دور المساعدات الخارجية "اسرائيل"

خالد الفيشاوي

باحث اللجنة المصرية للتضامن


هذه قراءة موجزة في كتاب صدر مؤخرا في القاهرة، يرصد المساعدات الخارجية "لإسرائيل" من جانب الدول الغربية. ويتضمن قائمة رقمية بهذه المساعدات التي درجت الدول الغربية على تقديمها "لاسرائيل" منذ اعلان قيام الاخيرة في العام 1948.

 ويلاحظ الكتاب، ان المساعدات الاميركية تتصدر قائمة المساعدات الخارجية "لاسرائيل" حيث بلغ حجمها حتى العام 1996، ما يقارب الـ67 مليار دولار.

وبعد الولايات المتحدة تأتي المانيا، بذريعة التعويض عن ما يسمى "المحرقة" التي تعرض لها اليهود في خلال الحرب العالمية الثانية على ايدي القوات النازية.

والمرتبة الثالثة، تحتلها، الجاليات اليهودية المنتشرة في العالم، وابناء هذه الجاليات، هم على الاغلب، اميركيون، او انكليز او فرنسيين او أوروبيين بشكل عام.

ويخلص مؤلف الكتاب، الى التأكيد، بان هذه المساعدات تسهم بشكل فعال، في دفع "اسرائيل" الى التطرف وممارسة الارهاب بحق الفلسطينيين والعرب.

 

بناء دولة:

دور المساعدات الخارجية "لاسرائيل"

1948-1996

احمد السيد النجار

القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام، 1998

 

بحكم طبيعة تشكيل "اسرائيل" كمجمع عسكري استيطاني معاد للوسط الاجتماعي الموجود فيه. تضافرت الحاجات الصهيونية العسكرية والديموغرافية والاقتصادية كي تستحدث فجوة كبيرة بين ما تقتضيه تلك الحاجات من رؤوس اموال وبين ما يمكن تدبيره من المدخرات المحلية. وكان لا بد من التمويل الخارجي لسد الفجوة بين الضرورات التي تطلبتها اقامة "اسرائيل" وبين امكانات فلسطين المحتلة الاقل كثيرا وتلقت "اسرائيل"، فعلا، من الدول الكبرى في اوروبا الغربية. والولايات المتحدة، والتجمعات اليهودية في العالم، اضافة الى التعويضات الالمانية اموالا ضخمة مولت بها الفجوة المذكورة.

ومع ان "اسرائيل" تعتبر، وفقا لتصنيف البنك الدولي، ضمن الدول ذات الدخل المرتفع، اذ بلغ متوسط نصيب الفرد فيها من الناتج المحلي الاجمالي نحو 15.920 دولارا في سنة 1995، الا انها ما زالت اكثر دولة متلقية للاعانات في العالم، فقد حصلت على اعانات وتمويلات من الخارج بلغت قيمتها نحو 6.9 مليارات دولار سنة 1994 بواقع 1278 دولار لكل فرد، أي ان هذا الاستمرار في تلقي الاعانات امر غير منطقي بعد ان اصبحت دولة غنية يفوق نصيب دخل الفرد فيها نظيره في كل من البرتغال واليونان واسبانيا وايرلندا ونيوزيلندا، فضلا عن الدول النامية كافة.

وهذا الكتاب الذي وضعه الخبير الاقتصادي في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام احمد السيد النجار، يقع في اربعة فصول. يتناول الفصل الاول الضرورات العسكرية والاقتصادية والديموغرافية التي فرضت على "اسرائيل" الحاجة الى الاعانات الخارجية. ويتحدث الفصل الثاني عن تدفق المساعدات الخارجية على "اسرائيل" من المصادر المتعددة ومبررات تقديمها وحجمها. اما الفصل الثالث فيبحث في الشروط التي استدانت بها "اسرائيل"، وحجم ديونها الخارجية واخيرا، يتناول الفصل الرابع احتمالات المستقبل فيما يتعلق بحاجات "اسرائيل" الى المساعدات الخارجية. واستمرار تدفقها او توقفها في ظل محاولات التسوية السلمية للصراع العربي-"الاسرائيلي".

