لبنان من منظور السلام "الاسرائيلي"

د. عصام خليفة

باحث واكاديمي لبناني


مقدمة:

لا تتوقف الدعاية "الاسرائيلية" عن اظهار رغبتها بـ "السلام" مع لبنان، وهي اذ لا تكف عن تصدير خطاب اعلامي يروج تل ابيب وسياستها المعتمدة على ظاهر وباطن.

ففي حين ان الدعاية المذكورة، تركز على انعدام الاطماع في الاراضي اللبنانية كما هو الظاهر، فان الباطن لا يحتاج إلى كثيرا من الدلائل لتبيان حقائق الاطماع في الارض والثروة اللبنانية.

في هذا الموضوع، يعالج الباحث اللبناني الدكتور عصام خليفة، حقيقة هذه الاطماع، مبتدئا بالفترة التي تم فيها تقسيم المنطقة العربية إلى اقطار متعددة والرعاية الدولية بعد ذلك في اقامة "اسرائيل".

ويسلط خليفة في هذه الدراسة، الضوء على نظرية التسوية "الاسرائيلية" مع لبنان. مظهرا جملة من المشاريع "الاسرائيلية" بهذه الاتجاه، تقوم على مصادرة مياهه، وتعديل حدوده دولية، فضلا عن مشروعات امنية واقتصادية تكون فيها "اسرائيل" هي المحور الاساسي لمنطقة الشرق الاوسط التي ينتمي اليها لبنان.

 

ملاحظات اساسية حول النظام الاقليمي وموقعه في النظام الدولي

1- لم يكن الشرق الاوسط الحديث مطلقا تحت سيطرة قوة عظمى واحدة.

2- ان الشرق الاوسط هو النظام الفرعي في العلاقات الدولية الاكثر تغلغلا في عالم اليوم.

3ـ في الشرق الاوسط كل شيء مرتبط بشيء آخر.

4ـ وتاليا، فالشرق الاوسط هو من اكثر الانظمة الدبلوماسية "تدويلا". والحكمة الشعبية الديبلوماسية حول الشرق الاوسط تقول: "ان الامور لم تكن ابدا جيدة او سيئة كما تبدو ظواهرها". ونادرا ما امتلك لاعب سياسي بمفرده، سواء كان قوة عظمى خارجية او قوة اقليميةـ القدرة على فرض ارادته او حتى تحريك توجهات جديدة رئيسية.

5ـ المسألة الشرقية ما تزال قائمة، ويبدو ان لبنان مقدر له ان يبقى ارجوحة المسألة الشرقية(1).

6ـ الشرق الاوسط يحتوي على 70% من نفط العالم، الامر الذي جعله محط اهتمام حاسم واهمية قصوى لباقي دول العالم. مع العلم ايضا ان هذه المنطقة اهمية استراتيجية على كافة الصعد (الموقع الجغرافي، الاهمية الروحية والحضارية…)(2).

7ـ منذ قيام "اسرائيل"، واجه الشرق الاوسط نزاعا مفتوحا وداميا، تمفصل مع تحديات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية خطيرة (نمو سكاني، بطالة، مشاكل المياه، والحدود الخ…).

8ـ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تصاعد النفوذ الاميركي في المنطقة وعملت السياسة الاميركية على بذل الجهود الديبلوماسية من اجل "سلام" متفاوض عليه، وعلى المساعدة الامنية لتعزيز الثقة ومبادرات الحد من التسلح، وعلى اقامة علاقات ثنائية وقوية بين "اسرائيل" وجيرانها العرب، مع تأمين مصالحها الحيوية على الصعد الاقتصادية والاستراتيجية. "ما يزال التدفق الحر لنفط الشرق الاوسط باسعار معقولة يعتبر من مصالحنا الثابتة… وما زلنا نملك مصلحة ثابتة في المحافظة على امن دولة "اسرائيل" وبقائها ورخائها. ولنا مصلحة ثابتة في تشجيع تسوية عادلة ودائمة وشاملة وحقيقية للصراع العربي "الاسرائيلي"… وللمرة الاولى منذ الخمسينات، تكون الولايات المتحدة القوة المسيطرة في المنطقة من دون ان يتحداها احد. وتتطلع كل الاطراف الان إلى واشنطن لتمارس نفوذها…" (3) .

اذ تسعى الولايات المتحدة لحل سلمي للصراع العربي "الاسرائيلي"، فهي تواصل تقديم المساعدات العسكرية السخية لـ"اسرائيل" وتقيم مشاريع تكنولوجية مشتركة معها، كالتعاون في مجال الابحاث وبرامج التطوير التي تجعل من "اسرائيل" حليفا خارج حلف الناتو. كذلك حصل تعاون في انتاج وتطوير صاروخ "آرو" بتمويل اميركي ـ "اسرائيلي" مشترك.

