كيف تورط جوسبان مع الملائكة ؟

داني ربونشتاني

(هآرتس 2/3/2000)

ترجمة من العبرية: اسماعيل عباس

نقلا عن صحيفة المستقبل 7/3/2000


فاجأت عاصفة الخواطر التي عمت الشارع الفلسطيني في اعقاب تصريحات رئيس حكومة فرنسا ليونيل جوسبان عن حزب الله، القيادة الفلسطينية، لانها لم تتوقع اندلاع مثل هذا الاحتجاج. فماذا فعل جوسبان الذي استحق عقوبة الرجم بالحجارة في بيرزيت والذي سبب حصول هيجان وتظاهرات صاخبة في جميع جامعات الضفة الغربية؟

ان الخطأ الذي وقع فيه جوسبان ومضيفون الفلسطينيون كان عدم تقديرهم الصحيح لمدى التعاطف والتأييد اللذين يحظى بهما حزب الله في العالم العربي عموما ولدى الفلسطينيين خصوصا، فالجملتان اللتان عرف بهما جوسبان حزب الله كإرهابي، تبين انهما، ومن خلال القاء نظرة إلى الوراء مس بالقيم المقدسة.

ان الاحترام الذي يوليه الفلسطينيون لاعضاء حزب الله نابع من ان عناصر حزب الله اليوم هم الوحيدون في العالم العربي الذين يتحدون "اسرائيل". ففي مقابل عالم عربي مهان، وعلى الرغم من الاذعان لاميركا، وفي مقابل سلطة فلسطينية عاجزة، فان المقاتلين في جنوب لبنان هم رمز الكرامة العربية، فهم قد اظهروا لكل العالم بانه عندما يكون هناك استعداد للتضحية، والعزم والشجاعة والايمان، يمكن ايجاد رد على كل الاخفاقات.

وهذا الاسبوع وصف مدير مدرسة متوسطة في رام الله خلال محادثة خاصة، كيف يتكلم تلامذته عن مقاتلي حزب الله كما يتكلمون عن الملائكة، فبضع عشرات من المؤمنين المسلمين حولوا الجيش "الاسرائيلي" إلى اضحوكة، وقاموا برفع راية الجهاد، وهزموا الجيش الاقوى في الشرق الاوسط ، الذي يولول جنوده ويطلبون الهروب. وفي نظر الشارع الفلسطيني، فان عناصر حزب الله يحافظون على مستوى اخلاقي عال وعلى طهارة السلاح.

أتجرأ رئيس حكومة فرنسا على نعت هؤلاء بالارهابيين ؟ هذا السؤال طرح هذا الاسبوع في كل زاوية في الضفة الغربية وغزة، فالاضطرابات العنيفة التي حصلت في بيرزيت ضد جوسبان كانت عفوية، كذلك الامر بالنسبة لموجة التظاهرات التي ضمت الالاف في الخليل، بيت لحم، نابلس ورام الله. كما حصلت ايضا تظاهرات مماثلة تم خلالها احراق صور جوسبان ووزير الخارجية ديفيد ليفي، في لبنان وقامت شبكات التلفزة العربية بتصوير زعماء حزب الله في صيدا وهم يحيون طلاب بيرزيت.

لقد احس رئيس حكومة فرنسا على ما يبدو بالعاصفة التي اثارها في المؤتمر الصحافي الذي حصل في القدس نهار الخميس الماضي، ولذلك، وعند مجيئه بعد ذلك إلى بيرزيت، لالقاء محاضرة في كلية الحقوق، حاول اصلاح الانطباع وقال لمستمعيه، ان فرنسا تدين الوجود "الاسرائيلي" في لبنان والاحتلال "الاسرائيلي" لجنوب لبنان، ولكن كل هذه المحاولات لم تساعده فالطلاب الذين انتظروه في الخارج رفعوا لافتات اتهموه فيها بانه قال هذه العبارات بسبب نيته التنافس على الانتخابات الرئاسية، وقد كتب على احداها "انت تريد ان تُعبد طريقك إلى قصر الاليزيه بدماء الاطفال اللبنانيين"، وكذلك تم التلميح في المقالات الصحافية الفلسطينية بان جوسبان قد وجه تصريحاته للجمعيات اليهودية القوية في العالم لمساعدته في انتخابه.

ان الجمهور الواسع رد بارتياح وحتى انه اثنى على تصرف الطلاب الذين مسوا جوسبان. اما اعضاء البرلمان الفلسطيني فقد اتخذوا قرارا رفضوا فيه اقوال جوسبان واعتبروا المقاومة اللبنانية للاحتلال عملا مشروعا، وحتى عرفات نطق بصورة مشابهة.

كما ان المتحدثين باسم حماس والمعارضة اليسارية الفلسطينية تحدثوا بلغة اكثر وضوحا، حيث كتبوا في العريضة التي نشروها قبل اسبوعين والتي صدرت من قبل ناشطين يساريين بينهم الدكتور حيدر عبدالشافي وبسام الشكعة الذي كان رئيس بلدية نابلس، "اننا نقول، بان طريق فلسطين، وطريق تحرير لبنان والجولان، هي طريق حزب الله، طريق المقاومة".

من خلال دراسة الوضع في ضوء ما حدث، يبدو انه كان عل عرفات ورجاله ان يعرفوا مدى قدر هيبة وكرامة حزب الله في اوساط الفلسطينيين بسبب نجاحاته الاخيرة ضد "اسرائيل"، وبالنسبة للصحافة الفلسطينية في رام الله، تذكرهم شعبية حزب الله بالانطباع العظيم الذي صنعته عمليات المنظمات الفلسطينية بعد حرب 1967، وعرفات يعرف ذلك اكثر من الاخرين، لكن رئيس حكومة فرنسا لم يعرف ذلك، فدفع الثمن عندما تحول إلى هدف للانتقاد الشديد في جميع ارجاء العالم العربي وحتى في بلاده ايضا. اما بالنسبة للزعامة الفلسطينية، فان هذا الامر يمكن ان يكون بمثابة اشارة تحذيرية بان الشعب الفلسطيني يفضل الكفاح الصارم والعنيف على طريقة حزب الله، على ما يبدو له انه تسويات مذلة تقترحها "اسرائيل".