ويبين المؤلف، في رصده للمساعدات الاميركية "لاسرائيل" منذ سنة 1948 حتى الان، ضخامة هذه المساعدات، اذ تشير الاحصاءات الى ان ما تلقته "اسرائيل" من الولايات المتحدة سنة 1952 يوازي 93% من قيمة المساعدات الاميركية الرسمية المرسلة الى بلاد الشرق الاوسط.

وفي سنة 1953، اوقفت الولايات المتحدة مساعداتها "لاسرائيل" نتيجة الازمة الناجمة عن قيام الاخيرة ببناء قناة خاصة لتحويل معظم نهر الاردن اليها. واسفرت الازمة عن وقف "اسرائيل" للمشروع، واستئناف الولايات المتحدة ارسال مساعداتها، التي استمرت في مستوى مرتفع سنة 1954، ثم انخفضت في فترة 1955-1961 لتعود فترتفع ثانية سنة 1962 نتيجة ارتفاع المساعدات الخارجية الاميركية على العموم. وعقب اغتيال الرئيس جون كنيدي وتولي ليندون جونسون، المعروف بدعمه غير المحدود "لاسرائيل"، سدة الرئاسة ارتفعت المساعدات الاميركية من 40 مليون دولار سنة 1964 الى 71 مليون دولار سنة 1965 ثم قفزت الى نحو 127 مليون دولار سنة 1966، وهي السنة ما قبل حرب حزيران/يونيو والتي شهدت بيع صفقات اسلحة اميركية ضخمة "لاسرائيل". ثم تراجع حجم المساعدات سنة 1967 نتيجة حصول "اسرائيل" على مساعدات ضخمة من مصادر خارجية اخرى، فضلا عن ان امنها لم يعد مهددا بعد انتصارها، وكذلك نتيجة المغانم التي حصدتها وادت الى زيادة مواردها.

لكن اعتبارا من بداية السبعينات بدأ سباق التسلح مرة اخرى، وبدءا من سنة 1971 قفزت المساعدات الاميركية "لاسرائيل" قفزة هائلة، فارتفعت قيمتها من 71 مليون دولار سنة 1970 الى 601 مليون دولار سنة 1971، وفي سنة 1974، قدمت الولايات المتحدة مساعدة استثنائية بلغت قيمتها 2570 مليون دولار، وذلك نتيجة خسائر "اسرائيل" في حرب تشرين الاول/اكتوبر وارتفعت قيمة المساعدات مرة أخرى سنة 1979 فبلغت 4815 مليون دولار، وذلك ثمنا لاتفاق السلام الذي وقعته "اسرائيل" مع مصر لتعود الى مستواها في السنة التالية، وخلال الفترة 1981-1985، كان نصيب "اسرائيل" النسبي من المساعدات الاميركية يبلغ ربع مساعدات الولايات المتحدة الى دول العالم تقريبا.

وفي سنة 1986، تلقت "اسرائيل" المساعدات الاميركية الاعتيادية التي بلغت 3 مليارات دولار، منها 1.8 مليار دولار مساعدات عسكرية، و 1.2 مليار دولار مساعدات اقتصادية، وكلها منح لا ترد، فضلا عن منحة طارئة لا ترد بلغت 1500 مليون دولار.

وفي سنة 1991، تلقت "اسرائيل" مليارات الدولارات من الولايات المتحدة وهي المنحة المعتادة، فضلا عن تقديم ضمانات الحكومة الاميركية لقروض مصرفية "لاسرائيل" من البنوك الاميركية بقيمة 10 مليارات دولار. واستخدمت ضمانات القروض وسيلة لحفز "اسرائيل" على المشاركة في عملية التسوية التي بدأت في مدريد في تشرين الاول/اكتوبر 1991.