وتعمل الولايات المتحدة مع الحلفاء على تخزين مواد ومعدات عسكرية خاصة ببرنامج الحلفاء لضمان محافظة "اسرائيل" على تفوق عسكري نوعي لمواجهة التهديدات في المنطقة على المدى البعيد (4) . ان مساعدة اميركا لايجاد حل للنزاع العربي ـ "الاسرائيلي" تهدف، بالدرجة الاولى، لاتاحة الفرصة امام "اسرائيل" للبقاء والعيش ضمن حدود يمكن الدفاع عنها. وفي المقابل، تعمل السياسة الاميركية:

ـ على تفتيت العامل العربي ضمن تيارات غير متوافقة واحيانا متحاربة.

ـ احكام الحصار والعزلة حول كل من ايران والسودان والعمل على افشال تجاربهما الاسلامية، والاستمرار في حصار العراق واضعافه.

ـ دعم القوى العربية الرسمية المناهضة للحركات الاسلامية بوجه عام.

9ـ لقد شهد عهد الرئيس الاميركي كلينتون تسليم مفاتيح مركز صنع السياسة الاميركية تجاه الشرق الاوسط، وفيما يتعلق بالعملية السلمية لموظفين ينتمون، في اغلبيتهم الساحقة، للجالية اليهودية، ويرتبطون ارتباطا عضويا بـ"اسرائيل"، والصهيونية واللوبي الصهيوني في واشنطن.

10ـ اذ تركز السياسة الاميركية، مع كلينتون وقبله، على اهمية الحفاظ على امن "اسرائيل" والالتزام بتفوقها العسكري، كما تتبع "سياسة الاحتواء المزدوج" ضد العراق وايران معا.

11ـ برغم الجمود الذي حصل مع حكومة نتنياهو في العملية السلمية، وفي السعي الاميركي ـ "الاسرائيلي" من اجل ايجاد حل للصراع العربي ـ "الاسرائيلي"، برغم ذلك فان عودة حزب العمل إلى الحكم في "اسرائيل" مع ايهودا باراك يفترض عودة التوجه نحو شرق اوسط جديد ولو على نحو مغاير بعض الشيء عما كان يخطط له شمعون بيريز.

ومهما يكن من امر فان المغزى العميق لهذا المشروع ينطلق من "تحويل الشرق الاوسط إلى حوض اقتصادي مشترك يتمحور تحديدا حول "اسرائيل" التي لن تكون نقطة الوصل بين آسيا وافريقيا فحسب، بل انها ستشكل قوة الربط بين المشرق العربي ـ وبالذات الخليج ـ واوروبا عبر ما دعاها وزير المواصلات "الاسرائيلي" "خط القرن الحادي العشرين". ان هذا المشروع يستند إلى ارساء شبكة عميقة ومعقدة من علاقات الاعتماد المتبادل بين دول الشرق الاوسط وخصوصا في مجالات البنية التحتية التي سيجري التخطيط والاعداد لها على اساس اقليمي. وليس سرا انه يصعب التفلت من مثل هذه العلاقات، اذ ان تبعات مثل هذا الانفكاك ستكون باهظة وصعبة ومعقدة جدا. ويمكن من خلال هذه الارتباطات التحكم في مختلف التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المنطقة (5).

ان الهدف الحقيقي لمشروعات الربط الاقليمي هو السيطرة على الوقود، والمياه، والطرق والمواصلات، ومسارات التجارة وقنوات المال والتكنولوجيا. ويبدو ان الاستراتيجية الاقتصادية "الاسرائيلية" لمرحلة" ما بعد السلام" ستؤثر تأثيرا بالغا على مستقبلنا الاقتصادي كلبنانيين. ذلك ان قطاعات اقتصادية مثل النقل والسياحة والتجارة، والعناية الصحية، والتوسط الرأسمالي… تشكل العمود الفقري لاقتصاد لبنان، لكنها ايضا القطاعات التي تتمتع فيها "اسرائيل" بتفوق طبيعي او مكتسب (6).

12ـ من ابرز العناصر الاساسية للبعد الاستراتيجي للنظام الشرق اوسطي الذي يتم العمل لقيامه:

ـ تجميد معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين الدول العربية.

ـ اتباع سياسة الحدود المرنة في فلسطين بما يمكن "اسرائيل" من التغلغل في الدول العربية.

