العامة في "اسرائيل" ، وسعي نتنياهو الجاد الى تحقيق اكبر مقدار من الانجازات الميدانية وخصوصا في الجنوب، حيث المأزق "الاسرائيلي" في ذروته، وذلك لمواجهة خصومه السياسيين، وباختصار يجد نتنياهو ان فرصته الان هي في التصعيد في الجنوب.
واذا كانت هذه هي الخطط العامة لابعاد التصعيد "الاسرائيلي" في الجنوب، فما هي خطة المقاومة للمواجهة؟
الواضح ان حزب الله يعيش اجواء التطورات "الاسـرائيلية" منذ فترة، وهو يعمل، كجزء من مواجهتها، على اعلان التمسك بتفاهم نيسان والتزام مضامينه ومندرجاته، لان الحزب وافق اصلا على هذا التفاهم لانه اخرج المدنيين اللبنانيين من دائرة الاستهداف "الاسرائيلي" بعدما ظلوا طوال اكثر من عقدين من الزمن هدف الرد "الاسرائيلي" على عمليات المقاومة، او المدى الذي من خلاله تقوم "اسـرائيل" بارسال الرسائل السياسية الى من يعنيهم الامر.
واذا كان الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله قد بادر الى اعلان التزامه مجددا التفاهم كرد على التهديدات "الاسرائيلية"، فالمقاومة ترجمت ذلك ميدانيا عندما ردت على القصف "الاسرائيلي" على تخوم معمل الكهرباء، بقصف مماثل على تخوم المستوطنات "الاسـرائيلية".
والحزب في هذا المجال اكد مرارا انه لا يستهدف فعلا جر الجنوب الى اجواء حرب واسعة، وانه ينصرف الى اعمال المقاومة في سبيل اخراج المحتلين "الاسرائيليين" من المنطقة التي يحتلونها منذ عام 1978 .
وتؤكد مصادره ان الرد الثاني على التصعيد النوعي "الاسرائيلي" هو في تأكيد استمرار عمليات المقاومة ميدانيا، والتي لم تكن في يوم من الايام خاضعة لغير المقاييس والظروف الميدانية، ولا صله لها بالتطورات والمعادلات السياسية.
والرد الثالث، حسب المصادر نفسها، هو في الرهان على وعي اللبنانيين عموما للاهداف "الاسرائيلية" والتفافهم حول المقاومة والذي برز في محطات مختلفة.
والامر الذي تبدي المصادر المذكورة اسفها له، هو انشغال الحكومة عن كل هذه التطورات الميدانية الخطيرة في الجنوب، وبالتالي استنكافها عن القيام بحملة سياسية واعلامية واسعة تعري الخطوة "الاسرائيلية" ، وتكون مقرونة بتقديم شكوى الى مجلس الامن وليس الاكتفاء بتقديم الشكاوى الى مجموعة مراقبة "تفاهم نيسان"