اسئلة عن قضية اللاجئين الفلسطينيين

مصطفى الولي / كاتب من فلسطين


غيبت اتفاقات اوسلو عددا من القضايا الاساسية والجوهرية التي تقوم عليها القضية الفلسطينية، ولعل الابرز منها مسألة اللاجئين الفلسطينيين. كما ان الاتفاقات اللاحقة في واي بلانتيشن او شرم الشيخ كرست ما هو اسوأ، حيث جرى وفقا لبعض بنودها النيل حتى من بعض اسس اتفاق اوسلو الاساسية.

في الدراسة (الكتاب) التي قدمها د. محمد حافظ يعقوب، تحت عنوان: بيان ضد الابارتيد (اللاجيئون الفلسطينيون والسلام) نقف حيال تناول لقضية اللاجئين من زوايا نظر عدة وهامة، تتواجه فيها السياسة مع التاريخ والفكر مع القانون، والاخلاق مع الانسانية، ولعل نقده للوعي والممارسة الصهيونيين يعد محور الكتاب.

الفرضية المفتاحية التي توجه الدراسة، هي الفرضية المتصلة بامكان تصحيح التاريخ "فلئن كان التاريخ سيرورة فلأنه حركة مفتوحة لم تنغلق ولا تنغلق. وان المجال ما زال مفتوحا اذن (حسب رأي المؤلف) لانسانية لم تتخل بعد عن انسانيتها او بالاصح لا تستطيع ان تتخلى عنها تحت طائلة الانحدار في درك البهيمية والتوحش".

الاسئلة التي تطرحها الدراسة بخصوص قضية اللاجئين تدور حول سؤال مركزي هو: لماذا اعتقد الصهاينة بان حاجتهم الى فلسطين هي اشد من حاجة الفلسطينيين اليها، وكيف تعاملوا مع هذه القناعة بالذات.

وفي الفصول الاربعة التي تشكل متن الدراسة تجتمع عناصر اجابة على ما طرحه المؤلف من اسئلة بخصوص قضية اللاجئين الفلسطينيين. يقارب الفصل الاول مسؤولية الحركة الصهيونية ثم دولة "اسرائيل" في انتاج قضية اللاجئين وادارتها منذ اكثر من خمسين سنة. ويتوقف الفصل الثاني ازاء المعاني التاريخية والسياسية والانسانية للنكبة. في حين خص الفصل الثالث لسير ابعاد المأزق التاريخي، أي البنيوي الذي نجم عن المشروع الصهيوني على الصعد الفلسطينية العربية و"الاسرائيلية" اليهودية. اما الفصل الرابع والاخير فهو يقارب سؤال الاسئلة الساخن، هو السؤال المتعلق باختناقات ما صار معروفا منذ عدة سنوات باسم عملية السلام.

عن السؤال الاساسي للدراسة يستبعد الكاتب ان يكون الادعاء بالوعد "الالهي التوراتي" هو المحرك للاعتقاد بحق الصهاينة في فلسطين. ويأخذ من اقوال مؤسس "الدولة" "الاسرائيلية" (دايفيد بن غوريون) ما يدعم حجته من ان البعد السياسي "القومية" هو الخليفة التي افضت الى القناعة باحقية اليهود بفلسطين من الفلسطينيين انفسهم.

يقول بن غوريون في هذه النقطة: "ان ارتباط الشعب اليهودي والشعب العربي بارض "اسرائيل" ليس متطابقا. ان الشعب اليهودي يرى في "اسرائيل" الوطن الاوحد والوحيد له.. اما العرب الذين تعتبر هذه الارض وطنا لهم، فهم جزء صغير جدا من الشعب العربي كله" ولذلك يرجح المؤلف ان تكون دوافع بن غوريون كمثل دوافع رفاقه في الحركة الصهيونية، لم تتجاوز حدود الدوافع الدهرية / السياسية بمدلولاتها التي عرفتها الثقافة الاوروبية الحديثة في النصف الاول من القرن العشرين. وديدنها القوة والغلبة والنجاح بالمعني الشوفيني الضيق.

ويؤخذ على المؤلف هنا احادية زاوية النظر للمشروع الصهيوني. انه من المعروف عن تاريخ نشوء الحركة الصهيونية، الذي بدأ بالفكرة اولا، ان الايديولوجيا التي نسجت لتسويقه وتبريره، تلاقت فيها ثلاثة عوامل فكرية تبدو متناقضة وهي: الدين اليهودي والوعد الالهي ـ الفكرة القومية ـ الاشتراكية، ولعل استناد القومية اليهودي الى الدين واختيار ارض الدولة القومية وفق الوعد الالهي بارض الميعاد، يعد خروجا كاملا عن مبادئ الفكر القومي الاوروبي. اما الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها فهي ان الحجة الدينية شكلت اساس التعبئة داخل قطاعات اليهود في انحاء العالم. وهو الامر الذي لا تزال مفاعيله على طبيعة الدولة "الاسرائيلية" ظاهرة في مسألة الهوية (هوية الدولة والمجتمع) كما في قضايا الدستور والقوانين. اما ما يدعي حق العودة اليهودي الى ارض "اسرائيل" فهو يشكل شاهدا لا يدحض على خاصية ما يدعى بـ "القومية اليهودية"، ويتصل "حق العودة" هذا بنقض حق عودة الفلسطينيين، فالاستيطان المتواصل بموجبه هو الذي يعرض اهل البلدة الاصليين الى الطرد والتهجير والابعاد، حتى وان نضب الاستيطان او تراجع عدد اليهود القادمين الى "ارض "اسرائيل"" فان الغاءه بقرار من الدولة "الاسرائيلية" او من القيادة الصهيونية يعادل الانتحار الذاتي.