ـ ضمان التفوق العسكري "الاسرائيلي" على الدول العربية.

ـ الوجود العسكري الاميركي البحري والجوي الكثيف في المنطقة.

ـ التخزين المسبق للاسلحة والمعدات الاميركية.

ـ ربط "اسرائيل" بمعاهدات واتفاقات امنية مع دول الجوار (تركيا، ارتيريا، اثيوبيا).

ـ منع انتشار الاسلحة النووية والصواريخ البالستية لدى العرب مع انفراد "اسرائيل" بامتلاكها.

ـ نزع سلاح السلطة الفلسطينية الا من اسلحة الدفاع الشخصي.

ـ انشاء مناطق منزوعة السلاح ومناطق حظر الطيران.

تكليف قوات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة والقوات متعددة الجنسيات بالمهام الصعبة وخاصة الارضية (7).

هكذا يبدو ان دور الامم المتحدة في حل النزاعات يتراجع لصالح الولايات المتحدة باعتبارها وسيطا وحكما او إلى "اسرائيل" مباشرة.

13ـ على صعيد مشكلة المياه، طرحت "اسرائيل" جملة مشاريع (8)، منها: اتفاقات مع مصر نقل مياه النيل إلى "اسرائيل"، واتفاقات مع الاردن وخاصة حول مياه اليرموك، واتفاق مع لبنان من خلال توليد الكهرباء من مياه الحاصباني، ونقل مياه حوض الليطاني واستغلالها كهربائيا، وتزويد مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة بالمياه من مصادر خارجية، والاتفاق مع سوريا على مياه هضبة الجولان.

وكذلك طرحت "اسرائيل" مشاريع شرق اوسطية في مجالات التجارة، ومواجهة التصحر، والسياحة، والطاقة والنقل، والاتصالات والصناعة والموارد البشرية، والصحة والبيئة وغيرها…

وحول قضية المياه، يهمنا ان نتوقف عند ما قاله نائب رئيس البنك الدولي كابو توخ فيرز، في مؤتمر قمة عمان الاقتصادي الذي عقد خلال الفترة من 29-31 اكتوبر 1995: "ان تقديرات البنك الدولي الاخيرة اشارت إلى ان سبع دول في المنطقة باتت مضطرة الان إلى استخدام 100% او اكثر من الموارد المائية غير المتجددة كل عام، وتستخدم دول اخرى في المنطقة مثل مصر واسرائيل نحو 90% من مواردها المائية غير المتجددة كل عام".

ويذكر تقرير البنك الدولي ايضا: "ان ندرة المياه في منطقة الشرق الاوسط يصاحبها التلوث حيث تتجه مياه الصرف الصحي المستعملة والملوثة إلى الانهار والبحيرات، وهذه ترفع نسبة الملوحة في المياه العذبة وتؤدي إلى تلويثها، وبذلك تهدد صحة الانسان في هذه المناطق، ولاسيما الاطفال، وهناك عدد من الانهار والبحيرات والمياه الجوفية في بعض بلدان الشرق الاوسط وشمال افريقيا، مهددة بالتلوث بتأثير الصناعة، وبالهدر الذي يؤدي إلى عدم كفاية المياه للزراعة، كما ان كميات كبيرة من المياه تذهب للزراعة التي عائدها ضعيف في الوقت الحاضر".

اما مركز الدراسات الاستراتيجية والاقتصادية في واشنطن فقد اورد، حول موضوع المياه: "المياه وليس النفط ستكون القضية المهيمنة في الشرق الاوسط عام 2000". وفي تقرير صدر عن نفس المركز عام 1987، "يقف الشرق الاوسط على شفا ازمة مصادر طبيعية رئيسية، فقبل القرن الحادي والعشرين يحتمل ان يمزق الصراع، على مصادر المياه المحدودة، الروابط الهشة اصلا بين دول المنطقة".

وحول اهمية المياه في ترسيم حدود الدولة العبرية، ذكر تقرير عن مركز دراسات الشرق الاوسط في واشنطن: "من المهم ان يقوم خبراء المياه بدور حاسم في تعيين الحدود النهائية لـ"اسرائيل"".

14ـ ثمة بعض الخصائص التي تميز النظام الاقليمي في المرحلة الراهنة:

أـ استمرارية النفوذ الغربي عموما والاميركي بشكل خاص على المنطقة.

ب ـ استمرارية الاهمية الاستراتيجية للمنطقة.

ج ـ تلازم العمل لحل الصراع العربي ـ "الاسرائيلي" مع قيام نظام شرق اوسطي جديد.