وبناء عليه، بلغ مجموع المساعدات الاميركية "لاسرائيل" منذ 1949 حتى سنة 1996 نحو 66.588 مليار دولار منها 2.105 مليار دولار قروض، 23.013 مليار دولار هبات، 11.413 مليار دولار قروض عسكرية، 29.380 مليار دولار هبات عسكرية، اضافة الى مساعدات خاصة لاستيعاب اليهود السوفيات قيمتها 678 مليون دولار قدمت خلال الفترة 1973-1992.

ويلاحظ المؤلف ان اغلبية المساعدات الاميركية "لاسرائيل" قدمت بعد سنة 1971، وانها لم تخضع، في كثير من الاحيان، للقوانين الاميركية هذا فضلا عن ان ازمة سنة 1953 كشفت عن قدرة المساعدات على اجبار "اسرائيل" سياسيا، اذا ما ارادت الولايات المتحدة ذلك.

وفي المرتبة الثانية بعد المساعدات الاميركية تأتي المساعدات الالمانية "لاسرائيل". واساس هذه المساعدات ما يسمى بمعاناة اليهود على يد النازيين الالمان. واذا كان سقط منهم 4 ملايين نسمة، فقد سقط اكثر من 45 مليون مسيحي ضحية للحرب، فضلا عن ملايين المسلمين من شمال افريقيا والهند وباكستان وبنغلادش. لكن "اسرائيل" ما زالت تخضع المانيا للابتزاز لتحصد التعويضات والمساعدات. ففي سنة 1954، شكلت المساعدات الالمانية ما يعادل 30% من الموارد الاسرائيلية، وحتى سنة 1971 كانت التعويضات الالمانية الغربية اكبر مصادر المساعدة الخارجية "لاسرائيل". وبلغت قيمة التعويضات التي تلقتها "اسرائيل" من المانيا حتى نهاية سنة 1987 نحو 37 مليار دولار. بينما يشير وزير الخارجية الالماني، كلاوس كينكل، الى انها بلغت نحو 60 مليار دولار حتى منتصف سنة 1996، وستستمر هذه التعويضات حتى سنة 2030، فيبلغ حجمها آنذاك 80 مليار دولار.

وفي المرتبة الثالثة تأتي الجباية اليهودية، او مساعدات يهود العالم "لاسرائيل".والتبرعات اليهودية هي دائما منح لا ترد. اما سندات "اسرائيل" فهي دين على الحكومة ضعيفة العائد.

بلغت حصيلة الجباية اليهودية 10.635 مليار دولار خلال الفترة 1950-1980، وتأتي اساسا من اليهود الاميركيين. وفي النصف الاول من الثمانينات، تلقت "اسرائيل" نحو مليار دولار من المؤسسات الصهيونية، 70% منه من مؤسسات في الولايات المتحدة،  ونتيجة الهجرة اليهودية السوفياتية ازداد حجم التمويل اليهودي، فحصلت "اسرائيل" سنتي 1990 و 1991 على 350 مليون دولار و 128 مليون دولار على التوالي. ان الرقم الفعلي لمجموع الجباية حتى سنة 1994 ربما وصل الى 19.368 مليار دولار، وان كان يصعب تحديده بدقة بسبب التعتيم اليهودي على البيانات.

ويستمر المؤلف في رصد المساعدات الاخرى التي تلقتها "اسرائيل" منذ اقامتها حتى الان، والتي بلغت في مجملها خلال الفترة 1918-1996 نحو 179.4 مليار دولار موزعة كالتالي: 76.6 مليار دولار مساعدات حكومية اميركية متنوعة، 60 مليار دولار تعويضات المانية، 19.4 مليار دولار جباية يهودية، 23.4 مليار دولار اصول اجنبية في "اسرائيل".