لقد وظف المؤلف قسطا من التصريحات والمواقف الصادرة عن قادة الحركة الصهيونية، وزعماء "اسرائيل" في سبيل تبيان التوجه المبرمج لترحيل الفلسطينيين ومنع عودتهم الى ارضهم ومنازلهم. كما انه ساق عددا من القوانين والقرارات الصادرة عن المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الانسان التي تضع "اسرائيل" في قفص الاتهام الحقوقي.. الاخلاقي جراء فعلتها بحق الشعب الفلسطيني. ولقد افلح المؤلف في الكشف عن السلوك العنصري للدولة "الاسرائيلية"، وعن  الايديولوجية التي تسوغ ذلك السلوك.

تطرح الدراسة في الفصل الاخير من الكتاب سؤال الحل وامكانياته، ويقوم الكاتب بفحص واختبار ما يدعى عملية السلام الجارية ليبين انها ليست فقط بعيدة عن الحل المطلوب، بل وليكشف انها استكمال لهدر حقوق الشعب الفلسطيني وتعميق التناقض الذي ينتج بالضرورة توترات من درجة اعلى. ويتساءل بالتالي: هل هناك امكانية لتغيير المسار الحالي وصياغة اوضاع جديدة تضع حدا للصراع الدامي الذي مازال متفجرا وتستأصل قابليته المستمرة على الانفجار؟

تكمن حقيقة الفصل العنصري في الفصل الوظيفي بين الناس: "البيض" يحكمون و "السود" يخدمون. وفي الدولة العبرية هؤلاء الاخيرون هم الفلسطينيون العرب. كما ان مفهوم الامن "الاسرائيلي" يتصل من غير لبس بمفهوم السلام الذي ترغب فيه "اسرائيل"، وفيه تصبح وظيفة السلطة الوطنية الفلسطينية هي بالضبط حماية فصل "الاسرائيليين" عن الفلسطينيين باسم امن "اسرائيل". والقيام بما كانت تفعله الشرطة السوداء في نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا العنصرية.

لا شك في ان الوجه العنصري لدولة "اسرائيل" وممارساتها، وقبلها الفكرة الصهيونية ومسوغاتها، يتصلان بالعنصرية العلمية عموما، الا ان ما جسدته الصهيونية في اداتها "اسرائيل" هو شكل اشد عنصرية مما شهدته جنوب افريقيا. هناك كان البيض يقرون بحاجتهم لوجود السود لكن في ترتيب وضع في الحقوق والامتيازات. اما في "اسرائيل" فليس هناك اقرار بالحاجة لوجود الفلسطينيين، ولولا فشل تهويد كامل الارض الفلسطينية (48ـ67) نتيجة لخلل الفكرة الصهيونية ذاتها من جهة، وعجزها عن غرس القناعة في عقل كل يهودي بضرورة القدوم الى ارض "الدولة"، وبفعل تشبث من تبقى من الفلسطينيين بارضهم وصمودهم عليها ونضالهم ضد الاحتلال، لما كان حتى الاقرار بحالة من الفصل العنصري بين الفلسطينيين و"الاسرائيليين" وقف عملية "السلام" الجارية ممكنا، أي ان العنصرية في دولة "اسرائيل" لا تقوم على حاجتها الى اخر مستعبد ومضطهد لانه من عرق او قوم اخر، بل وهذا هو اساس ايديولوجيتها، على نفي وجود الاخر في تلك الارض التي تطلق عليها الدعاية الصهيونية "ارض الوطن القومي" وبالتعبير التوراتي "ارض الميعاد" ارض "اسرائيل".

هل يمكن تجاوز هذا الواقع الصهيوني ـ "الاسرائيلي" عبر الرهان على حدوث تغير في المنظور الاخلاقي والحقوقي من داخل البنية "الاسرائيلية"؟ في المقاربة التي يقدمها المؤلف ثمة لبس في الجواب، اذ يبدو للقارىء وكأن ما حصل للفلسطينيين عام 48 وعام 67 وما يجري يوميا وحتى الان، هو نتيجة خلل في القيم والافكار السائدة في السلطة "الاسرائيلية" ومؤسساتها، بينما الحقيقة التي تزداد وضوحا مع كل طالع شمس هي ان البنية ذاتها وليس احد جوانبها، ترسخت وتوطدت عبر عملية تزييف شاملة بالفلسطينيين وكأنها احداث مسار معاكس ومناقض للوجود "الاسرائيلي" برمته. من هنا فان شرط مراجعة من هذا القبيل هو اصطدام الوجود "الاسرائيلي" بقوة فعل الطرف النقيض وليس عبر المرافعة الحقوقية او المساجلة الفكرية، دون التقليل من شأنيهما كعناصر مساعدة تسرع بانكشاف مأزق المشروع الصهيوني في رمته في وعي البشر الذين يشكلون مادته (اليهود وخصوصا في "اسرائيل").

المادة التي يوفرها الكتاب مكثفة وغنية، ويتعرف القارىء فيها على عقلانية المؤلف ووعيه الانساني المتجرد الى حد بعيد عن عقدة الضحية ازاء الجلاد. وحين يتناول ممارسات الجلاد يحرص على اعلى درجة من الموضوعية في مقاربته الساعية الى تقديم منظور معاصر للخروج من كوارث التوتر والصراع، وهنا نشير ان مادة الكتاب تصلح خطابا موجها الى الرأي العام العالمي ومؤسسات المجتمعات الحديثة والمحايدة في وعيها وموقفها من الصراع العربي ـ "الاسرائيلي".