15ـ حول وضعية تسوية الصراع العربي ـ "الاسرائيلي" في المرحلة الراهنة، يمكن ايراد جملة ملاحظات:

ـ مصر والاردن عقدا معاهدة سلام مع "اسرائيل".

ـ الفلسطينيون عقدوا عدة اتفاقيات على طريق التسوية.

ـ يبقى المسار السوري والمسار اللبناني.

 

في قوة الحق اللبناني من منظور الشرعية الدولية

وفي مجال السياسة المتبعة ازاء المفاوضات مع "اسرائيل"، فان موقف الدولة اللبنانية، من حيث المبدأ، هو موقف صلب اذا كان هناك احترام للشرعية الدولية:

1ـ في اتفاقية الهدنة اللبنانية ـ "الاسرائيلية" الموقعة في 23 آذار 1949، ثمة تأكيد، في المادة الخامسة، ان خط الهدنة الدائمة يجب ان يتبع الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين (9) (أي ترسيم الحدود الذي حصل من خلال اتفاق بوليه ـ نيوكومب) (10).

2ـ بعد اتفاقية الهدنة، حصل ترسيم للحدود بين لبنان واسرائيل باشراف الامم المتحدة في كانون الاول 1949 (11).

3ـ لبنان غير معني بالقرارين 242 و338 الا في مسألة حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وضرورة عودتهم إلى بلادهم.

4ـ القرار الدولي 425 الصادر في 19 آذار 1978 يؤكد على ان تنسحب "اسرائيل" قواتها فورا من الاراضي اللبناني كافة، مع انشاء قوة دولية في جنوب لبنان، لكن مجلس الامن في القرار نفسه: " يدعو إلى الاحترام الصارم لوحدة اراضي لبنان ولسيادته ولاستقلاله السياسي داخل حدوده المعترف بها دوليا" (12) .

5ـ القرار الدولي الصادر عن مجلس الامن رقم 509 بتاريخ 6 حزيران 1982، وفي فقرته الاولى: ـ يطلب من "اسرائيل" ان تسحب جميع قواتها العسكرية فورا، ومن دون شرط، إلى حدود لبنان المعترف بها دوليا (13).

6ـ القرار الدولي الصادر عن مجلس الامن رقم 520 بتاريخ 17 ايلول 1982، وفي النقطة الرابعة : ـ يدعو مجددا إلى الاحترام الدقيق لسيادة لبنان، وسلامة اراضيه، ووحدته واستقلاله السياسي، في ظل السلطة الوحيدة والحصرية للحكومة اللبنانية من خلال الجيش اللبناني في سائر انحاء لبنان… (14).

 

ـ القدس:

 لبنان معني بان تبقى هذه المدينة مفتوحة لكل الاديان، ومعني بان تطبق القرارات الدولية المتعلقة بها.

على الصعيد العملي، يجب:

1ـ تكليف خبراء متمرسين واكاديميين باعداد كامل الملفات المطروحة، مع مكننة لهذه الملفات.

2ـ مراقبة دقيقة ومستمرة مع رصد لكل ما يصدر من دراسات وتحليلات وابحاث داخل "اسرائيل" او في عواصم الدول الكبرى.

3ـ اعداد وتهيئة الشعب اللبناني على مواجهة كل اشكال الضغط والتهديد.

4ـ الحرص على ان يكون هناك وفاق وطني حقيقي على المسائل المطروحة في التفاوض.

5ـ توقع امكانيات الفشل، او فترات العنف ابان المفاوضات.

 

النظام الاقليمي في ظل المفهوم "الاسرائيلي" للسلام

ثمة نظام اقليمي جديد يجب ان يسير بموازاة السلام. في هذا النظام يتم توفير برنامج متكامل لجمع المعلومات حول النشاطات العسكرية (وبالطبع فالبرنامج اميركي)، ويتم نقلها إلى جميع اطراف النزاع من خلال نظام الاقمار الصناعية وبمراقبة روتينية، وتقديم تقارير منتظمة إلى الدول العظمى.

وفي هذا السياق، يقر بيريز ان "الرقابة على التحركات العسكرية ـ العربية هي البديل المنطقي لمفهوم العمق الاستراتيجي ـ "الاسرائيلي". وبرأيه ان المفتاح للحفاظ على نظام امن اقليمي يكمن في النواحي السياسية اكثر منه في النواحي العسكرية. فلا بد من تطبيق سياسات امنية جديدة من خلال اتفاقيات ثنائية ومتعددة الجوانب تغطي كافة مناطق مدى الصواريخ… فمفهوم الامن "الاسرائيلي" يتضمن حدودا ذات طابع خاص، حدودا مرنة وليست صلبة النفاذ. فالحدود ليست جدرانا بالمفهوم "الاسرائيلي"، بل حدودا مفتوحة لاعتبارات دينية ودنيوية تسمح بتحرك حر للناس والافكار والبضائع.. (15).