وقد بلغ الدين الناجم عن القروض التي تلقتها "اسرائيل" 32.46 مليار دولار سنة 1990. ونظرا الى ان عدد سكان "اسرائيل" بلغ 4.82 ملايين نسمة في السنة نفسها، فان نصيب الفرد من الديون في "اسرائيل" بلغ 6733 دولارا، وفي سنة 1994، بلغ اجمالي دين ""اسرائيل" الخارجي نحو 41.150 مليار دولار، وبلغ عدد السكان في تلك السنة 5.47 ملايين نسمة، لذا ارتفع نصيب الفرد في "اسرائيل" من الديون الى 7522 دولار.

 ان مستوى ديون "اسرائيل" الحالي يعني كارثة لاي دولة او مجتمع طبيعي، لكننا ازاء دولة معسكرة يرتبط وجودها بمصالح الدول الغربية الكبرى التي تلتزم توفير كل سبل الحياة لها وتتكفل بحل ازماتها.

وهكذا ساهمت الدول المانحة للمساعدات، بصورة حاسمة، في صنع "اسرائيل". وعن احتمالات استمرار تدفق المساعدات الخارجية "لاسرائيل" في المستقبل يتوقع المؤلف ان يستمر الغرب في استعداده لتقديم المساعدات اليها نظرا الى الترابط العضوي في المصالح التي تجمع بينهما، وان كان التغير المحتمل هو التحول من المنح والقروض المالية الى ضخ الاستثمارات المباشرة الى "اسرائيل" لتحويلها الى المركز الصناعي الرئيسي والمهيمن في المنطقة. وهو مرتبط بانفتاح "اسرائيل" على الاسواق العربية، ففي التطبيع المزيد من المساعدات.

ويتناول المؤلف بشيء من التفصيل احتمالات المستقبل بالنسبة الى الضرورات العسكرية التي تكمن في حاجة "اسرائيل" الى التوازن عسكريا مع دول المنطقة. ولما كانت تكلفة التوازن مع اقطار المواجهة تفوق قدرات "اسرائيل" وامكاناتها، كما تتوقف حاجة "اسرائيل" الى المساعدات الخارجية على استمرار الصراع العربي-الصهيوني، وهو صراع ذو طبيعة تجعل النهايات المتعادلة له امرا غير وارد -في رأي المؤلف على الاقل- فان انفاقها العسكري سيرتفع بصورة دائمة، وبما يتجاوز قدرتها على تمويله ذاتيا.

اما عن القول ان مسيرة التسوية السياسية للصراع العربي-"الاسرائيلي" ربما تؤدي الى تراجع الانفاق العسكري في "اسرائيل"، فان المؤلف يرى هذا مستحيلا. وبناء عليه فان الانفاق العسكري سيكون دائما في ازدياد.

في اية حال هناك عامل يدفع "اسرائيل" الى مواصلة الصراع مع العرب، وهو محاولة الحفاظ على التماسك الهش للمجتمع "الاسرائيلي"، والسعي لتحقيق الاندماج والتكامل الداخلي بين يهود "اسرائيل" المنحدرين من قوميات وشعوب متعددة.

وننتقل الى الضرورات الاقتصادية، حيث يتوصل المؤلف الى ان خطط التصنيع، والنمو الزراعي، وتمويل عجز ميزان المدفوعات، والرفع غير المنطقي لمستويات المعيشة، تضع "اسرائيل" امام حاجات اقتصادية كبيرة لا يمكن مواجهتها الا بالمساعدات الخارجية.

اما عن الضرورات الديموغرافية واحتمالات المستقبل، فان استمرارية حاجة "اسرائيل" الى المساعدات الخارجية لاسباب ديموغرافية تنطلق من واقع ان عدد اليهود في "اسرائيل" لا يزيد على 30% من اجمالي عدد يهود العالم، وبالتالي فان "اسرائيل" تبذل جهودا كبيرة لجذب يهود العالم الى العيش فيها، وحتما سيستتبع ذلك نفقات باهظة لاستيعاب المهاجرين المحتملين الى "اسرائيل". وهي نفقات لا يمكن تمويلها الا بالمساعدات الخارجية.