والحكومة "الاسرائيلية" لا تعتقد بالمعادلة المبسطة (الارض مقابل السلام) او بالانسحاب الكامل مقابل "السلام" الشامل حسب الطرح السوري. ولاسرائيل تفسير خاص للقرار 242. وقد رفع رابين شعار عمق الانسحاب يوازي عمق السلام. وهذا التطور يطال الوضع الداخلي السوري من الاقتصاد إلى نزع التسلح، إلى منع الدعاية المعادية لـ"اسرائيل"، والغاء البرامج الثقافية والاعلامية المعادية للصهيونية او التي تناقش حق "اسرائيل" والبقاء، وعدم ذكر الآيات القرآنية المعادية لليهود في منهج الديانة الاسلامية، او الافكار المسيحية التي تضع مسؤولية كبرى على اليهود لانتهاكهم ومحاكمتهم للسيد المسيح وتهمة الدم ضد الشعب اليهودي الخ…

 

تريد "اسرائيل" ان يتبع الانسحاب الاول فترة تجربة للسلام، تضع التطبيع على محك الاختبار، فـ"اسرائيل" لن تعيد تجربة السلام البارد التي عقدتها مع السادات من خلال اتفاقية كامب ديفيد، بل يتوق "الاسرائيليون" لسلام حار، فالاعتراف المتبادل والعلاقات الديبلوماسية لا تكفي، بل تتعدى ذلك إلى حدود مفتوحة للتعاون المشترك الاقتصادي والتجاري والسياحي، ونزع السلاح السوري قدر الامكان او على الاقل تحديده. وبكلمة مختصرة، فان ما يريده "الاسرائيليون" اتفاقية كمب ديفيد سورية ـ "اسرائيلية" حارة، يكون للاقتصاد والسياحة دورهما الفعال في تخفيف حدة التوتر، كذلك لا يمكن الاستهانة بالعامل المائي الذي يلعب دورا هاما ليس في المفاوضات فحسب، بل في طريقة الوصول إلى الحل النهائي الذي تريده "اسرائيل" (16).

 

الهوامش:

1ـ كارل براون: السياسة الدولية والشرق الاوسط، ترجمة عبدالهادي حسين جياد، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1987.

2ـ زين زين : الصراع الدولي في الشرق الاوسط وولادة دولتي سوريا ولبنان، دار النهار للنشر 1971.

3ـ من تقرير لنائب رئيس مجلس الامن القومي الاميركي سابقا مارتن انديك، امام معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى بتاريخ 18/5/1993.

4ـ جواد الحمد: توجهات اميركية تجاه الشرق الاوسط، مركز دراسات الشرق الاوسط، عمان، 1995.

5ـ ماجد كيالي: "النظام الاقليمي الجديد: الاطار الاقتصادي والاهداف"، مجلة شؤون الشرق الاوسط، العدد 36، ديسمبر 1994، ص 61.

6ـ هيثم الكيلاني: التسوية السلمية، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ابوظبي، 1996، ص9.

7ـ تحرير حلمي شعراوي: الشرق اوسطية مخطط اميركي صهيوني، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1998، ص 63ـ64.

8ـ Government of Israel: Development Options for cooperation: the Middle East mediterranean Region, August, 1995.

والفعل المتعلق بالمياه هو الفصل الرابع (38 صفحة).

9ـ عصام خليفة: لبنان المياه والحدود 1916ـ1975، المرجع السابق، ص 169.

10ـ حول الحدود وترسيمها راجع كتابنا: الحدود الجنوبية للبنان بين مواقف نخب الطوائف والصراع الدولي 1908ـ1936، بيروت، 1985، وكذلك كتابنا المذكور آنفا.

11ـ لبنان والمياه والحدود 1916ـ1975، المرجع السابق، ص 102ـ105.

12ـ قرارات الامم المتحدة بشأن فلسطين والصراع العربي ـ "الاسرائيلي"، المجلد الثاني 1975ـ1981، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 1994، ص 271.

13ـ المرجع السابق، المجلد الثالث، ص 350.

14ـ المرجع نفسه، ص 354، 355.

15ـ شمعون بيريز، شرق اوسط جديد ص 72ـ88 وص 187ـ 192.

16ـ د. نبيل السمان: طريق السلام "الاسرائيلي"، دمشق، لا تاريخ، ص 120ـ121.